●من مورد تقليدي إلى قوة جيوسياسية: كيف أصبحت الجزائر ركيزة الأمن الطاقوي لأوروبا؟..خبير عربي يشرح
محلل أسواق المال ميشال طليبي.. صدمة الطاقة أعادت رسم الخارطة الاقتصادية لأوروبا
الجزائر الآن – أكد محلل أسواق المال، ميشال طليبي في تصريح تلفزيوني لقناة القاهرة الإخبارية بأن أزمة الطاقة التي عصفت بالقارة الأوروبية لم تكن مجرد تحدٍ عابر ،بل قد تحولت إلى نقطة تحول استراتيجية أعادت هيكلة الاقتصاد الأوروبي بالكامل.
ومبرزا بأن الصدمة الطاقوية العالمية التي تمر بها آوروبا حاليا قد مثلت محرك دفع لدول القارة الآوروبية نحو تغييرات جذرية في سياساتها الإنتاجية والنقدية والبحث عن حلول ليلة لتأمين إحتياجاتها الطاقوية.
●الجزائر 2026: الركيزة الإستراتيجية للأمن الطاقوي الأوروبي في ظل أزمات الملاحة الدولية
وفي ذات الخصوص يرى المختصين للشأن الإستراتيجي والديبلوماسي بأنه ومع حلول عام 2026، قد شهدت الجزائر زيارات ديبلوماسية وسياسية واستراتيجية للقادة الآوروبيين كزيارة الدولة التي قامت بها الوزيرة الآولى الإيطالية جيورجيا ميلوني للجزائر .
والتي يرون بأنها تندرج في سياق بحث القارة الآوروبية عن بدائل لآزمتها الطاقوية الحالية .
كما يشير الخبراء وبذات الصدد بأن الجزائر وفي إطار تعزيز تموقعها وحضورها الراسخ والرائد في السوق النفطية العالمية .
قد واصلت تعزيز مكانتها كشريك طاقوي موثوق ولا غنى عنه للقارة الأوروبية، مدفوعة برؤية استشرافية تمتد لعام 2030.
والتي تهدف إلى تحويل البلاد إلى قطب طاقوي إقليمي يربط بكفاءة ما بين مصادر الطاقة التقليدية والحلول الحديثة.
ويرى خبراء في قطاع الطاقة بأن الجزائر قد أصبحت اليوم “الركيزة الأساسية” لضمان تدفق الإمدادات إلى أوروبا، خاصة في ظل التعقيدات الجيوسياسية الراهنة.
وقد ساهم تصاعد التوترات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، وما تلاه من تهديدات مباشرة لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، في إعادة توجيه البوصلة الأوروبية نحو المورد الأكثر استقراراً وقرباً جغرافياً.
●إعادة رسم خارطة النفوذ الطاقوي
وأجمع محللون دوليون على أن المشهد العالمي الجديد أعاد رسم خارطة النفوذ الطاقوي، حيث برزت الجزائر في مقدمة الموردين الأكثر موثوقية للقارة العجوز، ويعود هذا التميز إلى عدة عوامل إستراتيجية، أبرزها:
●الموقع الجيوسياسي الآمن: بعيداً عن ممرات الملاحة المضطربة والمضايق المهددة بالإغلاق، توفر الجزائر مسارات توريد آمنة وآكثر موثوقية ومباشرة عبر خطوط الأنابيب العابرة للمتوسط.
●الموثوقية في التنفيذ: لقد أثبتت الجزائر قدرة فائقة على الوفاء بالتزاماتها التعاقدية حتى في أحلك الظروف الدولية، مما عزز ثقة الشركاء الأوروبيين.
●تسريع الاستقلال الطاقوي وتوطين البدائل الخضراء
ومن جانبه يرى طليبي أن انتهاء عصر الطاقة الرخيصة المستوردة، لا سيما من روسيا،قد فرض على الحكومات الأوروبية واقعاً جديداً.
كون أن هذا الضغط قد دفع نحو استثمارات ضخمة ومتسارعة في قطاعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر.
حيث انتقل ملف الطاقة من كونه “خياراً بيئياً” ليصبح “أولوية قصوى للأمن القومي الأوروبي.
●الغاز الجزائري.. العمود الفقري للإمدادات نحو القارة العجوز
ويرى المراقبين بأن الجزائر تستمر في تصدر المشهد كأهم مورد إفريقي للغاز نحو أوروبا.
حيث تشكل الإمدادات الضخمة عبر شبكة الأنابيب العابرة للمتوسط ركيزة أساسية للأمن الطاقوي الأوروبي.
وقد مكنت هذه التدفقات المستقرة الدول الأوروبية من مواجهة تقلبات الأسواق العالمية، مما جعل المورد الجزائري الخيار الأول لضمان الاستقرار الطاقوي.
●الجزائر 2026: تعزيز الدور الاستراتيجي كشريك محوري في أمن الطاقة الأوروبي وفق رؤية 2030
وفي ذات الشأن يرى العديد من المتابعين للشأن الإقتصادي الطاقوي الجزائري بأن الجزائر تواصل خلال عام 2026 ترسيخ مكانتها كلاعب محوري بارز ومؤثر في معادلات الخريطة الطاقوية العالمية.
والذي لا يمكن تجاهله في سوق الطاقة الدولية، مستندة في ذلك إلى إمكانياتها الهائلة في قطاع الغاز ومشاريع طموحة في الطاقة المتجددة و الهيدروجين الأخضر.
ويشير المشهد الحالي إلى تحول الجزائر من مجرد مورد تقليدي إلى شريك استراتيجي يساهم بفعالية في صياغة مستقبل الطاقة للقارة الأوروبية، ولاسيما خاصة الطاقات المتجددة كالهيدروجين الأخضر.
حيث أن الرؤية المستقبلية 2030 التي كرسها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون سوف تتجاوز الطموحات الجزائريةمن مجرد تصدير الغاز والنفط.
لتشمل الاستثمار الواسع في الهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة، لتصبح جسراً طاقوياً يربط بين احتياجات الحاضر وتطلعات المستقبل النظيف.
وتؤكد هذه المعطيات أن الجزائر لم تعد مجرد مورد عابر، بل أصبحت صمام أمان إستراتيجي، في وقت تبحث فيه أوروبا عن استقرار طاقوي.
بعيد عن التجاذبات العسكرية التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط وتؤثر على سلاسل الإمداد العالمية.
●تحولات عميقة في الهيكل الصناعي للقارة الآوروبية
وقدسلط تحليل القناة المصرية الضوء على ظاهرة إعادة هيكلة القطاع الصناعي، حيث واجهت الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الكيماويات والصلب، ضغوطاً وجودية.
وفي ذلك فقد أشار طليبي إلى أن هذا الوضع قد أدى إلى تغير في “جغرافيا التصنيع”.
حيث اتجهت بعض الشركات نحو الابتكار التقني لخفض الاستهلاك، بينما فضلت أخرى نقل نشاطها إلى أسواق توفر تكاليف طاقة تنافسية.
وهو مايعزز من الثقل المحوري والإقليمي والطاقوي للجزائر في السوق الآوروبي.
●تعميق الشراكة الجزائرية الطاقوية الاستراتيجية مع إيطاليا
وفي ذات الخصوص فإن المتابعين للشأن الديبلوماسي يبرزون بأن سنة 2026 قد شهدت ترسيخاً لافتاً للعلاقات الطاقوية ما بين الجزائر وروما.
حيث أصبحت الجزائر الضلع الرئيسي في الاستراتيجية الإيطالية لتنويع مصادر التموين.
وتجاوزت هذه الشراكة مجرد بيع وشراء الغاز لتتحول إلى تحالف استراتيجي يهدف إلى جعل إيطاليا مركزاً لتوزيع الغاز الجزائري نحو بقية دول أوروبا.
مما سوف يساهم في امتصاص أي صدمات مستقبلية في المعروض العالمي.
●نهاية حقبة الفائدة الصفرية لمواجهة التضخم
وعلى الصعيد النقدي الآوروبي ،فقدلفت المحلل ميشال طليبي بأن القفزات القياسية في أسعار الطاقة كانت المحرك الرئيسي للتضخم، مما أجبر البنك المركزي الأوروبي على التخلي عن سياسات الفائدة الصفرية.
ويرى بحسبه بأن هذا التحول لم يغير فقط من تكلفة التمويل والمشاريع، بل أعاد صياغة أولويات الإنفاق لدى المستهلك الأوروبي.
●إطلاق “Algeria Bid Round 2026” لتعزيز الاستكشاف في سبع أحواض جزائرية
وفي خطوة تهدف إلى تأمين الإنتاج على المدى الطويل، فقد أطلقت الجزائر في أفريل 2026 مناقصة دولية كبرى تحت مسمى “Algeria Bid Round 2026“.
وتشمل هذه المناقصة طرح 7 مناطق استكشافية جديدة للبحث والإنتاج، في مسعى لجذب الاستثمارات الأجنبية الكبرى وتجديد الاحتياطيات الوطنية من المحروقات، بما يضمن استدامة الصادرات.
●ثورة الابتكار في كفاءة الاستهلاك
وقد اعتبر طليبي أن “الكفاءة” باتت الهوية الجديدة للاقتصاد الأوروبي ، فالشركات التي تمكنت من الصمود هي التي نجحت في دمج التكنولوجيات الذكية لتقليل الهدر الطاقوي.
مما ساهم في ظهور قطاع تكنولوجي جديد يركز بالكامل على حلول إدارة الطاقة المبتكرة.
وفي ذات السياق فقد قامت الجزائر من فتح الباب واسعا أمام الاستثمارات الأجنبية وتطوير البحث العلمي ونقل التكنولوجيات الحديثة والمتطورة لتعزيز الاستكشاف في الحقول الغازية الجزائرية.
●الممر الجنوبي للهيدروجين.. رهان المستقبل
ولا يقتصر الطموح الجزائري على الوقود الأحفوري، بل يمتد ليشمل الطاقات النظيفة.
حيث تعمل البلاد على التموضع كمورد رئيسي للهيدروجين الأخضر لأوروبا عبر مشروع “الممر الجنوبي” (SoutH2 Corridor).
هذا المشروع الواعد يهدف إلى استغلال البنية التحتية القائمة والمؤهلات الطبيعية لتصدير الطاقة النظيفة، مواكبةً لخطط الانتقال الطاقوي العالمية.
●نحو نموذج اقتصادي أكثر مرونة وتدخلاً
وفي ذات السياق فقد خلص التحليل إلى أن أوروبا بدأت تتبنى سياسات تقترب من “اقتصاد الطوارئ”، من خلال تدخل حكومي مباشر لدعم الأسعار وتعزيز الشراء الجماعي للغاز.
ورغم التكاليف الباهظة لهذه المرحلة، يرى طليبي أن الاقتصاد الأوروبي بات يمتلك اليوم نموذجاً أكثر استدامة ومرونة، يعتمد على الابتكار التقني بدلاً من الاعتماد على الموارد الرخيصة.
●توسعة القدرات الإنتاجية ودخول محطات كهربائية حيز الخدمة
وعلى الصعيد الداخلي والإنتاجي الجزائري فإنه يرتقب خلال عام 2026 دخول 9 محطات جديدة لتوليد الكهرباء حيز الخدمة، من أبرزها محطتي “لغروس” و”تاندلة”.
وستساهم هذه المنشآت في رفع القدرة الإنتاجية الوطنية بآلاف الميغاواطات، وهو ما لا يلبي الطلب المحلي المتزايد فحسب، بل يفتح آفاقاً جديدة لتصدير الكهرباء نحو دول الجوار والقارة الأوروبية.
●التوترات الإقليمية تدفع أوروبا نحو المورد الجزائري
ويرى المراقبين للمشهد الاستراتيجي بأن التصعيد العسكري الأخير في الشرق الأوسط قد أدى إلى إحداث شلل جزئي في تدفقات النفط والغاز العالمية، مما جعل الدول الأوروبية تبحث عن بدائل آمنة بعيداً عن بؤر الصراع.
وفي هذا السياق، تبرز الجزائر كخيار استراتيجي نظراً لموقعها الجغرافي القريب وسجلها الحافل بالالتزام بالعقود طويلة الأمد، مما يقلص تكاليف الشحن ويضمن سرعة الاستجابة للطلب المتزايد.
●توسع خارطة الزبائن نحو شرق القارة الآوروبية
ولم يعد الاعتماد على الغاز الجزائري مقتصرًا على الشركاء التقليديين مثل إيطاليا وإسبانيا، بل امتدت قاعدة الزبائن لتشمل دولاً في شرق أوروبا مثل تركيا وكرواتيا.
وتشير الأرقام إلى أن تركيا حافظت على تدفقات مستقرة بلغت 136 ألف طن منذ بداية الشهر، بينما استوردت كرواتيا شحنات كبيرة لأول مرة منذ يوليو 2025، مما يعكس تحولاً في استراتيجية التنويع الأوروبية.
●إيطاليا وفرنسا.. تمسك بالشراكة الاستراتيجية
وبذات الصدد تواصل القوى الاقتصادية الكبرى في أوروبا تعزيز تعاونها مع شركة “سوناطراك”. حيث تجري شركة “إيني” الإيطالية مفاوضات متقدمة لتأمين كميات إضافية من الغاز.
في حين سجلت الواردات الفرنسية من الغاز الجزائري قفزة نوعية لتتجاوز 108 آلاف طن خلال الأسبوعين الأولين من شهر مارس الماضي، مما يؤكد عمق التبعية الإيجابية لهذا المورد الحيوي.
●البنية التحتية والالتزام المهني.. العمود الفقري للشراكة
ويرتكز الدور الريادي للجزائر على إمكانيات طاقوية هائلة وبنية تحتية متطورة تشمل شبكة أنابيب عابرة للحدود ومنشآت لتمييع الغاز.
هذا الالتزام المهني والتقني يجعل من الجزائر “العمود الفقري” لأمن الطاقة في حوض المتوسط، وصمام أمان يحمي القارة الأوروبية من تقلبات “العواصف الجيوسياسية” التي تضرب الممرات المائية الدولية.
وتؤكد معطيات عام 2026 أن الجزائر تمضي بخطى ثابتة لتكون شريكاً طويلاً لمدى، يجمع بين تأمين احتياجات الغاز الحالية ومرافقة التحول نحو الطاقات المتجددة والهيدروجين، مما يعزز ثقلها الجيوسياسي في حوض البحر الأبيض المتوسط.
●استشراف 2030: ريادة جزائرية تعيد صياغة موازين القوى في حوض المتوسط
في المحصلة، يجمع الخبراء والمحللون الاستراتيجيون على أن عام 2026 لم يكن مجرد محطة عابرة في تاريخ الصادرات الجزائرية، بل كان “عام التكريس” الذي تحولت فيه الجزائر من مورد تقليدي للمحروقات إلى محور جيوسياسي مركزي في معادلة الاستقرار العالمي.
ويرى المختصون أن القوة التي تتمتع بها الجزائر اليوم تتجاوز لغة “الأمتار المكعبة”، لتشمل أبعاداً استراتيجية متداخلة:
دبلوماسياً: لقد أثبتت الجزائر أنها “الشريك الموثوق” الذي لا يخضع لتقلبات الأزمات، مما منحها ثقلاً سياسياً جعلها حجر الزاوية في أي حوار طاقوي متوسطي.
اقتصادياً: يمثل إطلاق مشروع الممر الجنوبي للهيدروجين وانفتاح السوق الوطنية على التكنولوجيات المتطورة إعلاناً رسمياً عن دخول الجزائر عصر “الاقتصاد الأخضر”، لتصبح جسراً حيوياً يربط احتياجات أوروبا المستقبلية بمقدرات إفريقيا الواعدة.
سياسياً: لقد. نجحت الجزائر في تحويل الجغرافيا من مجرد موقع حدودي إلى “ميزة استراتيجية” توفر الأمن للقارة الأوروبية، وتؤمن مسارات الملاحة الطاقوية بعيداً عن بؤر التوتر الدولية.
وختاما فإن ما تحققه الجزائر اليوم هو صياغة لنموذج جديد من “السيادة الطاقوية المشتركة”؛ نموذج لا يكتفي بضمان تدفق الغاز، بل يساهم في مرافقة الانتقال الطاقوي العالمي.
وبحلول عام 2030، لن تكون الجزائر مجرد “صمام أمان” لأوروبا، بل ستكون المحرك الرئيسي لقطب طاقوي إقليمي يربط بين ضفتي المتوسط، ويفرض واقعاً اقتصادياً وسياسياً جديداً يتسم بالمرونة والاستدامة، ويضع المصلحة الوطنية في قلب التوازنات الكبرى.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة