آخر الأخبار

الجزائر وورثة يوغسلافيا: حين يُستدعى التاريخ لملء فراغ البلقان ورسم ممرات الطاقة

شارك
بواسطة شعيب ز
مصدر الصورة
الكاتب: شعيب ز

الجزائر وورثة يوغسلافيا: حين يُستدعى التاريخ لملء فراغ البلقان ورسم ممرات الطاقة

الجزائرالٱن _ في الأيام الثلاثة الأخيرة من مارس 2026، بدا المشهد وكأن الجزائر تكتب بياناً سياسياً بوسيلتين متزامنتين، ففي في زغرب، كان وزير الخارجية أحمد عطاف يعقد لقاءات موسعة مع المسؤولين الكروات، وفي الجزائر، كان رئيس الوزراء الصربي جورو ماتسوت يحل ضيفاً في زيارة وُصفت بأنها الأولى بهذا المستوى منذ عقود.

لم يكن هذا التزامن صدفة زمنية، بل تعبيراً عن تصور جزائري يرى البلقان كوحدة جيوسياسية واحدة، لا كعلاقات ثنائية منفصلة، خصوصاً حين يتعلق الأمر بدول خرجت من عباءة يوغسلافيا التي تفككت في تسعينيات القرن الماضي تاركة فراغاً لم يُملأ بالكامل.

يوغسلافيا في الذاكرة… ليس حنيناً بل أداة نفوذ

ما يميز العلاقة مع ورثة يوغسلافيا هو أنها ليست علاقة مصلحة طارئة، بل امتداد لذاكرة سياسية مشتركة تعود إلى زمن جوزيف بروز تيتو، حين التقت الجزائر وبلغراد في روح مؤتمر باندونغ وتكرّس تحالفهما في إطار حركة عدم الانحياز. يومها، لم تكن تلك الشراكة مجرد اصطفاف، بل مشروع استقلال سياسي عن الهيمنة.

دعمت يوغسلافيا الثورة الجزائرية في وقت انحاز فيه الغرب إلى فرنسا، وهو رصيد لم يتحول إلى مجرد ذكرى، بل إلى رأسمال سياسي يُستدعى اليوم بوعي. إدراج زيارة مواقع رمزية مثل المقبرة الصربية في الجزائر، أو الوقوف عند ذاكرة الحروب في زغرب، يعكس أن التاريخ هنا يُستخدم لبناء الثقة، لا لتزيين البروتوكول.

ورثة على أرض هشة… منطقة تبحث عن توازن

بعد تفكك يوغسلافيا، لم ترث دول البلقان الاستقرار بقدر ما ورثت هشاشة ممتدة. صربيا لا تزال خارج الاتحاد الأوروبي، تتطلع إليه دون ضمانات، وتحاول التوفيق بين علاقاتها الشرقية والغربية. أما كرواتيا، فرغم عضويتها الأوروبية، تبقى في هامش اقتصادي نسبي داخل الاتحاد.

وبينهما تقف بقية دول المنطقة في حالة انتقال طويل، تملك موقعاً جغرافياً مركزياً لكنها تفتقر إلى شراكات متوازنة. هذا الفراغ لم تستثمره القوى الكبرى بشكل مستقر؛ فرنسا منشغلة بتراجع نفوذها جنوباً، ألمانيا غارقة في أولوياتها الصناعية، والولايات المتحدة تدير الملف من زاوية أمنية ضيقة. هنا تحديداً، تجد الجزائر نافذة مفتوحة.

ما بعد روسيا… الحاجة إلى شريك لا يفرض الاصطفاف

قبل 2022، كانت روسيا لاعباً أساسياً في البلقان، عبر الطاقة والعلاقات التاريخية مع بلغراد.

لكن الحرب في أوكرانيا أضعفت هذا الدور وخلقت حالة فراغ معقدة. صربيا أصبحت في وضع حرج، فهي لا تستطيع تجاهل أوروبا، ولا ترغب في خسارة موسكو، ما يجعلها بحاجة إلى شركاء بديلين لا يفرضون عليها خيارات حادة.

في المقابل، تبحث كرواتيا عن مصادر طاقة مستقرة بعد تقليص الاعتماد على روسيا. في هذا السياق، تظهر الجزائر كفاعل مختلف، فهي شريك من الجنوب، لا يربط الإمداد بالشروط السياسية، ولا يطالب بالاصطفاف، وهو ما يتوافق مع تقاليد دول نشأت أصلاً على رفض الأحلاف الإجبارية.

منطق الممرات… كيف تفكر الجزائر جغرافياً

التحرك الجزائري لا يُفهم فقط عبر الاقتصاد، بل عبر الجغرافيا.

فالغاز الجزائري الذي يعبر البحر المتوسط نحو جنوب أوروبا لا يتوقف عند إيطاليا، بل يمتد عبر الشبكات نحو الشرق. هنا تبرز كرواتيا كبوابة عبر بنيتها التحتية للغاز، فيما تمثل صربيا عمقاً قارياً لهذا الامتداد.

الجزائر، وهي تتحرك نحو البلدين في توقيت واحد، لا تبني علاقات منفصلة، بل ترسم ممراً استراتيجياً متصلاً من جنوب المتوسط إلى قلب أوروبا.

ويتكامل هذا التصور مع مشاريع التعاون في الصناعة البحرية، حيث تمتلك كرواتيا خبرة عريقة، ومع الفلاحة التي تسعى الجزائر إلى تصدير نموذجها فيها، إضافة إلى قطاع السياحة الذي بدأ يدخل حسابات التعاون مع بلغراد.

السياسة في التفاصيل… كوسوفو وما قبل الاتفاقيات

خلف المشهد الاقتصادي، تختبئ محددات سياسية عميقة. أحد أبرزها موقف الجزائر من كوسوفو، إذ لا تعترف باستقلاله من جانب واحد، وهو ما يتقاطع مع الموقف الصربي في إحدى أكثر قضاياه حساسية.

هذا التلاقي لا يُعلن كعنوان رئيسي، لكنه يشكل أرضية ثقة تسبق أي اتفاق اقتصادي. وفي منطقة معقدة مثل البلقان، غالباً ما تكون السياسة غير المعلنة هي التي تفتح الطريق أمام الشراكات المعلنة.

الجزائر في المنطقة الرمادية… تحرك من موقع المبادرة

ما يميز هذه اللحظة أن الجزائر لا تتحرك بدافع الضرورة، بل بدافع الاختيار. بعد أن عززت حضورها في جنوب أوروبا، تتجه الآن نحو البلقان، تلك “المنطقة الرمادية” التي لم تُحسم هويتها الاستراتيجية بعد.

هي لا تنافس أوروبا في حديقتها الخلفية، ولا تحاول استنساخ أدوار قوى كبرى، بل تبني لنفسها موقعاً خاصاً مستفيدة من عنصرين نادرين، وهما إرث حركة عدم الانحياز الذي يجعلها شريكاً مألوفاً، وقوتها الطاقوية التي تجعلها شريكاً مطلوباً.

في هذا التلاقي بين التاريخ والجغرافيا، بين الذاكرة والمصلحة، لا تبدو تحركات الجزائر في البلقان مجرد دبلوماسية نشطة، بل بداية إعادة رسم موقعها في أوروبا. إنها عودة هادئة إلى فضاء قديم، ولكن بشروط جديدة… حيث لا يُستدعى الماضي للبكاء عليه، بل لاستخدامه كأداة لبناء المستقبل.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا