آخر الأخبار

رئيسٌ برُتبةِ مواطن

شارك
بواسطة شعيب ز
مصدر الصورة
الكاتب: شعيب ز

رئيسٌ برُتبةِ مواطن

الجزائرالٱن _ يُوارَى اليومَ الثرى بمقبرة بوزوران بمسقط رأسه في باتنة الرئيس الأسبق ليامين زروال، في المدينة التي أحبّها ولم يفارقها، بين الناس الذين عاش معهم ومثلهم حتى آخر أيامه، وكأن الموت نفسه أدرك أنه لا يليق بهذا الرجل أن يُشيَّع من مكان لا ينتمي إليه.

مَن رآه بعد مغادرته السلطة، يمشي في أسواق باتنة لا يكاد يصدّق، فالرجل الذي حمل يوماً أثقل ملف في تاريخ الجزائر الحديث كان يتجوّل بين البسطاء كواحد منهم، يصافح ويبتسم ويجلس في المقاهي الشعبية حيث تدور قطع الدومينو على الطاولات الخشبية وتعلو أصوات الأصدقاء. لم يكن يؤدّي دور المتواضع، إذ لم يكن ثمة دور يؤدّيه، فهذا هو زروال حقاً، قبل الرئاسة وبعدها.

وليفهم المرء هذا المشهد حقّ فهمه، لا بدّ أن يتذكّر من أين جاء هذا الرجل وإلى أين عاد. جاء من باتنة وعاد إليها، لا مضطراً ولا مُكرهاً، بل لأن روحه لم تغادرها يوماً حتى حين كان يجلس في قصر المرادية. وحين قرّر عام 1998 أن يُقلّص ولايته ويدعو إلى انتخابات مبكرة، لم يكن يبحث عن مخرج بل كان يصدق مع نفسه، إذ رأى أن المهمة اقتضت ما اقتضته وأن البلاد أكبر من أي فرد يظنّ أنه لا غنى عنه.

قاد الجزائر في سنواتها الأشدّ قسوة، حين كانت الجنازات تتقاطر والأخبار لا تحمل إلا الموت، وحين كانت الدولة تُقاتل لتبقى والمجتمع يُقاتل لينجو. حمل ذلك كله على عاتقيه بما يحمله من أسرار لا تُروى ووجع لا يُعلَن، وحين انتهى ما انتهى أحكم صمته وأدار ظهره للأضواء.

لم يكتب مذكراته ولم يفتح قناة يُفسّر بها قراراته ولم يجلس أمام صحفي ليُنصف نفسه، وكأنه يرى أن التاريخ أمانة لا تُنتزع ولا تُسوَّق.

ظلّت باتنة تحتضنه كما تحتضن أبناءها، لا تمنحه امتيازاً لأنه كان رئيساً ولا تُبعده خشيةً أن يُغضب أحداً. كان يأكل الطعام ذاته ويتنفّس الهواء ذاته ويعرف وجوه الحيّ كما يعرف أسماء أصحابه القدامى. وفي هذا القرب الحقيقي من الناس ما يعجز عنه كثير ممن يدّعون حبّ الشعب من وراء زجاج السيارات المدرّعة.

ولأنه عاش هكذا، جاء اختياره الأخير متّسقاً مع كل ما سبقه، فلن يُشيَّع إلى العالية حيث يرقد من جلسوا يوما على كرسي الرئاسة، بل سيبقى في تراب باتنة التي أحبّها ولم يتركها.

وفي هذا ما يختصر سيرته من أوّلها إلى آخرها، سيرة رجل لم تُغيّره السلطة ولم يُغيّرها، مرّ بها كما يمرّ الشريف بالاختبار، أدّى ما عليه ثم وضعها وانصرف.

رحمك الله يا ليامين زروال. كنتَ في أصعب اللحظات رئيساً، وفي سائر الأوقات كنتَ ما هو أندر وأثمن، كنتَ مواطناً.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا