ماذا يعني أن يتجاوز الناتج المحلي للجزائر عتبة التريليون دولار؟
الجزائرالٱن _ لا تعني الأرقام الاقتصادية الكبيرة شيئاً بذاتها ما لم تُقرأ في سياقها الصحيح.
حين يُعلن صندوق النقد الدولي أن الناتج المحلي الإجمالي للجزائر وفق معيار تعادل القدرة الشرائية سيبلغ 915 مليار دولار عام 2026، مع توقعات بتجاوز التريليون بحلول 2029، فإن السؤال الحقيقي ليس “كم؟” بل “ماذا يعني ذلك فعلاً، وعلى من، وفي أي اتجاه؟”
المعيار الذي يجعل الرقم ذا معنى و أهمية
قبل الخوض في الدلالات، لا بد من فهم المعيار المستخدم، لأن الخلط بين المقاييس يُفضي إلى قراءات مضلِّلة.
يوضح الدكتور كمال بوعزيز، أستاذ الاقتصاد الكلي بجامعة سيدي بلعباس والمحلل المتخصص في شؤون الاقتصادات الناشئة، في تصريح للصحيفة الإلكترونية “ الجزائر الآن“، أن ثمة طريقتين رئيسيتين لقياس حجم أي اقتصاد، الأولى بالدولار الاسمي.
وهي تحوّل الناتج المحلي مباشرةً بسعر الصرف الرسمي، فتبدو اقتصادات كثيرة أصغر مما هي عليه لمجرد أن عملاتها ضعيفة أمام الدولار. والثانية معيار تعادل القدرة الشرائية، الذي يقيس ما تستطيع العملة المحلية شراءه فعلياً داخل البلد ثم يُعادل ذلك بالدولار الأمريكي.
ويضرب بوعزيز مثلاً توضيحياً: “تكلفة قطعة خبز أو خدمة طبية أو فاتورة كهرباء في الجزائر لا تُقارَن بنظيرتها في باريس أو لندن، والمعيار الاسمي لا يأخذ هذا الفارق بعين الاعتبار.”
لذلك تعتمد المؤسسات الدولية معيار تعادل القدرة الشرائية حين تريد مقارنة الحجم الحقيقي للاقتصادات بعيداً عن تشوهات أسعار الصرف. وبهذا المنظور، فإن 915 مليار دولار تعكس حجم ما ينتجه الاقتصاد الجزائري ويستهلكه فعلياً على أرضه، لا مجرد تقييم محاسبي بالعملة الصعبة.
ماذا تعني العتبة جغرافياً وإقليمياً؟
الاقتصادات التي تتجاوز التريليون دولار بمعيار تعادل القدرة الشرائية نادرة على مستوى العالم، ولا تتعدى بضعة عشرات من بين أكثر من مئتَي دولة. ويرى بوعزيز أن وصول الجزائر إلى هذه العتبة يُرسّخ مكانتها في قائمة محدودة العدد على مستويين متوازيين.
على المستوى الإفريقي، تحتل الجزائر بهذا الرقم موقعاً بين أكبر ثلاثة أو أربعة اقتصادات في القارة، إلى جانب نيجيريا ومصر وجنوب أفريقيا.
“وفي قارة تتسابق القوى الكبرى على موطئ قدم فيها، يعني الثقل الاقتصادي ثقلاً تفاوضياً لا يُستهان به”، يقول بوعزيز، سواء في منتديات الاتحاد الإفريقي أو في صياغة شراكات القارة مع الصين وأوروبا وروسيا. أما على المستوى العربي، فإن الجزائر تُعزز بهذا المسار حضورها بين الاقتصادات الكبرى في المنطقة.
في مشهد لا تهيمن عليه دول الخليج النفطية وحدها، بل يتسع تدريجياً لأقطاب من شمال إفريقيا، وهو تحوّل له انعكاسات على موازين النفوذ داخل جامعة الدول العربية وخارجها.
ماذا يعني الرقم للمواطن؟
هنا يكمن التمييز الأكثر أهمية، وهو ما تغفله القراءات الاحتفالية عادةً. يُنبّه بوعزيز إلى أن الناتج المحلي الإجمالي مقياس كلّي يقول كم تنتج الدولة لكنه لا يقول كيف يتوزع هذا الإنتاج، مشيراً إلى أن نصيب الفرد من الناتج المحلي ومستوى التضخم وتوافر السلع وجودة الخدمات العامة هي المؤشرات التي تُخبر المواطن العادي عمّا يعيشه يومياً.
غير أن للتريليون دلالات غير مباشرة للمواطن أيضاً، إذ يعني قدرةً حكومية أكبر على تمويل الاستثمار العام دون الحاجة إلى الاستدانة الخارجية، ويعني سوقاً داخلية بحجم يجذب الاستثمارات الأجنبية التي تخلق فرص عمل، ويعني هامشاً أوسع لامتصاص الصدمات الاقتصادية الخارجية. “حجم الاقتصاد لا يضمن رفاهية الفرد، لكنه يُوسّع هامش إمكانيتها”، يختصر بوعزيز.
هل يرتكز الرقم على أساس صلب؟
التساؤل المشروع الذي يطرحه بوعزيز مباشرةً هو: من أين يأتي هذا النمو وهل هو مستدام؟ الجزائر التي بنت عقوداً من نموّها على ريع المحروقات تعلم قبل غيرها أن الرقم الكبير لا يكفي إن ظلّ مشدوداً إلى سلعة واحدة تتحكم في سعرها أسواق لا تُديرها الجزائر.
لكن المشهد الراهن يحمل مؤشرات تُميّزه عن الموجات السابقة من الوفرة النفطية.
“الجزائر تستعيد اليوم موقعها ضمن سلاسل الإمداد الأوروبية، وتُوسّع صادراتها من الأمونياك والكهرباء والحديد، وتطوّر قطاعاً زراعياً صحراوياً لافتاً في الجنوب”، يقول بوعزيز، مضيفاً أن هذه ليست تنويعاً مكتملاً بعد، “لكنها ملامح اقتصاد يسعى إلى أن يجعل من الرقم هيكلاً لا إحصاءً.”
الثقل الدبلوماسي الذي يصنعه الاقتصاد
ما لا يقوله الرقم صراحةً ويقوله ضمناً هو الثقل التفاوضي. يرى بوعزيز أن الاقتصادات الكبيرة لا تنتظر أن تُستدعى إلى الطاولة بل تصنع طاولاتها، مستشهداً بتصاعد المزاحمة الأوروبية على الغاز الجزائري وتسارع القوى الكبرى نحو تعزيز علاقاتها مع الجزائر من إيطاليا إلى الصين وروسيا وتركيا.
“جزء كبير من هذا الانجذاب يعكس اعترافاً ضمنياً بأن الجزائر لم تعد سوقاً يُنظر إليها بل شريكاً يُحسب له الحساب.”
وخلص بوعزيز في حديثه لـ” الجزائر الآن”، إلى أن عتبة التريليون ليست خطاً نهائياً بل خط انطلاق، ومن وهران إلى تمنراست ومن عنابة إلى تندوف، يُخبر هذا الرقم بقارة داخل دولة لم تبلغ بعد سقف ما تستطيع.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة