● مفكر كويتي يطالب بوساطة الجزائر لإنهاء الحرب في الخليج
الجزائرالٱن _ في وقت تتصاعد فيه نيران الصراع المسلح بين إيران والتحالف الصهيوأمريكي، وتبحث العواصم الخليجية عن مخرج دبلوماسي من أزمة باتت تهدد أمن المنطقة برمّته، أطلّ المفكر والأكاديمي الكويتي الدكتور عبد الله النفيسي بتقدير لافت للنظر، داعياً الجزائر إلى الاضطلاع بدور الوسيط في هذه الأزمة المشتعلة، مستنداً إلى ما تمتلكه من رصيد دبلوماسي فريد لدى كل الأطراف.
● الجزائر وحدها القادرة
في إحدى حواراته الأخيرة، رأى النفيسي أن الدولة الأقدر حالياً على التوسط في هذه الأزمة هي الجزائر، معللاً ذلك بأن لها رؤية سياسية ناضجة لا بد أن تُفعَّل في هذا الظرف الإقليمي الحرج.
وحين سأله المذيع عن سبب اختياره للجزائر دون سواها من العواصم العربية، أجاب النفيسي بثقة المحلل المخضرم: “إن العلاقات الجزائرية الإيرانية قديمة جداً، وإن الإيرانيين يحترمون الجزائر، وتحظى لديهم بمصداقية كبيرة، ولهذا فإن الجزائر مدعوة، بل ملزمة، بالتدخل في هذا الملف.”
وأضاف النفيسي أن المشهد الإقليمي الراهن لا يحتمل مزيداً من الاستنزاف، وأن دول الخليج باتت في موقف بالغ الهشاشة أمام تصاعد حدة الصراع.
ويرى أن النظام الإيراني، رغم الضربات الموجعة التي تلقاها، لا يبدو متجهاً نحو سقوط سريع، لكنه في الوقت ذاته لن يخرج من هذه الحرب كما كان قبلها، وهو ما يفتح نافذة حقيقية أمام الوساطة قبل أن تنزلق المنطقة نحو مواجهة أوسع.
● إيران دولة قديمة وليست مجرد نظام
تميّزت قراءة النفيسي للمشهد الإيراني بقدر من الموضوعية يفتقر إليها كثير من المحللين الخليجيين، إذ رأى أن إيران دولة قديمة، عندها تاريخ وشعب وجغرافيا وأنصار في المنطقة، وهو ما يجعل فكرة إسقاط نظامها بسرعة ضرباً من الوهم الاستراتيجي.
كما لفت إلى أن التمدد الإيراني في المنطقة لم يكن وليد إرادة طهران وحدها، بل جاء في مراحل سابقة بمباركة أمريكية صريحة أو ضمنية، مما يضع واشنطن أمام تناقض صارخ في موقفها الراهن.
ودعا النفيسي دول الخليج إلى مراجعة جدية لحساباتها الاستراتيجية، مشككاً في قدرة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وفق ما يُسوَّق له، ومؤكداً أن الشعوب ستكون العامل الحاسم في تحديد مآلات المنطقة لا المشاريع المرسومة في الغرف المغلقة.
● علاقات جزائرية إيرانية ذات تاريخ وثقل
ما دفع النفيسي إلى المطالبة بالاستثمار في الورقة الجزائرية ليس مجرد حسابات اللحظة، بل جذور دبلوماسية ضاربة في العمق، تمتد عبر عقود من المواقف الجزائرية الثابتة التي أوجدت لدى الإيرانيين رصيداً من الثقة لا يُستهان به.
ففي عام 1975، رعت الجزائر في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين توقيع اتفاقية شهيرة بين إيران والعراق، وضعت حداً للخلاف الحدودي المتجذّر بين البلدين، ولا تزال تحمل اسم الجزائر حتى اليوم بوصفها واحدة من أبرز الوساطات في تاريخ المنطقة.
ثم جاءت المحطة الأكثر إشراقاً في سجل الدبلوماسية الجزائرية، حين وجدت إيران والولايات المتحدة نفسيهما أمام أزمة شبه مستعصية عام 1979، بعد أن اقتحم طلاب إيرانيون السفارة الأمريكية في طهران واحتجزوا 52 دبلوماسياً أمريكياً لقرابة 444 يوماً متواصلة.
وحين فشلت المحاولة العسكرية الأمريكية لتحريرهم، وتعقّدت المفاوضات وضاقت السبل، كانت الجزائر هي الطرف الذي رحّب به الطرفان وسيطاً.
أشرف وزير خارجيتها آنذاك محمد الصديق بن يحيى على مفاوضات شاقة تنقّل خلالها المسؤولون الأمريكيون بين الجزائر وواشنطن في رحلات مكوكية مضنية، حتى تُوِّجت الجهود بتوقيع ما بات يُعرف في الأدبيات الدبلوماسية باسم “اتفاق الجزائر” في 19 جانفي 1981، وأُطلق سراح الرهائن في اليوم التالي مباشرة.
وقد أعلن الرئيس الأمريكي جيمي كارتر علناً عن امتنانه للجزائريين على ما وصفه بالعمل الاستثنائي، فيما وصف نائب وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر الجهود الجزائرية بأنها عبّرت عن التزام ملهم بالقيم الإنسانية وقدّمت للعالم مثالاً متفرداً لفن الدبلوماسية.
ولا تزال الولايات المتحدة حتى اليوم تُعرب عن امتنانها لهذا الدور كلما أتيحت لها المناسبة. وقد مرت هذه العلاقة بمطبات حادة، أبرزها القطيعة الدبلوماسية عام 1993 حين اتهمت الجزائر طهران بدعم الجماعات المسلحة في سنوات الجمر.
غير أن الدفء عاد إليها مع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة منذ نهاية التسعينيات، وتواصل هذا الانفراج حتى اليوم رغم تقلبات المشهد الإقليمي.
وفي الأشهر الأخيرة، أكدت الجزائر تضامنها مع الدول العربية المستهدفة بالعمليات العسكرية، مع رفضها القاطع لأي انتهاك للسيادة الوطنية، في موقف يدل على أنها لم تنسحب من الملف بل تتموضع بحذر وسط عاصفة لا يُستهان بها.
● من هو عبد الله النفيسي؟
الدكتور عبد الله النفيسي سياسي وأكاديمي كويتي من مواليد عام 1945، يُعدّ من أبرز المحللين الاستراتيجيين في منطقة الخليج. حصل على الدكتوراه من كلية تشرشل بجامعة كامبريدج البريطانية عام 1972، وعمل أستاذاً للعلوم السياسية في جامعة الكويت وجامعة الإمارات العربية المتحدة.
وقد انتُخب عضواً في مجلس الأمة الكويتي عام 1985 عن الدائرة الانتخابية الثامنة، متصدراً قائمة الفائزين فيها.
وصف بعضهم النفيسي بأنه رجل المفاجآت، إذ اشتُهر بجرأة مواقفه وقدرته على قراءة التحولات الكبرى قبل أن يُدركها سواه، وهو ما أضفى على تحليلاته حضوراً استثنائياً في النقاشات الفكرية والسياسية العربية.
وما يُضفي على دعوته هذه المرة وزناً إضافياً أنه أطلقها من موقع الباحث المحايد لا المنحاز لطرف دون آخر، فحين يختار مثل هذا الرجل الجزائرَ وسيطاً في أزمة تهدد العالم بأسره، فإنه لا يلقي كلاماً في الهواء، بل يُحيل إلى تاريخ دبلوماسي طويل وحسابات جيوسياسية تفرض نفسها في زمن تحترق فيه المنطقة وتبحث عن من يُطفئ الجمر قبل أن يلتهم الجميع.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة