آخر الأخبار

مقال رأي | من حنطة مصر إلى غاز الجزائر

شارك
بواسطة شعيب ز
مصدر الصورة
الكاتب: شعيب ز

مقال رأي: من حنطة مصر إلى غاز الجزائر

الجزائرالٱن _ هناك في التاريخ حكاية لم تبهت مع مرور الزمن، وكأنها أُودعت لتكون درسًا للأجيال.

إنها قصة نبي الله يوسف عليه السلام، حين اجتاح الجفاف الأرض وذبُلّت الحقول وخوّت البطون، فأصبحت مصر المخزنة محط رحال الوفود من كل صوب. يتجه الناس إليها من شرق الأرض وغربها، والكيل والميزان بيدها، لا يسأل أحد عن ثروته أو نسبه، إذ أن الحاجة إلى الخبز تُسوي بين الجميع وتُمحو الفوارق التاريخية.

اليوم، وبينما تشتعل المنطقة من حولنا وتتحول الأزمة في الخليج إلى لهيب يلفح أسواق الطاقة في كل قارة، تجد الجزائر نفسها في موقع يحاكي بشكل مدهش حكاية نبي الله يوسف في مصر.

لكن بدلاً من مخازن الحنطة، ثمة آبار الغاز. وبدلاً من القوافل القادمة من كنعان وغيرها، ثمة طائرات تقل كبار المسؤولين الأوروبيين نحو الجزائر العاصمة، واحدة تلو الأخرى، في مشهد لم تعهده المنطقة منذ زمن بعيد.

ميلوني تطرق الباب أولاً

في الخامس والعشرين من مارس الجاري، حلّت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني ضيفةً على قصر المرادية، في زيارتها الثانية للجزائر منذ توليها المنصب. لم تكن زيارة بروتوكولية عابرة، بل كانت مهمة إنقاذ.

فإيطاليا التي فقدت نحو عشرة بالمئة من إمداداتها الغازية جراء الضربات الإيرانية على قطر وتداعيات الحرب المشتعلة في الخليج، جاءت تطلب الدفء لبيوتها ومصانعها من جارتها الجنوبية التي تتدفق منها أنابيب الرزق دون انقطاع.

مصدر الصورة

وعلى طاولة المباحثات مع الرئيس عبد المجيد تبون، أعلنت ميلوني تعزيز التعاون بين شركتي “إيني” الإيطالية و”سوناطراك” الجزائرية، مفتوحةً أبواب الغاز الصخري والاستكشاف البحري لتوسيع الطاقة الإنتاجية.

والجزائر لا تحتاج إلى إقناع كبير، فهي أصلاً تغطي ما يزيد على ثلاثين بالمئة من احتياجات إيطاليا من الغاز، وخط أنابيب “ترانسميد” يعمل بكامل طاقته، والسفن ناقلة الغاز المسال لا تتوقف.

مصدر الصورة

غير أن ميلوني جاءت لتضمن المستقبل أيضاً، لا لتؤكد الحاضر فحسب. وفي دلالة رمزية بليغة، زارت ضيفة روما نصبَ مقام الشهيد قبل كل شيء، وكأنها أرادت أن تُقرّ بأن الجزائر التي قاتلت من أجل نفطها أدرى بقيمة ثروتها.

ألباريس يجيء خلف ميلوني

لم تكد تغادر الطائرة الإيطالية حتى كان وزير الخارجية الإسباني خوسي مانويل ألباريس يحزم حقائبه نحو الجزائر في زيارة يومَي الخميس والجمعة. والزيارة في حد ذاتها تنطوي على قدر كبير من المفارقة الدرامية، فإسبانيا هذه هي ذاتها التي قررت الجزائر عام 2022 تعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار معها بعد “الانقلاب المفاجئ” في موقفها من القضية الصحراوية.

مصدر الصورة

أربعة أعوام من الجمود والقطيعة، وها هو ألباريس يُقبّل يد الزمن ويحجّ إلى الجزائر حاملاً ملف الطاقة بيد وملف إعادة تطبيع العلاقات باليد الأخرى.

وإسبانيا تعاني مما تعاني منه باقي الجارات الأوروبيات؛ أسواق غاز مضطربة وأسعار مرتفعة وممرات بحرية باتت بالغة الخطورة.

مصدر الصورة

وقد كانت مدريد تستورد من الجزائر ما يقارب أربعةً وثلاثين بالمئة من احتياجاتها من الغاز عبر الأنابيب، أي ما يعادل أكثر من مئة وسبعة آلاف جيغاواط/ساعة في العام الماضي.

وحين وصل الغاز المسال الجزائري في مارس الجاري بعد توقف ثلاثة أشهر، بدا وكأن الصنبور يُفتح مجدداً بعد عطش طويل، وزاد حجم الصادرات الجزائرية المسالة في النصف الأول من مارس وحده بما يناهز أربعةً وسبعين بالمئة مقارنة بالشهر السابق.

وتمهد زيارة ألباريس الطريق لقمة متوقعة تجمع رئيس الوزراء بيدرو سانتشيز بالرئيس تبون، والأرجح أن رائحة الغاز ستسبق أجندتها الرسمية.

أوروبا تصطف في الطابور

هذا المسار لا يقف عند إيطاليا وإسبانيا. فالرئيس البرتغالي المنتخب حديثا، أنطونيو خوسيه سيغورو سيكون حاضرا بالجزائر في الأيام القادمة، كما أنّ الاتحاد الأوروبي بمجمله يُعيد رسم خريطة طاقته بمحاذاة أكثر وضوحاً نحو الجزائر.

فالجزائر باتت ثاني أكبر مورد للغاز إلى القارة الأوروبية عبر الأنابيب بعد النرويج، وبروز شهر جانفي 2026 كاشفاً أنها الدولة الوحيدة التي سجلت نمواً شهرياً في صادرات الغاز بلغ اثنين وعشرين بالمئة.

وسفير الاتحاد الأوروبي في الجزائر يُصرح جهاراً بأن أوروبا تعتزم الاستعاضة عن الغاز الروسي بالغاز الجزائري، وهذه ليست مجاملة دبلوماسية بل قراءة باردة في الأرقام والخرائط وأمن الإمداد. ولعل زيارة ممثل الاتحاد الأوروبي التي باتت قاب قوسين أو أدنى ستُضيف ورقة أخرى إلى هذا الملف المتعاظم.

المغرب يتجرع كأسه

في المقابل، ثمة مشهد آخر لا يخلو من عبرة. على تماس الجزائر يقف الجار المغربي أمام مفارقة مؤلمة.

في الوقت الذي تتدافع فيه الدول الأوروبية نحو الجزائر طالبةً الغاز ومُعرِّضةً الأنابيب للفتح، يجد المغرب نفسه خارج هذه الدورة تماماً، بل وعلى الضفة الأشد قسوة منها.

فأنبوب الغاز المغاربي الأوروبي الذي كان يمر عبر أراضيه ناقلاً الغاز الجزائري إلى إسبانيا والبرتغال، وكان يدر على المغرب حصةً منه ومبالغ مالية مقابل حق المرور، قد توقف منذ أكتوبر 2021 بعد أن آثرت الجزائر عدم تجديد العقد جراء التوترات المتراكمة.

والرياح التي زرعها المغرب من تطبيع مع الاحتلال وتواطؤ مع مخططات ضد الجزائر، ها هي تعصف به في أسوأ توقيت ممكن، حين تحتاج أوروبا كلها إلى الغاز الجزائري ولا تملك المغرب الحق في قطرة واحدة منه ولو دفعت أضعاف ثمنه.

في المقابل، تستفيد تونس هادئةً ومحافِظةً على حياديتها، تجني ثمار موقعها الجغرافي الذي يشقه خط أنابيب “ترانسميد”، حيث تحصل على حصتها من الغاز الجزائري مقابل حق العبور في اتفاق مستقر لا تحكمه المزاجات السياسية ولا نزوات التحالفات.

كيل يوسف

في قصة نبي الله يوسف عليه السلام، حين جاء إخوته إليه باحثين عن الكيل، لم يُعِّيرهم ولم يُهنهم، بل أكرم وفادتهم وفق ما تقتضيه الحكمة والعدل والمصلحة. الجزائر اليوم لا تُضيّق على أحد، ولا تُساوم بالغاز في الضيق، لأنها تعرف جيداً أن الموثوقية أغلى من الربح العابر.

والرئيس تبون لم يكن يُبالغ حين قال إن الجزائر “شريك استراتيجي وموثوق لإيطاليا وأوروبا”، فالجملة تلك تحمل في طياتها رسالة مُضمَرة: نحن لا نتخلى عن شركائنا حين تشتد الأزمة، خلافاً لمن تقلّب في مهب الصفقات وغيّر اتجاهه مع كل ريح.

القمح كان خيراً من السماء أُودع في أرض مصر، والغاز ثروة من باطن الأرض الجزائرية. لكن الأهم من الثروة في الحالتين، هو العقل الذي يُدير الثروة، والإرادة التي تجعل من الوفرة أداةَ حضور لا ورقةَ استعراض.

وحكاية يوسف الصديق لم تخلّد لأن مصر كانت تملك القمح، بل لأنها كانت تملك الرجل الذي يعرف كيف يُدير محصول القمح.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا