آخر الأخبار

أوبك والجزائر: من إدارة الأسعار إلى هندسة التوازنات في النظام الطاقوي العالمي

شارك
بواسطة شعيب.ز
مصدر الصورة
الكاتب: شعيب.ز

● أوبك والجزائر: من إدارة الأسعار إلى هندسة التوازنات في النظام الطاقوي العالمي

الجزائر الآن – ثمة لحظات فارقة في تاريخ الاقتصاد العالمي تكشف فيها الأزمات عن حقائق كانت مخبوءة خلف أرقام الإنتاج وبيانات الأسواق.

فحين انهارت أسعار النفط عام 2014 لتصل إلى مستويات لم تشهدها منذ عقود، وحين ضربت جائحة كوفيد-19 الطلبَ العالمي في مقتل عام 2020، تبيّن أن ما كان يبدو اقتصاداً بحتاً لم يكن في حقيقته سوى سياسة بامتياز.

وفي كلتا الحالتين، كانت منظمة أوبك وتحالف أوبك بلس في قلب الحدث، بين عاجز عن الاستجابة ومُعيد لرسم المشهد.

مصدر الصورة

فما الذي تحوّل فعلاً في بنية هذا النظام الطاقوي الدولي؟ وهل استطاعت الدول المنتجة أن تتجاوز منطق ردّ الفعل نحو منطق الفعل المبادر والمنظّم؟

وما الدور الحقيقي الذي أدّته الجزائر في هذا المشهد المركّب، وهل كان مجرد استضافة دبلوماسية عابرة أم فعلاً بنيوياً أسهم في إعادة صياغة التوازنات الطاقوية العالمية؟

مصدر الصورة

هذه الأسئلة وغيرها يُجيب عنها البروفيسور عبد القادر بريش، الخبير الاقتصادي والنائب البرلماني، في تصريحاته لصحيفة “الجزائر الآن”، مقدّماً قراءةً تحليلية تتجاوز السطح الرقمي لتغوص في البنى العميقة للجيواقتصاد الطاقوي، وما ينطوي عليه من صراعات خفية وتحالفات هشّة وتوازنات قابلة للانقلاب في أي لحظة.

●أوبك: حين تُصبح السيادة مفهوماً جماعياً

مصدر الصورة

كثيراً ما تُقرأ منظمة أوبك من زاوية وظيفتها الاقتصادية الضيقة، أي كآلية لتنظيم الإنتاج والتحكم في العرض.

غير أن البروفيسور بريش يدعونا إلى قراءة أعمق وأكثر جذرية، إذ يرى أن أوبك في جوهرها كانت ـ ومنذ نشأتها عام 1960ـ فعلاً سيادياً بالمعنى الكامل للكلمة.

فقد وُلدت في سياق احتدام التنافس بين الدول المنتجة من جهة، والشركات النفطية الكبرى المدعومة بنفوذ الدول الصناعية من جهة أخرى، وهو ما جعل تأسيسها يمثّل ـ في تحليل البروفيسور ـ لحظة انتقال حضاري من منطق التبعية إلى منطق الفاعلية الاستراتيجية.

والأهم في هذه القراءة أن البروفيسور بريش لا يُقرأ أوبك كتنظيم تقني، بل كإطار لإنتاج ما يُسمّيه “التوافقات السيادية”، أي تلك التوافقات التي تنشأ بين دول تتباين في أحجامها وأنظمتها وأولوياتها.

لكنها تلتقي عند إدراك مشترك لضرورة العمل الجماعي. وهنا يكمن ما يصفه البروفيسور بـ”القوة البنيوية” للمنظمة؛ ليس في احتياطياتها النفطية وحدها،

بل في قدرتها على تحويل التنافس المحتمل إلى تنسيق فعلي، ومن ثمة تحويل نفسها إلى “آلية ضبط استراتيجي” لا تنفي التناقضات بين أعضائها بل تُدير هذه التناقضات وتحوّلها إلى طاقة توافقية.

بيد أن هذا النموذج اصطدم بحدوده الموضوعية مع تشكّل بيئة طاقوية جديدة أكثر تعقيداً وأوسع فاعلين. وهو ما جعل التحول نحو صيغة أكثر شمولاً أمراً لا مفرّ منه.

مصدر الصورة

●أوبك بلس: هندسة التحالفات في زمن الفوضى الطاقوية

لا يُخفي البروفيسور بريش دهشته من التوقيت الذي وُلد فيه تحالف أوبك بلس. فقد نشأ في ذروة الفوضى السعرية التي أعقبت قرار المملكة العربية السعودية عام 2014 الدفاع عن حصتها السوقية بدل الأسعار.

وهو القرار الذي أدى إلى انهيار تاريخي في عائدات كل الدول المنتجة دون استثناء. في تلك اللحظة، برزت ضرورة موضوعية لتوسيع دائرة التنسيق لتشمل منتجين كبار خارج المنظمة، وفي مقدمتهم روسيا.

ويُميّز البروفيسور بريش بدقة بين منطقَين مختلفَين، منطق أوبك القديم القائم على إدارة الأزمة بعد وقوعها، ومنطق أوبك بلس الجديد القائم على “الضبط الاستباقي”.

هذا المفهوم الأخير يُعبّر عنه البروفيسور بالقول إن التحالف انتقل من التفاعل مع السوق إلى التأثير فيه قبل أن يُفرز أزمة، عبر آليات مرنة لمراجعة حصص الإنتاج دورياً والتكيّف مع المعطيات المتغيرة بسرعة لم تكن متاحة في الإطار القديم لأوبك.

غير أن ما يُميّز هذا التحليل عمقاً هو تنبيه البروفيسور إلى البُعد الجيوسياسي للتحالف.

فأوبك بلس ليس مجرد توسيع كمّي لعدد الأعضاء، بل هو ـ في قراءته ـ إعادة رسم لخارطة التوازنات بين القوى الكبرى في ميدان الطاقة، إذ تجلس روسيا والمملكة العربية السعودية على طاولة واحدة بينما تحتدم بينهما منافسة استراتيجية في ميادين أخرى.

وهذا بحد ذاته يجعل من التحالف نموذجاً استثنائياً في الحوكمة الطاقوية متعددة الأطراف، نموذجاً يفصل ـ أو يحاول أن يفصل ـ بين منطق التعاون الاقتصادي ومنطق التنافس الجيوسياسي.

●اتفاق الجزائر 2016: التفاصيل الخفية للحظة التاريخية

يُولي البروفيسور بريش اهتماماً استثنائياً لاجتماع 28 سبتمبر 2016 في الجزائر، لأسباب تتخطى الاعتزاز الوطني المشروع إلى ما هو أعمق وأكثر دلالة.

ففي تلك اللحظة تحديداً، كانت الأسعار تتهاوى، والمصالح تتضارب، وجسور الثقة بين الرياض وموسكو تكاد تنقطع كلياً.

وفي هذا المناخ المشحون بالتوتر، نجحت الجزائر في أن تحتضن ما وصفه البروفيسور بـ”اجتماع الانعطاف”.

ويُدقّق البروفيسور بريش في طبيعة الدور الجزائري في تلك المرحلة، رافضاً توصيفه بالوساطة البسيطة. فالجزائر لم تكن مجرد مُضيفة حسنة النية، بل كانت ـ في تحليله ـ “مهندساً توافقياً” بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ أي فاعلاً يملك القدرة على فهم منطق كل طرف، وترجمة المصالح المتضاربة إلى لغة مشتركة، وبناء أرضية توافق لم تكن قائمة قبل ذلك.

وهو دور يستلزم ليس فقط الإرادة السياسية، بل رصيداً تاريخياً من المصداقية الدبلوماسية لدى كل الأطراف.

والأهم في هذا السياق أن البروفيسور يرفض قراءة اتفاق الجزائر كحدث منعزل أو مبادرة ظرفية. فهو في رأيه كان لحظة تأسيسية تجاوزت في أثرها مسألة خفض الإنتاج لتُشكّل نقطة الانطلاق نحو بناء هيكل حوكمة طاقوية متعددة الأطراف لم يكن لها وجود قبل ذلك، وهو الهيكل الذي سيُعرف لاحقاً بتحالف أوبك بلس.

●عشر سنوات على أوبك بلس: بين الإنجاز وحدود النموذج

ومع بلوغ التحالف عامه العاشر، يتوقف البروفيسور بريش عند حصاد هذه المرحلة بنظرة تجمع بين الإقرار بالإنجاز والوعي بحدود النموذج.

ففي جانب الإنجاز، يُقدّم البروفيسور ثلاثة اختبارات كبرى نجح التحالف في اجتيازها: انهيار الطلب الحاد عام 2020 جراء الجائحة، والتقلبات الحادة الناجمة عن الحرب في أوكرانيا وما رافقها من إعادة رسم لخارطة الطاقة الأوروبية، ثم إدارة مرحلة التعافي الاقتصادي العالمي التي أفرزت ضغوطاً تضخمية حادة.

غير أن القراءة المعمّقة للبروفيسور بريش تكشف عن وعي نقدي بالتوترات الداخلية التي يُخفيها التحالف، إذ إن جمع دول متباينة في مصالحها وسياساتها تحت سقف واحد لا يزال يُنتج احتكاكات هيكلية لا يحلّها أي توافق مؤقت.

وما يجعل التحالف صامداً رغم ذلك ـ في رأيه ـ هو أن كلفة التفكك تبقى في تقدير أعضائه أعلى بكثير من كلفة الاستمرار في إطاره، وهو ما يجعل منه نموذجاً في “التعاون القائم على المصلحة المحسوبة” لا على الانسجام الطوعي.

●الجزائر في النظام الطاقوي الدولي: فاعل أم مجرد لاعب؟

يختم البروفيسور بريش تصريحاته لـ”الجزائر الآن” بمقاربة تحليلية تتعلق بالموقع الاستراتيجي للجزائر في المشهد الطاقوي الدولي.

وهي مقاربة تتجاوز الخطاب الرسمي المعتاد لتطرح سؤالاً جوهرياً: هل الجزائر مجرد لاعب يتكيف مع قواعد اللعبة، أم أنها فاعل يُسهم في صياغة هذه القواعد ذاتها؟

جوابه لا يتردد: الجزائر في السياق الطاقوي الدولي الراهن هي فاعل بنيوي بامتياز، تقوم دبلوماسيتها الطاقوية على ثلاث ركائز متكاملة لا تنفصل؛ بناء التوافق بين الفاعلين المتباينين، وتعزيز الثقة في لحظات الأزمات، والدفع نحو حلول جماعية تتجاوز منطق الربح والخسارة الفوريَّين.

وبهذا المعنى، يُرسّخ البروفيسور صورة الجزائر كـ”قوة توازنية” في النظام الطاقوي الدولي، لا تملك القوة العظمى لفرض إرادتها، لكنها تملك المصداقية والموقع والإرادة لترجيح كفة التوافق على حساب الفوضى.

●الطاقة مرآة النظام العالمي

تُجسّد تصريحات البروفيسور عبد القادر بريش لـ”الجزائر الآن” قراءةً نادرة في عمقها ومنهجيتها، إذ تُذكّرنا بأن أسواق النفط ليست ساحات اقتصادية مجردة تُحرّكها قوانين العرض والطلب وحدها.

بل هي مرايا تعكس بأمانة توازنات القوى الكبرى، وأولويات الدول، وطبيعة النظام الدولي في كل مرحلة من مراحله. وما أوبك وأوبك بلس في نهاية المطاف إلا تجلٍّ لهذه الحقيقة العميقة؛ أن الاستقرار في عالم متقلب لا يُصنعه السوق وحده، بل تصنعه الإرادة السياسية حين تلتقي بالمصلحة المشتركة وتُحوّلها إلى مؤسسة دائمة.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا