بواسطة شعيب ز
أربعة أيام بلا غاز تعيد المغرب إلى الفحم مصدر الصورة
الكاتب: شعيب ز

أربعة أيام بلا غاز تعيد المغرب إلى الفحم

الجزائرالٱن _ لا شيء يكشف هشاشة منظومة طاقة دولة مثلما تكشفه أزمة إمداد مفاجئة. فحين توقفت تدفقات الغاز الطبيعي إلى المغرب عبر الأنبوب القادم من إسبانيا لأربعة أيام متتالية الأسبوع الماضي، ثم تجددت قطيعة خامسة يوم الجمعة 27 مارس، لم تكن الأزمة مجرد اضطراب تقني عابر، بل كانت اختباراً حقيقياً لسؤال ظل معلَّقاً طويلاً: ماذا يفعل المغرب حين ينقطع الخيط الذي يربطه بالغاز الأوروبي؟

الجواب جاء سريعاً، وكان يكشف عن التناقض: الفحم.

مسار واحد لبلد بلا احتياطي

لفهم ما جرى، لا بد من استحضار البنية التي جعلت المغرب عرضة لهذا الانقطاع. فمنذ أكتوبر 2021، حين أفضت القطيعة السياسية مع الجزائر إلى انتهاء اتفاقية الغاز العابر عبر أنبوب المغرب العربي-الأوروبي، انقلبت المعادلة رأساً على عقب، فبدلا من تدفق الغاز الجزائري شمالاً نحو إسبانيا، باتت إسبانيا هي من تضخ الغاز جنوباً نحو المغرب، إذ تشتري المملكة الغاز المسال من الأسواق الفورية بأسعار مرتفعة، تُعيد إسبانيا تغويزه في محطاتها، ثم يُضخ عبر الأنبوب ذاته عكس اتجاهه الأصلي.

هذا يعني أن أي اضطراب في الجانب الإسباني ينعكس فورياً على الإمداد المغربي، لا سيما أن المغرب يفتقر إلى محطات تغويز خاصة بها أو احتياطيات غاز محلية.

وهو ما يفسر ما كشفته بيانات الأسبوع الماضي، التي نشرتها منصة “الطاقة” المتخصصة، حيث أشارت إلى عودة التدفقات يوم الأربعاء 25 مارس بنحو 80% فقط من المستويات المعتادة، قبل أن تتراجع في اليوم التالي إلى ما دون ربع الكميات الطبيعية.

الفحم الورقة الاحتياطية الدائمة

حين ضاق هامش الغاز، لم يكن أمام المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب في المغرب سوى الاستعانة بالطاقة الاحتياطية المتاحة على الفور. حيث يشكّل الفحم اليوم المصدر الأول لتوليد الكهرباء في المغرب، إذ يستأثر بأكثر من نصف مزيج الكهرباء الوطني، وتمتلك المملكة طاقة مركّبة تبلغ 4.1 غيغاواط من محطات الفحم، إلى جانب 1.1 غيغاواط من التوربينات الغازية. هذا ليس وضعاً طارئاً، بل هو الهيكل الأساسي الذي تقوم عليه الشبكة الكهربائية المغربية.

وما يجعل هذا الاعتماد مثيراً للقلق هو أن المغرب يستورد ما يزيد على 90% من احتياجاتها الطاقوية، فيما لا يختلف الفحم عن الغاز في كونه مستورداً بالكامل ومخصصاً كلياً لتوليد الكهرباء.

وهو ما يجعل أي توجه نحو زيادة الاعتماد عليه خطوةً تبتعد عن هدف خفض فاتورة الاستيراد لا تقترب منه.

نمو طالما وُصف بالتحول، وانتكاسة تعيده للبداية

تكتسب هذه الأزمة دلالة مضاعفة حين تُقرأ في ضوء المسار الذي رسمه المغرب لنفسه.

في عام 2024، بلغ الطلب المحلي على الكهرباء 45.71 تيراواط/ساعة بنمو 4%، غير أن قطاع الطاقة المتجددة حقق قفزة لافتة بقيادة الطاقة الريحية، التي نمت 43% لتصل إلى 9363 غيغاواط/ساعة وتمثّل 21% من الإنتاج الوطني.

وتطمح المملكة إلى أن تشكّل الطاقة المتجددة 52% من طاقتها المركّبة بحلول 2030.

بيد أن هذه الأرقام تصطدم بالواقع التشغيلي؛ إذ لا يزال الفحم يمثّل 60% من الإنتاج الحراري، وفي غياب قدرات تخزين كافية تستوعب الصدمات المفاجئة، يبقى “الملاذ الأخير” الذي يُلجأ إليه عند كل اختناق في الإمداد.

إسبانيا تحت الضغط والمغرب يدفع الثمن

لا تعيش إسبانيا، المحطة الوسيطة في هذه السلسلة، استقراراً في إمداداتها بدورها. فهي تواجه ضغوطاً متصاعدة جراء تراجع واردات الغاز المسال القادمة من دول الخليج في أعقاب اضطرابات مضيق هرمز، ما دفعها إلى فتح مفاوضات مع الجزائر لشراء كميات إضافية.

وهذا السياق يعني أن الشريك الوسيط الذي يُعيد تغويز الغاز للمغرب يمر بدوره بمرحلة إعادة ترتيب أولويات، وليس ثمة ضمان بأن مصلحة المغرب ستكون في صدارتها.

سجّلت واردات المغرب من الغاز في جانفي 2026 نمواً بلغ 22.3% على أساس سنوي لترتفع إلى نحو 822 غيغاواط/ساعة، وهو ما يعكس طموحاً حقيقياً في تعزيز حصة الغاز في مزيج الطاقة.

غير أن طموحاً كهذا يُبنى على مسار إمداد وحيد لا يصبح رهاناً على مستقبل، بل يصبح مجازفة في الحاضر.

مشاريع معلّقة وفاتورة متصاعدة

كان من المفترض أن يُسهم مشروع محطة تغويز الغاز المسال في ميناء الناظور وست ميد في منح المملكة هامشاً من الاستقلالية.

غير أن وزارة الطاقة المغربية أعلنت في فيفري 2025 تعليق هذا المشروع دون أن يُفضي ذلك إلى خارطة طريق واضحة للبديل.

ويبقى المغرب في انتظار إنجاز محطة التغويز المخططة في المحمدية بطاقة 1.7 مليار متر مكعب، وهو مشروع بعيد الأمد.

حتى أن هناك من يعتبره مشروعا وهميا لا يختلف عن مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي القادم من نيجيريا، ويبقى التوريد قائماً على عقد طويل الأمد مع شركة شل بحجم نصف مليار متر مكعب سنوياً، يُعاد تغويزه في المحطات الإسبانية ليُضخ نحو محطتَي تحضارت وعين بني مطهر.

وبين مشاريع معلَّقة وأسواق فورية متقلبة وشريك إمداد وسيط يعيش ضغوطه الخاصة، يجد المغرب نفسه أمام معادلة لم يتغير فيها كثير منذ سنوات: كلما ضاق الغاز، عاد الفحم.