ابن الحركي يعود إلى حيث انتمى دائماً .. بوعلام صنصال يكشف وجهه الحقيقي
الجزائرالٱن _ لم يكن اعترافه مفاجأة لمن تابع مساره منذ البداية. فحين أعلن بوعلام صنصال في مقابلته الأخيرة مع الصحفي جان جاك بوردان أن والده كان “حركي” حارب في صفوف الجيش الفرنسي ضد بلاده، وأن عائلته كانت تؤمن بأن “الجزائر فرنسية”، لم يكن يكشف سراً مكتوماً بقدر ما كان يضع القطعة الأخيرة في فسيفساء لطالما تظاهر أنها غير مكتملة.
فالرجل الذي حُمل على أكتاف اليمين الفرنسي المتطرف بوصفه “كاتباً معارضاً شجاعاً” ليس سوى وريث عضوي لمنظومة خسرت رهانها التاريخي يوم الاستقلال، ولم تتقبل هزيمتها منذ ذلك اليوم.
جذور لم تتغير
لم يخفِ صنصال في مقابلته أن والده كان محاربا بارزاً حصل على أوسمة فرنسية، وانتهى به المطاف إلى الانضمام للكتائب الرياضية في الجيش الفرنسي حيث حصد ميداليات في المسابقات العسكرية الأوروبية.
هذا الميراث ليس تفصيلاً عائلياً عابراً، بل هو مفتاح قراءة كل ما جاء بعده، إذ لا يُقرأ مسار صنصال الفكري والسياسي بمعزل عن هذا الانتماء الأصلي لعالم “الحركى” الذين اختاروا المستعمر على حساب وطنهم ودفعوا ثمن تلك الخيانة يوم التحرير.
سجل لا يُمحى
المفارقة أن المشهد الثقافي الفرنسي تعامل مع صنصال طويلاً بوصفه صوتاً أدبياً مستقلاً، فيما كان سجله يتراكم في الاتجاه المعاكس تماماً.
ففي عام 2012 توجّه إلى القدس المحتلة وشارك في مهرجان أدبي نظّمته مؤسسة عبرية، واحتفى الاحتلال بالزيارة معلناً أنها تفتح ثغرة في جدار التطبيع الثقافي، وظهر صنصال جنباً إلى جنب مع كاتب صهيوني في لقاء مفتوح مع جمهور في تل أبيب.
ولم يكتفِ بذلك، بل دعا السلطات الجزائرية إلى منح تأشيرات لكتّاب صهاينة، في استفزاز مقصود لم يتركه أحد دون أن يلاحظه. وفي عام 2016 نشر مقالاً في صحيفة “لوموند” الفرنسية شبّه فيه ثوار الجزائر الذين حاربوا المستعمر بالإرهابيين الذين نفّذوا هجوم نيس.
أما روايته “2084” فقد تحوّلت إلى وقود دسم لليمين الفرنسي المتطرف في حملاته ضد الوجود الإسلامي في فرنسا.
المحطة الأخيرة: من السجن إلى بولوري
في أكتوبر 2024 أدلى صنصال بتصريحات لقناة “فرونتيير” الفرنسية اليمينية المتطرفة زعم فيها أن مدناً جزائرية كاملة كوهران وتلمسان ومعسكر كانت تاريخياً جزءاً من المغرب، وأن الجزائر لم يكن لها كيان قبل الاستعمار الفرنسي.
وعلى إثر ذلك اعتُقل فور وصوله إلى مطار الجزائر في نوفمبر 2024، وصدر بحقه في جويلية 2025 حكم بالسجن خمس سنوات بتهمة المساس بالوحدة الوطنية.
وقد وصفه الرئيس عبد المجيد تبون أمام البرلمان بأنه “لص مجهول الهوية جاء ليزعم أن نصف الجزائر تابع لدولة أخرى.”
أُفرج عنه في نوفمبر 2025 بوساطة ألمانية بعد أن رفضت الجزائر الطلبات الفرنسية المتكررة، إذ كان استجاباتها لباريس ستُفهم داخلياً على أنها رضوخ لضغوط خارجية.
غادر صنصال الجزائر على متن طائرة عسكرية ألمانية إلى برلين لتلقي العلاج، ثم عاد إلى باريس حيث استقبله ماكرون في الإليزي.
وفي فيفري 2026 أعلن أمام طلاب ثانوية إدغار كينيه أنه لم يعد يحمل الجنسية الجزائرية، ليصبح فرنسياً بالكامل. وفي جانفي 2026 انتُخب عضواً في الأكاديمية الفرنسية في تتويج رمزي وفّرته له المنظومة التي خدمها طويلاً.
ثم جاء الاعتراف الأخير بأصوله الحركية ليكمل المشهد.
فصنصال الذي قال في تصريحاته الأخيرة أنّه سيقاضي الرئيس الجزائري، حرص دائماً على تقديم نفسه بوصفه صوتاً نقدياً مستقلاً، يكشف في نهاية المطاف أنه لم يكن يوماً سوى امتداد لمنظومة الهزيمة التي حملها أبوه في صدره، ووجد هو فيها مساراً فكرياً وأدبياً وسياسياً متكاملاً لم يحِد عنه قط.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة