آخر الأخبار

فيلسوفة جزائرية تؤدّب صنصال وباريس تتخلى عنه

شارك
بواسطة
مصدر الصورة

فيلسوفة جزائرية تؤدّب صنصال وباريس تتخلى عنه

الجزائرالٱن _ يبدو أن صورة بوعلام صنصال داخل المشهد الثقافي الفرنسي لم تعد كما كانت، بعد أن انقشع ذلك الغطاء الرمزي الذي رافقه في السنوات الأخيرة، خصوصًا عقب فترة سجنه في الجزائر، حين جرى تقديمه في دوائر إعلامية وثقافية فرنسية بوصفه نموذجًا لكاتب ضحية لتقييد حرية التعبير، وفرصة لإعادة توظيف قضيته في خطاب نقدي حاد تجاه الجزائر.

غير أن هذا البناء السردي، الذي منح حضوره زخماً استثنائياً، بدأ يتصدع تدريجيًا مع تراكم مواقفه وسلوكه في الوسط الأدبي، لتظهر صورة أكثر تعقيدًا وأقل انسجامًا مع تلك الهالة الأولى،

خاصة بعد قراره مغادرة دار النشر الفرنسية المعروفة غاليمار، وما رافق ذلك من قراءات تتحدث عن براغماتية وانتهازية في تعاطيه مع المؤسسات الثقافية التي احتضنته.

وفي موازاة هذا التحول، بدأت وسائل الإعلام الفرنسية نفسها تعيد صياغة توصيفه، مبتعدة عن صفة “الفرانكو-جزائري” أو “الكاتب الفرنسي”، نحو توصيف أكثر تجريدًا واختزالًا بوصفه “كاتبًا جزائريًا”، في إشارة رمزية إلى تراجع موقعه داخل الفضاء الثقافي الفرنسي وإعادة تموضعه خارج دائرة الاحتفاء السابق،

وهو ما تزامن مع خطوة أكثر دلالة حين اضطر الكاتب إلى التأكيد أنه لم يعد يجد لنفسه مكانًا في فرنسا، مقرّرًا مغادرتها نحو بلجيكا مستفيدًا من انضمامه إلى الأكاديمية الملكية للغة والأدب الفرنسي هناك، في انتقال بدا وكأنه إعلان غير مباشر عن نهاية علاقة كانت تُقدَّم يومًا كمسار اندماج ثقافي ناجح داخل باريس.

رزيقة عدناني تكسر الصمت: الجزائر ليست مجالًا للتجريح

في خضم هذا التحول، جاء موقف الفيلسوفة الجزائرية رزيقة عدناني ليمنح النقاش بعدًا أخلاقيًا وفكريًا حادًا، إذ لم تتعامل مع القضية باعتبارها خلافًا شخصيًا، بل كمسألة تمس حدود النقد المشروع ومكانة الوطن في الخطاب الفكري.

فقد أكدت في منشور لها، جاء كرسالة مباشرة إلى صنصال: “الجزائر ليست شيئًا صغيرًا بلا تاريخ (…) يمكن للمرء أن ينتقد بلده لأنه يريد له التقدم، لكن لا يمكن الإساءة إليه بهذه الطريقة.”

هذا الموقف أعاد وضع النقاش في إطاره العميق، ليس حول حرية التعبير، بل حول الفرق بين النقد البنّاء والتجريح الذي يمس الذاكرة والهوية، واضعًا صنصال أمام مساءلة فكرية تتجاوز شخصه إلى طبيعة خطابه نفسه، في لحظة بدا فيها أن الصورة التي رُوّجت له بوصفه “ضميرًا نقديًا” لم تعد تقنع حتى جزءًا من المتابعين.

الفرنسيون يكتشفون انتهازيته

مع مرور الوقت، لم يعد الجدل محصورًا في مواقفه السياسية، بل امتد إلى الوسط الأدبي الذي احتفى به سابقًا. فخروجه من دار النشر غاليمار لم يُقرأ كتفصيل مهني، بل كإشارة على علاقة مضطربة بالمؤسسات الثقافية، حيث بات يُنظر إلى تحركاته باعتبارها أقرب إلى إعادة تموضع دائم داخل المشهد الإعلامي والثقافي، أكثر من كونها التزامًا أدبيًا ثابتًا.

هذا المسار ساهم في اهتزاز صورته داخل الأوساط الثقافية الفرنسية، وفتح الباب أمام إعادة تقييم حضوره بعيدًا عن صورة “الكاتب الرمز” التي رافقته في مرحلة سابقة.

في موازاة ذلك، بدأت الدوائر الإعلامية والثقافية في باريس تتعامل معه بنبرة أكثر تحفظًا، متخلية تدريجيًا عن الصورة التي رافقته سابقًا.

لم يعد يُقدّم باعتباره صوتًا أدبيًا جامعًا بين الثقافتين، بل كفاعل مثير للجدل، في سياق يعكس تحولًا أعمق في طريقة قراءته داخل المشهد الفرنسي، وإعادة فرزه ضمن خانة أقل حضورًا وأكثر برودة، وصولًا إلى لحظة بدا فيها أن مغادرته لفرنسا نحو بلجيكا ليست مجرد اختيار جغرافي، بل نتيجة لمسافة سياسية وثقافية تراكمت بهدوء حتى انتهت إلى القطيعة.

جدل مفتوح حول الهوية والمعنى

ما يتكشف اليوم لا يتعلق فقط بمسار كاتب، بل بسؤال أوسع حول الهوية والتمثيل الثقافي وحدود النقد. فبين خطاب رزيقة عدناني الذي يعيد ضبط البوصلة الأخلاقية للعلاقة مع الوطن، وبين التحولات في الموقف الفرنسي التي انتهت عمليًا إلى تراجع حضور صنصال ودفعه إلى الرحيل نحو بلجيكا.

يتشكل مشهد جديد يضعف فيه بريق الرموز الجاهزة، لصالح قراءة أكثر تعقيدًا لشخصيات ظلت لسنوات محاطة بهالة يصعب اختبارها، قبل أن يبدأ الواقع في تفكيكها قطعة قطعة.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا