صمت رسمي وأسئلة متصاعدة: تزامن ملتمس الجنسية وطقوس مراكش وأغادير يثير الجدل في المغرب
الجزائرالٱن _ في غضون أشهر قليلة، وجد المغرب نفسه أمام ثلاثة مشاهد متتالية، كل واحد منها لافت بمفرده، غير أن اجتماعها في هذا التوقيت بالذات هو ما جعل كثيراً من المغاربة يطرحون أسئلة لا تبدو لها إجابات رسمية:
ملتمس تشريعي يطالب بمنح الجنسية لأبناء وأحفاد اليهود المغاربة المهاجرين في كل أنحاء العالم، وجماعة من السياح الإسرائليين يؤدون طقوساً دينية علنية أمام باب دكالة التاريخي في مراكش، وفيديو آخر يوثّق صلوات يهودية ومحاكاة لحادثة شق البحر على شاطئ أغادير. والقاسم المشترك بين المشاهد الثلاثة أن الدولة المغربية لم تُبدِ موقفاً واضحاً من أيٍّ منها.
ملتمس بلا وجه.. من يقف وراء التشريع المجهول؟
كشفت وزارة العلاقات مع البرلمان عن وجود ملتمس تشريعي أُودع عبر البوابة الوطنية للمشاركة المواطنة، موجَّهاً إلى رئيس مجلس النواب رشيد الطالبي العلمي، يطالب بمنح الجنسية المغربية لجميع أبناء وأحفاد اليهود المغاربة المهاجرين.
الأمر اللافت أن الوزارة لم تكشف عن أي تفاصيل تتعلق بأصحاب الملتمس، فلا أسماء ولا جهة ولا تنظيم. ملتمس يدخل البرلمان بلا هوية.
ويذهب الملتمس إلى أبعد من مجرد تسهيل الإجراءات؛ إذ يقترح إنشاء بوابة رقمية خاصة، وقاعدة بيانات للأسماء العائلية ذات الأصل اليهودي المغربي، وهيئة وطنية للشؤون الدينية لليهود، فضلاً عن تعزيز حمايتهم القانونية.
وهي مقترحات تنظيمية شاملة تتجاوز منطق “تصحيح وضعيات فردية” لتدخل في إعادة هيكلة العلاقة بين الدولة المغربية وفئة بعينها على أساس ديني.
الملتمس التشريعي هو ملتمس لصهينة المشهد العام في المغرب عبر مغربة الصهاينة المحتلين لفلسطين. وبغض النظر عن أجندة الاختراق، فإن كل مفردة في الوثيقة فيها كلام تاريخياً وقانونياً وسياسياً وأمنياً.
وقد بدا الإحراج واسعاً حتى داخل الطائفة اليهودية المغربية ذاتها؛ إذ رفض جاكي كادوش، رئيس الطائفة اليهودية بجهة مراكش-آسفي، الملتمسَ صراحةً، معتبراً أنه «يحمل نزعة طائفية»، ومشدداً على أن القوانين المغربية الحالية لا تحرم أي مغربي، مسلماً كان أم يهودياً، من استرداد جنسيته متى أثبت أصوله.
وأضاف أن “إصلاح قوانين الجنسية يمكن أن يكون عاماً، لكن ليس خاصاً باليهود دون سواهم”
في المقابل، رأت الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع أن الملتمس يشكّل “خطراً على استقرار وسيادة المغرب”، محذِّرةً من أنه قد يفتح الباب أمام منح الجنسية لمستوطنين إسرائيليين،
وهو السؤال الذي تتمحور حوله المعارضة الشعبية: هل تنطبق هذه القوانين على اليهود المغاربة المقيمين في فرنسا وكندا والأرجنتين فحسب، أم أنها ستشمل حتماً من يحمل اليوم جواز سفر دولة الاحتلال؟
باب دكالة “حائطاً للمبكى”.. والسلطات صامتة
قبل ذلك بأيام قليلة، أشعل مشهد آخر الرأي العام المغربي. حيث توقفت حافلة سياحية قادمة من إسرائيل أمام باب دكالة التاريخي بمراكش، ونزل ركابها ليؤدوا طقوساً دينية جماعية استمرت قرابة خمس عشرة دقيقة.
بلباس ديني يهودي، أمام أسوار المدينة العتيقة. انتشرت مقاطع الفيديو على الفور، وفي دقائق كان التعليق الأكثر تداولاً يقول إن المشهد يذكّر بـ”حائط المبكى”
لم تُصدر السلطات المغربية أي بيان. لم يُستدعَ أحد. لم تُوقَف الحافلة.
وهو ما اعتبره المتابعون موقفاً بحد ذاته؛ إذ في دولة دأبت على مراقبة الفضاء العام بعين يقظة، يبدو أن الصمت في مواجهة طقوس دينية علنية تقام على خلفية اتفاقيات التطبيع ليس غياباً بل اختياراً.
وسارع ناشطون في مناهضة التطبيع إلى تنظيم وقفة احتجاجية أمام باب دكالة ذاته، رافعين لافتات تقول “مراكش ليست أورشليم” و”لا للتطبيع”.
وقد طُرح في هذا السياق سؤال جوهري: ما الذي يميّز هذه الطقوس عن ممارسة دينية عادية مكفولة لكل زائر؟ والجواب الذي يقدمه المعارضون هو السياق: أن هذه الطقوس تجري في خضم حرب إبادة، وبتمويل سياحي منظَّم، وبغياب أي ضوابط رسمية.
اتفاقيات أبراهام: الثمن الذي لم يُكشف للمغاربة
لفهم هذه الأحداث في سياقها، لا بد من العودة إلى ديسمبر 2020، حين وقّع المغرب اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل بوساطة أمريكية.
ثمن ذلك كان الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية المزعومة على الصحراء الغربية.
غير أن تفاصيل ما جرى التفاوض عليه خلف الأبواب المغلقة لم تُكشف بالكامل للرأي العام المغربي.
وقد جاءت الاتفاقية في غياب أي نقاش شعبي أو برلماني، فُرضت كأمر واقع من القمة، في حين كان الشارع المغربي، الذي طالما تضامن مع فلسطين، يشهد مظاهرات ووقفات لا تتوقف.
ومنذ ذلك التاريخ، تراكمت ملفات إشكالية؛ تقارير عن تسهيل عبور سفن أسلحة متجهة إلى الكيان الصهيوني، وفتح الأجواء أمام رحلات عسكرية إسرائيلية، وتوسيع التعاون الأمني والاستخباراتي.
وهي وقائع تنفيها الحكومة أو تتجاهلها، فيما تواظب منظمات حقوقية وإعلامية على توثيقها وتداولها.
ما يبدو اليوم تفصيلاً صغيراً ـ ملتمساً هنا أو طقساً هناك ـ قد يتحول غداً إلى واقع مفروض إذا لم يُقرأ في سياقه الصحيح. واليقظة ليست خياراً بل ضرورة.
الأسئلة التي لا تُجيب عنها الحكومة
يطرح المغاربة المعارضون لهذا المسار جملة من الأسئلة التي تظل بلا إجابة رسمية واضحة: من يقف وراء الملتمس التشريعي تحديداً، وما مصادر تمويله؟ هل ستُطبَّق آليات منح الجنسية على حاملي جوازات السفر الإسرائيلية أيضاً؟
لماذا تغيب أي ضوابط قانونية تمنع أداء الطقوس الدينية بطابع استفزازي في الفضاء العام؟ وما طبيعة التعاون الأمني والعسكري الذي يجري تحت سقف اتفاقيات أبراهام بعيداً عن الرقابة البرلمانية؟
الحكومة المغربية لا تجيب. وصمتها ـ في مشهد الملتمس وفي مشهد باب دكالة وفي مشهد أغادير ـ هو ما يجعل الأسئلة تتراكم ويُشعل القلق في الشارع.
وفي غياب الإجابات الرسمية، يملأ الفضاء العام بتفسيرات متباينة، يلتقي كثير منها عند خلاصة واحدة: أن ما يجري ليس مصادفات متفرقة، بل مسار مدروس يُنفَّذ بصمت.
الشعب المغربي لم يُستشَر حين وُقِّعت الاتفاقيات، ولم يُخبَر حين تراكمت تداعياتها.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة