ياسين وليد ومعركة تحرير الفلاح من البيروقراطية
الجزائرالٱن _ لم يكن منشور وزير الفلاحة والتنمية الريفية ياسين وليد على صفحته الرسمية في “فايسبوك” خطاباً روتينياً لوزير يؤدي واجبه الإعلامي. كان أشبه باعتراف علني بمرض مزمن طال صمت المؤسسات عنه، واعتراف من يملك صلاحية التغيير بأنه مُصرّ على استخدام هذه الصلاحية.
كلماته المباشرة، ورؤيته الإصلاحية المحددة المعالم، ثم أفعاله على أرض الواقع، كلها تُقدّم نموذجاً لمسؤول يأخذ منصبه بمعناه الحقيقي: خدمة المواطن لا تسيير الملفات.
الجملة التي كتبها الوزير ببساطة شديدة تحمل في طيّاتها تشخيصاً جراحياً دقيقاً: “دور الإدارة هو إيجاد حلول للمواطن، وليس البحث عن مبررات”.
هذه الجملة ليست مجرد موقف أخلاقي، بل هي انقلاب كامل في فلسفة التعامل مع المواطن. فالإدارة التي تبحث عن مبررات تعتبر نفسها الغاية، أما الإدارة التي تبحث عن حلول فهي تعرف أنها الوسيلة.
والأكثر من ذلك أن الوزير لم يكتفِ بالانتقاد المجرد، بل أضاف بنبرة من يعرف ما يتحدث عنه: “الجميع يعلم أن البيروقراطيين يُتقنون جيداً مهارة التحجّج”.
هذه الجرأة في توصيف الظاهرة بهذا الوضوح، من قِبَل وزير في منصبه، هي في حد ذاتها خطوة لا تُقدَّر قيمتها إلا من عاش يوماً مع ملف عالق في رفوف الإدارة.
ما يرفع هذا المنشور عن مستوى التصريحات الفضفاضة هو أن الوزير لم يتوقف عند النقد، بل رسم خارطة طريق ذات محاور قابلة للتنفيذ والقياس.
فتبسيط الإجراءات الإدارية وإلغاء الزائد منها يعني مراجعة جذرية لكل ما تراكم من اشتراطات لا مسوّغ لها. والرقمنة الكاملة للمسارات تعني القضاء على نقاط التماس المباشر التي هي في الغالب نقاط توقف لا نقاط خدمة.
أما تحديد آجال واضحة لدراسة الملفات فهو ثورة صغيرة في ثقافة إدارية طالما تسلّحت بالغموض الزمني لتمديد سلطتها.
وختاماً، فتح الباب للكفاءات الشابة يُرسّخ مبدأ الجدارة ويكسر دائرة الإنتاج الذاتي للجمود الإداري.
الرقم الذي أوردَه الوزير في ختام منشوره ليس استعراضاً للمعلومات، بل هو حجة مُسكِتة وتأطير اقتصادي صارم للمسألة. حين تُساهم الفلاحة بـ15% من الناتج الداخلي الخام، فإن أي عرقلة لمصالح الفلاحين لا تبقى شأناً إدارياً داخلياً، بل تنقلب إلى إلحاق ضرر مباشر بالاقتصاد الوطني برمّته.
بهذا التأطير، يتحوّل المسؤول المُعرقِل من موظف يُزعج مواطناً إلى طرف يُضر بمصلحة الوطن.
هذا التحوّل في المعادلة يمنح الإصلاح ثقلاً لا يمكن الاستهانة به: لم يعد الحديث عن تحسين الخدمة الإدارية كيفما كان، بل أصبح الحديث عن صون مورد اقتصادي استراتيجي يتوقف عليه جزء مهم من أمن الجزائر الغذائي والمالي.
ولأن المنشور قد يبقى في نظر المتشككين كلاماً جميلاً على شاشة، كانت إقالة مدير الغرفة الفلاحية لمدينة البليدة لتُترجم هذا الخطاب إلى واقع ملموس. الحادثة بسيطة في ظاهرها: فلاح حُرم من بطاقة مهنية. لكن استجابة الوزير لم تكن بسيطة إطلاقاً، بل كانت بمستوى الحادثة دلالياً لا إجرائياً فحسب.
هذه الإقالة هي تجسيد حيّ لكل ما كتبه الوزير. فلو اكتفى بالمنشور ولم يفعل شيئاً، لكانت حادثة البليدة مجرد تفصيل عابر. لكن حين جاءت العقوبة سريعة وواضحة، أصبح المنشور وثيقة مرجعية وأصبحت الإقالة وإن كانت سابقة توقيعاً عليها بالحبر الرسمي. هكذا يُبنى المصداقية: لا بكثرة الكلام، بل بالتطابق بين الكلام والفعل.
الفلاح الجزائري عَلِم من تجربته الطويلة مع الإدارة أن الوعود تبدأ بحماس وتنتهي بنسيان. لذلك هو يقيس المسؤولين لا بما يقولون بل بما يفعلون. وياسين وليد، بهذا المنشور الذي كان خارطة طريق، وبهذا القرار الذي كان برهاناً، يُقدّم نفسه مسؤولاً من طراز مختلف: يؤمن بأن الإصلاح يبدأ من الاعتراف بالمشكلة، ويمرّ بوضع الحلول، ولا يكتمل إلا بالمحاسبة.
الجزائر التي تسعى إلى تنويع اقتصادها وتعزيز أمنها الغذائي لن تجد طريقها إلى ذلك دون مسؤولين يملكون هذه الجرأة: جرأة تسمية الداء، وجرأة وصف الدواء، وجرأة تطبيقه حتى حين يكون مؤلماً لمن أخطأ.
الفلاح ينتظر، والأرض لا تصبر، والوزير الذي يفهم هذا يستحق الإشادة والمتابعة.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة