آخر الأخبار

الجزائر ترسم أفق 2027–2028: من فوسفات بلاد الحدبة إلى قطار الجنوب… خارطة تحول اقتصادي تنهي زمن الريع وتفتح عمق إفريقيا

شارك
مصدر الصورة
الكاتب: شعيب ك و محمد بلقور

●الجزائر ترسم أفق 2027–2028: من فوسفات بلاد الحدبة إلى قطار الجنوب… خارطة تحول اقتصادي تنهي زمن الريع وتفتح عمق إفريقيا

الجزائر الآن-ليست المواعيد النهائية في السياسات الاقتصادية مجرد أرقام في تقارير حكومية؛ إنها في جوهرها إعلانات سياسية عن طبيعة الدولة وأولوياتها، وتعبير صريح عن جدية الإرادة في كسر النماذج الاقتصادية الموروثة.

وحين يجلس رئيس الجمهورية الجزائرية، عبد المجيد تبون، على رأس مجلس الوزراء ليُحدّد أجلاً أقصاه مارس 2027 لتصدير فوسفات منجم بلاد الحدبة، ونهاية 2028 لدخول خط السكة الحديدية الجنوبي حيز الخدمة.

فإن الرسالة أبعد من كونها تعليمات تشغيلية؛ إنها إعلان بأن الجزائر تختار اليوم مساراً مختلفاً، من اقتصاد يعتمد على ما تحت الأرض من نفط وغاز، إلى اقتصاد يُضيف القيمة ويبني الحضور، ويصنع في الوقت ذاته شبكة من الروابط تجمع بين الشمال والجنوب، بين الصحراء والبحر، وبين الجزائر وإفريقيا.

هذا المقال يستقرئ أبعاد هذين المشروعين المحوريين، ويُقيّم الآجال المحددة لهما، مستنيراً بتحليلات البروفيسور عبد الحكيم بوحرب، المحلل الاستراتيجي و الاقتصادي والمحاضر في كلية الإقتصاد بجامعة البليدة 2، الذي يرى في هذه الخطوات لبنات جزائر اقتصادية جديدة.

مصدر الصورة

●أولاً: مارس 2027، أجلٌ بالغ الدلالة لفوسفات بلاد الحدبة

يُعدّ منجم بلاد الحدبة بولاية تبسة أحد أكبر الاحتياطيات الفوسفاتية في العالم، غير أن الجزائر ظلت لعقود على هامش خارطة تصدير هذه المادة الاستراتيجية، في حين تتصدّر دول مجاورة وأخرى بعيدة مشهد السوق العالمية للأسمدة.

لهذا جاء قرار الرئيس تبون بتحديد مارس 2027 “أجلاً أقصى” للتصدير محمّلاً بدلالة مزدوجة، إلحاح اقتصادي من جهة، وخطاب تحوّل من ريع المحروقات نحو تنويع حقيقي من جهة أخرى.

غير أن ما يميز هذا التوجيه الرئاسي عن سابقاته هو طابعه التكاملي الذي يشمل سلسلة القيمة بأكملها.

فقد أمر رئيس الجمهورية بالإطلاق الفوري لأشغال إنشاء وحدات معالجة المادة الأولية بالموازاة مع استغلال المنجم، وبالشروع الفوري في تشييد مخازن اليوريا والأمونياك وفق المعايير التقنية الدولية.

فضلاً عن تعزيز الشراكة الجزائرية – الصينية لبناء الرصيف المنجمي في إطار توسعة ميناء عنابة المقررة بحلول نهاية مارس 2027.

مصدر الصورة

يُقرأ في هذا التوجه ما يصفه البروفيسور بوحرب بـ”الانتقال من تصدير المواد الخام إلى الصناعات التحويلية لرفع القيمة المضافة”.

مشيراً إلى أن الجزائر تسعى إلى “تبوّء مكانة ريادية في إنتاج وتصدير الأسمدة الكيميائية عالمياً، مستغلةً موقعها الاستراتيجي القريب من أوروبا وإفريقيا”.

فالفوسفات وفق هذا المنطق ليس سلعة خاماً تُباع، بل صناعة متكاملة تُبنى.

●ثانياً: توسعة ميناء عنابة والشراكة مع الصين، ورقة اللوجستيك الحاسمة

لا يمكن قراءة مشروع بلاد الحدبة بمعزل عن البنية اللوجستية التي تُشكّل شرطه الأساسي. فبناء الرصيف المنجمي في ميناء عنابة، المرتبط بالشراكة الجزائرية – الصينية، يُمثّل الحلقة الرابطة بين الاستخراج والتصدير.

وقد حدّد الرئيس تبون لهذا الرصيف أجلاً مطابقاً لأجل التصدير، مارس 2027، وهو ما يُنبئ بمقاربة تخطيطية متزامنة تُعالج الاختناقات اللوجستية الموروثة التي طالما عرقلت المشاريع الكبرى في الجزائر.

إن الاختيار الاستراتيجي لتعزيز الشراكة مع الصين في مجال بناء الموانئ وتوسيعها وتجريفها يعكس وعياً بالكفاءات التشغيلية الصينية في هذا المجال.

كما يندرج ضمن سياق الانخراط الجزائري المتنامي في منظومة العلاقات جنوب – جنوب. وهو ما يُشير إليه البروفيسور بوحرب حين يُصوّر هذه المشاريع بوصفها تُرسّخ حضور الجزائر بوصفها “لاعباً اقتصادياً إقليمياً ودولياً في السنوات القادمة”.

●ثالثاً: قطار الجنوب، الرهان الحضاري للقرن

إذا كان الفوسفات رهاناً اقتصادياً بامتياز، فإن خط السكة الحديدية الرابط بين الجزائر العاصمة والأغواط وغرداية والمنيعة وإن صالح وتمنراست، هو رهان حضاري بمفهومه الأشمل.

مصدر الصورة

وقد وصفه رئيس الجمهورية، وفق ما أفاد به بيان مجلس الوزراء، بـ “الرهان الجديد للقرن”، في مقاربة لافتة تضعه في مصاف مشروع غارا جبيلات من حيث الأهمية الاستراتيجية.

يمتد هذا الخط على مسافة تتجاوز ألفي كيلومتر، ويمس عشر ولايات، مما يجعله أداة اندماج وطني بالمعنى الجغرافي والاجتماعي والاقتصادي.

وقد أكد البروفيسور بوحرب أن هذا المشروع يُجسّد أهدافاً متعددة المستويات؛ إذ يُسهم في “فك عزلة مناطق جغرافية كانت متباعدة”.

ويُقدّم السكك الحديدية بوصفها “الوسيلة الأكثر أماناً والأقل تكلفة لنقل البضائع، مما يُقلّل من تكاليف التلف واللوجستيك”.

غير أن ما أضفى على قراءة بوحرب طابعاً مختلفاً هو التركيز على البُعد الأمني والجيو-استراتيجي للمشروع، حيث أكد أن “وصول السكة إلى الحدود يُحفّز النمو في تلك المناطق ويُسهم في تثبيت الساكنة”.

وهو ما يعدّه “ركيزة في معادلة الأمن القومي واستقرار الحدود”، في إشارة واضحة إلى الهشاشة الجغرافية التي يُعانيها الشريط الحدودي مع دول الساحل.

●رابعاً: تمنراست، مدينة الجنوب في خدمة قارة بأسرها

تكتسب تمنراست، في ظل هذا المشروع، هوية اقتصادية جديدة تتجاوز حدودها الولائية.

فوفق البروفيسور بوحرب، فإن الرؤية المستقبلية تهدف إلى تحويل تمنراست إلى “قطب تجاري ولوجستي عالمي”،ولا سيما مع التوجه نحو إنشاء منطقة تجارية حرة تُعزّز الربط مع الدول الإفريقية.

ويجعل من هذا التوجه أمراً قابلاً للتحقق وصولُ خط السكة الحديدية الذي سيُحوّل هذه المدينة من نقطة نهاية جغرافية إلى بوابة عبور نحو عمق القارة.

في هذا السياق، يُقرأ مشروع قطار الجنوب ليس فقط بوصفه خطاً للنقل، بل بوصفه رافعة لتوسيع منطقة النفوذ الاقتصادي الجزائري نحو إفريقيا جنوب الصحراء، وهي المنطقة التي باتت محل تنافس دولي متصاعد.

●خامساً: التكامل بين المشروعَين، قراءة في المنطق الاستراتيجي الجامع

ما يُضفي على هذين المشروعَين قيمة استراتيجية مضافة هو ترابطهما الوظيفي. فخطوط السكك الحديدية ليست بنية تحتية مستقلة.

بل هي وفق ما أكده البروفيسور بوحرب، “العصب الذي سيسمح باستغلال هذه الثروات بكفاءة عالية”، مستحضراً في هذا السياق نموذج خط غارا جبيلات – بشار بوصفه مثالاً على الربط المنجمي كمحرّك للقيمة الاقتصادية.

مصدر الصورة

هذا التكامل القطاعي الذي يصفه بوحرب بأنه يُنتج “انسجاماً تنموياً مستداماً” يُجسّد مقاربة تُعيد تعريف العلاقة بين المنجم والميناء والخط الحديدي والمصنع، بمعنى أن الجزائر لا تبني مشاريع منفصلة، بل تُشيّد منظومة متكاملة.

●التعاقد بين الدولة ومستقبلها الاقتصادي

تحمل الآجال المحددة في مجلس الوزراء الأخير، مارس 2027 لتصدير الفوسفات ونهاية 2028 لتشغيل قطار الجنوب، قيمة تتجاوز بُعدها الزمني.

إنها في جوهرها تعاقد علني بين الدولة ومستقبلها الاقتصادي، وإعلان صريح عن أن النموذج الريعي بلغ آفاقه ولا بد من القطيعة معه.

وتُمثّل معاً جزءاً من منظومة أوسع تشمل غارا جبيلات وامتداداتها، وتوسعة الموانئ، وإنشاء المناطق الصناعية، في مشهد بنيوي متكامل.

وكما لاحظ البروفيسور بوحرب، فإن هذه المشاريع المتكاملة “تضع اللبنات الأساسية لجزائر جديدة قادرة على فرض نفسها كلاعب اقتصادي إقليمي ودولي”.

غير أن نجاح هذا التحول لن يُقاس فقط بمدى الالتزام بالآجال، بل بمدى قدرة المنظومة المؤسسية على الحفاظ على الزخم، وضمان جودة التنفيذ، وإدارة الشراكات الدولية بكفاءة.

فالجزائر أمام فرصة تاريخية نادرة؛ والسؤال المطروح ليس ما إذا كانت ستُنجز هذه المشاريع، بل ما إذا كانت ستُحوّلها إلى نواة لنموذج اقتصادي لا يُقلّد إنجازات الماضي الريعي، بل يُؤسّس لمستقبل إنتاجي مختلف.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا