مقال رأي | مالي تدفع فاتورة أوهام غويتا
الجزائرالٱن _ في اللحظات التي تنهار فيها الرهانات الكبرى، لا يكفي أن نعدَّ الخسائر؛ يجب أن نفهم كيف وُلدت الأوهام التي أفضت إليها.
ما يشهده الساحل الإفريقي اليوم ليس مجرد أزمة أمنية عابرة، بل هو حصاد مُرّ لسياسة بنيت على ثلاثة أعمدة من الوهم.
وهي وهم القوة المجردة، ووهم الاستغناء عن الجيران، ووهم أن التاريخ يمكن اختصاره بتوقيع عقود مع مرتزقة بعيدين.
حين أمسك الجنرال آسيمي غويتا بمقاليد السلطة في مالي عبر انقلابين متتاليين عامَي 2020 و2021، بدا لوهلة أنه يمتلك وصفة سحرية لمعادلة بالغة التعقيد؛ طرد القوى الغربية التي أخفقت في إرساء الأمن، واستقدام قوة روسية بديلة أكثر مرونة وأقل شروطاً، ثم إعلان السيادة المنتصرة على الشعب.
غير أن السياسة ليست وصفات طبخ، والساحل الإفريقي أعقد من أن يُختزل في معادلة مزدوجة.
الوهم الأول: القوة تصنع الشرعية
اعتقد المجلس العسكري أن الشرعية تُصنع بالبنادق والسيطرة الميدانية، ففتح أبواب مالي على مصراعيها أمام مثالي فاغنر ثم خلفائهم في الفيلق الإفريقي الروسي. كان الرهان صريحاً؛ ما عجز عنه الفرنسيون في عشر سنوات سيُنجزه الروس في عشرة أشهر.
لكن الواقع كان أعصى على التطويع. فالأزمة في مالي لم تكن يوماً أزمة عسكرية بامتياز؛ إنها أزمة تشابكت فيها خيوط القبلية والهوية والفقر والإقصاء التاريخي للمجتمعات الطوارقية في الشمال. وما الهجمات المنسقة التي هزّت باماكو وكيدال وغاو مع فجر السبت الماضي، واستهدفت مقر وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا في قلب معقل السلطة نفسه، إلا دليل ساطع على أن القوة المجردة، مهما عظمت، لا تُلجم موجة تمرد تستمد شرعيتها من شكاوٍ حقيقية وجذور ضاربة في العمق.
والمفارقة المؤلمة أن الفيلق الإفريقي الروسي، الذي صنعت منه باماكو درعاً للبقاء، سارع إلى التفاوض مع جبهة تحرير أزواد منفرداً، يبحث عن انسحاب آمن لمقاتليه من كيدال، دون أن يُشرك في ذلك الجيش المالي الذي جاء ليدعمه.
هكذا يتصرف الحلفاء حين تميل الريح؛ يحفظون وجودهم أولاً، ويتركون أصحاب الأرض يواجهون قدرهم.
الوهم الثاني: استعداء الجار الأقوى سيادة
لعل أشد أخطاء المجلس العسكري فداحةً هو التخلي عن اتفاق الجزائر للسلم والمصالحة الذي رُعي عام 2015 بعد مخاضٍ طويل وجهود دبلوماسية مضنية.
ذلك الاتفاق لم يكن مجرد وثيقة، بل كان معماراً هشاً لكنه قابلاً للبناء عليه، يعترف بجزء من مظالم الحركات الطوارقية ويفتح نافذة لحوار ممكن.
غير أن غويتا آثر أن ينظر إلى الاتفاق باعتباره وصاية مفروضة لا إطاراً للحل. فأعلن بشكل أحادي تعليقه، ثم حوّل الجزائر -الضامن التاريخي لتلك الاتفاقية والقوة الإقليمية الأكثر تأثيراً في الملف المالي- من شريك لا غنى عنه إلى طرف يكاد يُعدّ خصيماً.
وهنا يكمن العمى الاستراتيجي في أجلى صوره. فالجزائر ليست دولة جوار عادية؛ إنها صاحبة الحدود الأطول مع مالي، والأعمق تشابكاً مع نسيجها القبلي والاجتماعي في الشمال، والأقدر من أي طرف على احتواء الحركات الطوارقية والتفاوض معها.
لقد اختار المجلس العسكري أن يعادي من يستطيع أن يُهدّئ، ويستعين بمن لا يملك أن يبني. والنتيجة باتت ملموسة؛ مدن شمالية تسقط، وفيلق يتفاوض بمعزل، وحكومة تبحث عن دبلوماسية ضاعت في زحمة الشعارات.
الوهم الثالث: أن الصمت الداخلي يعني القبول
لم يكتفِ المجلس العسكري بخوض معاركه الخارجية؛ بل سعى إلى إسكات الأصوات الداخلية وتجميد المسار السياسي تحت وطأة الطوارئ والشرعية الثورية.
ظن غويتا أن إخراج الغرب من المشهد ومعاداة الجزائر وتعبئة خطاب السيادة الجريحة سيكفي لاحتواء المعارضة وتأجيل استحقاق الانتقال المدني إلى ما لا نهاية.
لكن حين تهتز أعمدة السلطة بهذه الضراوة، لا يبقى الصمت المفروض صامتاً طويلاً.
ولم يكد دوي الانفجارات يخبو حول كاتي حتى ارتفع صوت الإمام محمود ديكو من منفاه الجزائري، مطالباً باستقالة المجلس العسكري وانتقال مدني شامل.
وقد غدت هذه الدعوة تعبيراً عما يختلج في صدور كثيرين ممن آثروا الصمت حين لاحت مشاريع التغيير.
حين لا تكون الهزيمة نهاية
ليس في هذا المقال دعوة إلى اليأس من مالي؛ فهذا البلد الذي تتشابك فيه حضارات وقبائل ومسالك تجارية عريقة، لا يمكن اختزاله في انتكاسة حكومة عسكرية باتت تواجه حصاد خياراتها.
الشعوب لا تُهزم بسقوط مدن، والتاريخ لم يكتمل.
بيد أن المخرج لن يُوجد في باريس ولا في موسكو. سيوجد في إعادة الاعتبار إلى المقاربة الإقليمية التي سبق إهدارها، وفي القبول بأن الجزائر ليست عائقاً أمام السيادة المالية بل شرط من شروطها.
سيوجد في العودة إلى طاولة الحوار الذي لا تزال أوراقه متاحة رغم تمزق بعض صفحاتها، وفي الاعتراف بأن الشمال المالي لا يُقهر بالسلاح وحده، بل يُستأنس بالعدالة والإدماج والاعتراف بالهوية.
أما الدرس الأعمق الذي قد يستخلصه من يجيء بعد غويتا، فهو أن الرهانات الكبرى إذا قامت على ما هو وهمٌ، فلا تنتظر كثيراً حتى تستيقظ على ثمنها الباهظ، في صباح ربما لا يكون فيه بعدُ متسعٌ للندم.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة