آخر الأخبار

مقال رأي: صنصال.. نهاية عميل انتهت صلاحيته

شارك
بواسطة شعيب ز
مصدر الصورة
الكاتب: شعيب ز

مقال رأي: صنصال.. نهاية عميل انتهت صلاحيته

الجزائرالٱن _ ثمة قاعدة ذهبية في عالم الاستخبارات والسياسة القذرة، تقول أنّ العميل المحترق لا قيمة له، والأداة التي كسرت لا تُصلح. وهذا بالضبط ما يجري اليوم مع الكاتب بوعلام صنصال، الذي كان حتى وقت قريب نجماً يلمع في سماء اليمين المتطرف الفرنسي، قبل أن تُطفئه يد من صنعوه بأنفسهم، ويجد نفسه بلا وطن ولا ناشر ولا كرامة.

لنكن صريحين تماماً، صنصال لم يكن يوماً مجرد كاتب. كان مشروعاً سياسياً متكاملاً، خُطط له بعناية، ونُفذ بإتقان، واستُهلك حتى آخر قطرة. الرجل الذي اعتُقل في مطار الجزائر عام 2024 بسبب تصريحات تشكك في أحقية الجزائر لحدودها، لم يكن يتحدث بعفوية الكاتب المستقل، بل كان يؤدي دوراً مرسوماً سلفاً، في مسرحية مكشوفة الخيوط لمن أراد أن يرى.

اليمين المتطرف الفرنسي أجاد توظيف صنصال توظيفاً استثنائياً. فحين تريد أن تهاجم الجزائر وتشككها وتطعن في تاريخها، فأنت لا تحتاج إلى برونو روتايو بنبرته العدوانية الصريحة، لأن ذلك سيبدو عنصرياً فجاً مرفوضاً. تحتاج بدلاً من ذلك إلى رجل يحمل اسماً جزائرياً.

ويكتب الأدب بالفرنسية، ويُقدَّم للرأي العام باعتباره صوت الحرية المضطهد. صنصال كان هذا الرجل، وكان يعرف جيداً ما يفعله.

بعد خروجه من السجن بعفو رئاسي جزائري، جاء بوساطة ألمانية لا فرنسية، وهذه وحدها تكشف حجم الفشل الفرنسي ومدى التورط في توظيف الرجل، استُقبل صنصال في قصر الإليزي، ورحب به الوزراء، وتسابق الإعلام اليميني على استضافته.

كان المشهد يوحي بأن فرنسا تستعد لجولة جديدة من مشاغبتها مع الجزائر، باستخدام نفس الأداة القديمة. لكن الأداة كانت تتآكل من الداخل، والأيام أثبتت أن ما تبقى منها لا يساوي الضجيج الذي صُنع حولها.

الكارثة الحقيقية لصنصال لم تكن السجن، بل كانت اللحظة التي قرر فيها الانتقال من دار نشر غاليمار العريقة إلى دار غراسيه المملوكة للملياردير اليميني المتطرف فانسان بولوري. في تلك اللحظة، سقط القناع الأخير.

لم يعد بالإمكان تقديم الرجل كمثقف مستقل يدافع عن الحرية والكتابة، بل أصبح واضحاً للجميع أنه قطعة في رقعة شطرنج بولوري الإعلامية الضخمة.

الثمن لم يكن أدبياً، بل كان سياسياً بامتياز. وحين أقيل مدير الدار الذي رفض استقباله، ثار أكثر من مئة وثلاثين كاتباً فرنسياً وغادروا الدار، كان ذلك حكماً قاطعاً من الطبقة الثقافية الفرنسية على هذا التحالف المشبوه.

الثقافة الفرنسية التي طالما تفخر بالاستقلالية والنزاهة الفكرية رفضت صنصال لأن وجوده في دار بولوري لم يكن مجرد خيار نشر، بل كان إعلاناً صريحاً عن الانتماء إلى منظومة إيديولوجية بعينها. والمفارقة المؤلمة أن الذين حاربوا من أجل إطلاق سراحه، ونسّبوا معركته إلى حرية التعبير، هم أنفسهم من انقلبوا عليه أو تبرؤوا منه حين انكشف الوجه الحقيقي.

أما المشهد الأكثر إيلاماً لصنصال، فكان في بروكسل. حين أُقيم حفل انضمامه إلى الأكاديمية الملكية البلجيكية، كان المفترض أن يكون لحظة احتفاء وانتصار.

لكن الأكاديمي المكلف بالترحيب به لم يُخفِ انزعاجه، وقال صراحةً إن بوعلام صنصال يُشعرهم “بعدم الارتياح”. هذه العبارة وحدها تلخص المأزق، فالرجل لا ترحب به الجزائر التي ولد فيها، ولا فرنسا التي تجنّس بها، ولا بلجيكا التي هرب إليها.

هذا ليس نضالاً من أجل الحرية، بل هذا ثمن من يخون بلده ثم يكتشف أن ثمة سقفاً للخيانة لا يمكن تجاوزه، لأن الذين اشتروا الخيانة لا يثقون بالخائن.

وهنا يكمن جوهر المأساة التي يرفض صنصال الاعتراف بها، فمن يبيع وطنه لا يستطيع أن يشتري وطناً جديداً بنفس الصفقة. فرنسا لم تكن يوماً وطنه البديل، بل كانت ورقة لعب يد من يتحكم في اللعبة.

وحين قرر هؤلاء سحب الورقة، أعلن صنصال أن “فرنسا انتهت بالنسبة له”، كأنه يوهم نفسه بأنه صاحب القرار في هذه الفراق، في حين أن الحقيقة المجردة هي أن فرنسا التي يمثلها اليمين المتطرف هي من انتهى منه، لا هو من انتهى منها.

الرجل الذي باع صورة الجزائر في أسواق الإعلام الأوروبية بضاعةً مدفوعة الثمن، يجد اليوم أن بضاعته كسدت، وأن المشترين وجدوا أدوات أحدث وأرخص.

ولم تتسع له فرنسا التي أعطته جنسيتها في 2024، ولا بلجيكا التي انتخبته في أكاديميتها الملكية بأعمال وصفها حتى المتعاطفون معه بـ”المتواضعة للغاية”.

وهذا الإفلاس الأخلاقي والثقافي والإنساني معاً هو الحصيلة الطبيعية لمن يجعل من قضية وطنه تجارة، ومن جرح أمته رأسمالاً يحصل به على الشهرة والجوائز.

في نهاية المطاف، الدرس الأكبر ليس في صنصال نفسه، بل فيمن استخدمه. اليمين المتطرف الفرنسي أثبت مرة أخرى أنه يتعامل مع الأفراد كأدوات تستهلك وتُرمى، بغض النظر عن تاريخهم أو أعمارهم أو ما قدموه.

وحين تنتهي صلاحية الأداة، لا رثاء ولا اعتراف ولا وفاء. فقط صمت بارد، وبحث عن أداة جديدة.

صنصال اختار طريقه بكامل إرادته، ولا يستحق العطف. لكنه يستحق أن يكون درساً، درساً لكل من يظن أن العمل ضد وطنه يمكن أن يورثه كرامة في غيره. الكرامة لا تُشترى ولا تُستورد، وهي إن ضاعت في وطنك لم تجدها في سواه.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا