خبير تشادي لـ”الجزائر الآن”: “ديبي في الجزائر ليس زائرا .. ولكن ليعلن بداية مرحلة جديدة بين البلدين”
الجزائرالٱن _ حطّ الرئيس التشادي المشير محمد إدريس ديبي إتنو رحاله اليوم في الجزائر، قادماً من نجامينا في زيارة دولة رسمية، بعد أن ودعه عند مغادرته مطار حسن جاموس رئيسُ الحكومة السفير الله-ماي هالينا، ورئيس أركان الجيش، وعدد كبير من المسؤولين.
في مشهد لافت يجسّد الثقل الذي توليه نجامينا لهذا الحدث.
واستقبله الرئيس عبد المجيد تبون باحتفاء رسمي يليق بزيارة من هذا الحجم، في إطار دعوة شخصية وُجّهت إليه من رأس الدولة الجزائرية.
ما الذي تعنيه هذه الزيارة فعلاً، وما الذي يميّزها عن كل ما سبقها؟
ما الملفات الاقتصادية الساخنة التي تحملها على طاولة المفاوضات؟
وكيف تنتزع تشاد موقعها في الاستراتيجية الإفريقية للجزائر؟
الصحيفة الإلكترونية “الجزائر الآن” طرحت هذه الأسئلة على الإعلامي التشادي محمد مهدي حسن، المتخصص في الشأن السياسي والعلاقات الإفريقية، فكانت إجاباته على النحو الآتي.
ليست زيارة.. إنها إعلان مرحلة
يرفض محمد مهدي حسن التعامل مع هذه الزيارة بمنطق الروتين الدبلوماسي.
ويقول بوضوح: “من يقرأ هذه الزيارة باعتبارها استكمالاً للبروتوكول السياسي المعتاد بين البلدين، يقرأها بعيون خاطئة.
نحن أمام إعلان رسمي بانتقال العلاقة الجزائرية-التشادية من طور التنسيق السياسي إلى طور الشراكة الفعلية، بكل ما يعنيه ذلك من التزامات وآليات تنفيذ وأجندات مشتركة”.
ويربط الإعلامي التشادي هذه الزيارة بمسارها التراكمي، مستحضراً لقاء الرئيسين في الجزائر العاصمة في سبتمبر 2024، ثم الدورة الرابعة للجنة الحكومية المشتركة التي انعقدت أمس.
وكان وزير الخارجية التشادي عبد الله صابر فضل قد حضرها على رأس وفد رسمي رفيع. “كل هذه المحطات كانت تحضيراً لهذه اللحظة.
الجزائر وتشاد لا تُبنيان شيئاً بين عشية وضحاها، بل تصنعان مساراً ممنهجاً، وهذه الزيارة هي تتويجه”.
ويلفت حسن بشكل خاص إلى دلالة إدراج توقيع الاتفاقيات ضمن برنامج الزيارة الرئاسية ذاتها:
“حين يجلس الرئيسان معاً ليُشهدا شخصياً على توقيع عشرات الاتفاقيات الصادرة عن الدورة المشتركة، فهذا يمنحها غطاءً سيادياً مباشراً يحوّلها من توصيات تقنية إلى التزامات دولة، لا رجعة فيها ولا مراوغة حولها. هذا ما يميّز هذه الزيارة عن سابقاتها”.
27 اتفاقية على الطاولة.. من الثروة الحيوانية إلى الطريق العابر للصحراء
اقتصادياً، تتشكّل صورة جديدة على المستوى الثنائي، يرسمها محمد مهدي حسن بدقة: “الجزائر وتشاد تمتلكان معاً نموذج تكامل نادر، لا يُصطنع ولا يُستورد، بل يولد بشكل طبيعي من تباين الموارد وتوحّد المصالح”.
وفي هذا الإطار، كشف وزير الشؤون الخارجية التشادي عبد الله صابر فضل خلال زيارته للجزائر أمس عن تصريح استثنائي.
حين أكد أن الجزائر “لن تحتاج مستقبلاً إلى استيراد اللحوم من أي بلد آخر”، مشيراً إلى أن الثروة الحيوانية الضخمة التي تزخر بها تشاد قادرة على تلبية احتياجات السوق الجزائرية.
بل واحتياجات المنطقة بأسرها، معتبراً الجزائر “الشريك التاريخي والحليف الدائم الذي لم يفتر التزامه يوماً”.
يعلّق حسن على هذا التصريح قائلاً: “الوزير فضل لم يجامل حين قال ذلك، بل عبّر عن واقع موضوعي. تشاد تمتلك ثروة حيوانية هائلة تكاد تكون من الأضخم في القارة الإفريقية.
وتظل حبيسة الحدود لأسباب لوجستية وبنيوية يمكن تجاوزها. والجزائر التي تستورد كميات كبيرة من اللحوم سنوياً تجد في تشاد إجابة جاهزة وجارة. هذا ليس حلماً سياسياً، بل مشروع اقتصادي قابل للتجسيد الفوري”.
ويُشير إلى أن التوقيع على 27 اتفاقية تشمل قطاعات سيادية واقتصادية وإنسانية متنوعة يعكس عمق الاستعداد المشترك: “سبعة وعشرون اتفاقية في يوم واحد لا تُنجز عفويا.
بل تُبنى على أشهر من العمل التقني المضني. هذا الرقم يقول بجلاء: البلدان جادّان، وليس ثمة مجال للتملص من التنفيذ”.
ولا يتوقف المحلل عند الثروة الحيوانية، بل يوجّه الأنظار إلى مشاريع البنية التحتية التي يعتبرها الركيزة الصامتة لهذا التعاون: “الخط الجوي المباشر بين الجزائر ونجامينا هو في الظاهر مجرد رحلة طيران.
لكنه في الحقيقة شريان تجاري حيوي. ومشروع الطريق العابر للصحراء، إذا اكتملت وصلته نحو تشاد، سيتحوّل إلى رواق اقتصادي تاريخي لن تجد له المنطقة بأسرها بديلاً”.
تشاد.. مفتاح الجزائر إلى قلب إفريقيا
على الصعيد الاستراتيجي، يرى محمد مهدي حسن أن هذه الزيارة لا تُقرأ بمعزل عمّا يجري في محيطها الإقليمي المضطرب: “الساحل الإفريقي يعيش مرحلة إعادة رسم جذرية للتحالفات.
قوى دولية ترحل، وأخرى تدخل، وبعض الدول تعيد النظر في خياراتها الكبرى. في هذا المناخ المتقلّب، تأتي زيارة ديبي للجزائر رسالةً واضحة لكل من يعنيه الأمر: نجامينا تختار الجزائر”.
ويرى الإعلامي التشادي أن تشاد تمثّل بالنسبة للجزائر ما هو أكثر من مجرد شريك ثنائي: “من يفهم جغرافيا القارة الإفريقية يدرك أن تشاد هي القلب النابض للساحل.
هي بوابة الجزائر نحو إفريقيا جنوب الصحراء، ودرعها من التهديدات المتسرّبة عبر حدودها الجنوبية الشاسعة. العلاقة مع نجامينا ليست ترفاً دبلوماسياً، بل ضرورة استراتيجية قصوى”.
ويستدرك قائلاً: “والأمر متبادل تماماً. الجزائر بخبراتها في قطاعات الطاقة والصناعة والتعليم، وبحضورها الدولي وثقلها التفاوضي، هي الظهر الذي تحتاج إليه تشاد في مرحلة بناء دولة حديثة.
لذلك هذه الشراكة ليست مجاملة، بل مصلحة مشتركة راسخة في عمق الجغرافيا والتاريخ والمستقبل”.
ويختتم محمد مهدي حسن تحليله لـ “الجزائر الآن” بكلمات تلخّص مشهد اليوم: “ما يجري الآن في الجزائر هو أكثر من لقاء رئيسين.
إنه تأسيس لبناء علاقة جديدة تتجاوز شخص القائدين نحو بنية مؤسسية متينة ومشاريع موثوقة ومصالح راسخة.
وأنا كتشادي أقول بصدق: نحن أمام لحظة لا تتكرر كثيراً في تاريخ العلاقات بين دولتين، لحظة يجتمع فيها الاستعداد والإرادة والفرصة في آن واحد”.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة