قراءة اقتصادية في “مشروع بلدنا” .. حين تتحوّل الصحراء إلى رافعة للأمن الغذائي
الجزائرالٱن _ لم يكن توقيع الحزمة الثانية من عقود مشروع “بلدنا الجزائر” حدثاً عادياً في مسار الاستثمار الفلاحي بالجزائر. فما جرى الخميس الماضي بالمركز الدولي للمؤتمرات “عبد اللطيف رحال” في الجزائر العاصمة كان، بحسب الدكتور كمال بوعزيز، أستاذ الاقتصاد الكلي بجامعة سيدي بلعباس، إعلاناً صريحاً عن استراتيجية دولة، لا مجرد توقيع عقود. استراتيجية تقول بصوت عالٍ: “الجزائر قرّرت أن تكسر تبعيتها الغذائية، وأن الصحراء ستكون أداتها في ذلك.”
قفزة نوعية في زمن قياسي
ما يستوقف الدكتور بوعزيز في حديثه للصحيفة افلكترونية “الجزائر الآن”، في المشهد الراهن ليس الأرقام وحدها، بل الإيقاع الذي تتحرك به.
فمنذ توقيع الحزمة الأولى في جويلية 2025 بما يتجاوز 500 مليون دولار، لم تمضِ سوى أشهر قليلة حتى جاءت الحزمة الثانية بأكثر من 635 مليون دولار، لتُجمّع القيمتان في ما يتجاوز 1.1 مليار دولار من الالتزامات التعاقدية الفعلية، في مدة لا تتجاوز عاماً واحداً.
يقول الدكتور بوعزيز إن هذا الإيقاع “ليس تفصيلاً إجرائياً، بل هو في حد ذاته رسالة استراتيجية موجّهة للمستثمرين الدوليين مفادها أن الجزائر باتت قادرة على إدارة مشاريع عملاقة بمهنية وانضباط زمني يضاهي المعايير الدولية”.
ويضيف أن الانتقال السلس بين الحزمتين يكشف عن “هيكل تمويلي متين ومنظومة حوكمة مشروع ناضجة، وهذا بالذات ما يجعل المشروع مصدر ثقة لا مصدر قلق”.
أدرار .. من هامش الخارطة إلى مركز الإنتاج
يمتد مشروع “بلدنا” على مساحة 117 ألف هكتار من الأراضي الصحراوية بولاية أدرار، في سابقة لا نظير لها على المستوى القاري.
فالحديث عن تحويل صحراء قاحلة إلى منظومة فلاحية صناعية متكاملة قادرة على استيعاب 270 ألف رأس من الأبقار على المدى البعيد وإنتاج ما يقارب 194 ألف طن من الحليب المجفف سنوياً، هو في نظر الدكتور بوعزيز “إعادة تعريف جذرية لمفهوم الأرض الزراعية في الاقتصادات الناشئة”.
ويذهب المحلل أبعد من ذلك حين يقول إن الرهان الجغرافي في هذا المشروع هو في حد ذاته قيمة مضافة: “اختيار أدرار ليس عشوائياً.
فالجنوب الجزائري يمتلك من الإمكانات المائية الجوفية والطاقة الشمسية والمساحات الشاسعة ما يجعله، حين يُوظَّف بذكاء، بيئةً إنتاجيةً أكثر استدامة على المدى البعيد من كثير من المناطق الزراعية التقليدية في العالم”.
50 بالمائة .. الرقم الذي يقلب معادلة الاستيراد
يُحدّد الدكتور بوعزيز رقماً واحداً يراه “الأكثر أهمية استراتيجية في المشروع بأسره”، وهو هدف تغطية 50 بالمائة من الاحتياجات الوطنية من مسحوق الحليب.
فالجزائر كانت تُنفق سنوياً مئات ملايين الدولارات على استيراد هذه المادة الحيوية، في ظل تبعية غذائية أثقلت كاهل الميزان التجاري وجعلت البلاد عُرضةً لتقلبات الأسواق الدولية.
ويقول بوعزيز إن “تحقيق هذا الهدف لن يعني فقط توفير العملة الصعبة، بل سيمنح الجزائر هامشاً أوسع من السيادة في قراراتها الاقتصادية، وهو رأسمال لا يقلّ أهمية عن الأرقام المالية”.
ويُشير في هذا السياق إلى أن الاستثمار الإجمالي البالغ 3.5 مليار دولار، حين يُقاس بما ستوفره الجزائر من فاتورة استيراد على مدى عقدين، “يتحوّل من عبء مالي إلى قرار اقتصادي مربح بامتياز”.
سبع شركات جزائرية .. صناعة كفاءة لا استيراد خدمة
يتوقف الدكتور بوعزيز بإعجاب واضح عند البنية التعاقدية للحزمة الثانية، التي تضم سبع شركات جزائرية من أصل عشر، من بينها شركة “جي سي بي” فرع مجمع سوناطراك المكلفة بإنجاز المنشآت الرئيسية لتربية الأبقار المصممة لاستيعاب 33 ألفاً و250 رأساً.
ويرى في هذا التوزيع “نموذجاً يحتذى به في إدارة الشراكات الدولية الكبرى، إذ لا تكتفي الجزائر بدور المضيف، بل تُدرج مؤسساتها في صلب الإنتاج وتبني كفاءاتها الصناعية من الداخل”.
ويذهب المحلل إلى أن هذا الخيار يحمل أبعاداً تتجاوز المشروع نفسه: “حين تتولى شركة كـ’جي سي بي’ بناء منشآت بهذا التعقيد التقني، فهي لا تُنجز عقداً فحسب، بل تُراكم خبرة هندسية وتشغيلية ستُوظَّف لاحقاً في مشاريع مماثلة داخل الجزائر وربما في إفريقيا”.
ويُضاف إلى ذلك ما أشار إليه المدير العام للصندوق الوطني للاستثمار من أن العقود المحلية “ستسمح بتوفير العملة الصعبة ودفع الإنتاج الداخلي”، وهو ما يُترجمه بوعزيز بأنه “ضخّ حيوي في شرايين الاقتصاد الوطني”.
30 ألف بقرة تعبر المحيط جواً .. رهان على الجودة
من أبرز ما تضمنته الحزمة الثانية عقدٌ مع شركتين أمريكيتين لاستيراد 30 ألف رأس من الأبقار الحلوب عبر 109 رحلات جوية، ابتداءً من نوفمبر 2026، من أكثر من 20 مزرعة متطورة في الولايات المتحدة.
ويعتبر الدكتور بوعزيز اللجوء إلى الشحن الجوي بدلاً من البحري “قراراً يعكس أولوية واضحة، وهي الحفاظ على جودة القطيع وصحته حتى يبدأ الإنتاج من المستوى الأمثل”، مشيراً إلى أن اختيار سلالات عالية الإنتاجية من الولايات المتحدة يُوفّر للمشروع قاعدة وراثية متينة تنعكس مباشرة على حجم الإنتاج وجودته.
15 ألف منصب عمل .. الجنوب يستحق أكثر من النفط
يرى الدكتور بوعزيز أن الأثر التشغيلي للمشروع يستحق وقفة مستقلة. فتوقع استحداث أكثر من 15 ألف منصب عمل خلال مرحلة التنفيذ، في منطقة طالما اشتكت من هشاشة النسيج الاقتصادي وضعف فرص التشغيل، “ليس رقماً اجتماعياً يُذكر في ختام البيانات الرسمية، بل هو محرك تنموي حقيقي يُعيد توزيع الثروة جغرافياً ويُقلّص الفوارق الإقليمية التي عانى منها الجنوب الجزائري طويلاً”.
ويُضيف أن الأثر التشغيلي سيتمدد إلى ما هو أبعد من المشروع مباشرة، لأن هذا الحجم من العمالة يستدعي خدمات وبنية تحتية وتجارة محلية تُحرّك الاقتصاد الإقليمي بأسره.
نموذج يتجاوز حدوده
يختم الدكتور كمال بوعزيز قراءته لـ”الجزائر الآن” بملاحظة يعدّها الأهم: “مشروع بلدنا لا يُقرأ فقط في سياقه الجزائري، بل هو نموذج يُثبت للعالم أن الدول النامية قادرة على تصميم شراكات استراتيجية طموحة وإدارتها بكفاءة تضاهي نظيراتها في الاقتصادات المتقدمة”.
ويرى أن نجاح هذا المشروع سيُرسّخ مكانة الجزائر وجهةً استثمارية رائدة في إفريقيا، لا لأنها تملك الموارد فحسب، بل لأنها باتت تُحسن توظيفها ضمن رؤية اقتصادية متكاملة بعيدة المدى.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة