“ألقوهم في البحر” … عبارة تكشف انحطاط الخطاب الإعلامي الفرنسي
الجزائرالٱن _ على قناة “سي نيوز” الفرنسية، وأمام الكاميرات، وبنبرة من يطرح حلاً عملياً لا من يرتكب حماقة، قال المحلل السياسي والإعلامي الفرنسي جان كلود داسيي ما قاله: المهاجرون الجزائريون والتونسيون والمغاربة الذين لا تُنفَّذ في حقهم قرارات مغادرة التراب الفرنسي لا حلّ لهم سوى “إلقاؤهم في البحر الأبيض الخطاب”.
صمتٌ قصير خيّم على الاستوديو، ثم تدخّل مقدم البرنامج نفسه ليوبّخ ضيفه على الهواء: “مثل هذا الكلام لا يمكن قوله على شاشة التلفزيون”. وهي شهادة بليغة في حد ذاتها، حين تكون قناة “سي نيوز” هي من يضع حدوداً لخطابك.
لم يتراجع داسيي. حين ذكّره أحد الصحفيين بأن ثمة مطارات في بلدان المنشأ تتيح الترحيل بطرق قانونية، أكد أن الجزائر وتونس والمغرب لا ترغب في استقبال مواطنيها، مطالباً بسياسة خارجية أكثر صرامة تجاه دول المغرب العربي.
إصرارٌ يكشف أننا لسنا أمام رجل أفلت منه كلام، بل أمام رجل يعرف تماماً ما يقول ويُصرّ عليه، وهذا هو جوهر الإشكال.
البحر الذي يراه داسيي حلاً هو ذاته الذي وثّقت فيه المنظمة الدولية للهجرة غرق أكثر من عشرين ألف شخص منذ عام 2014 وحده.
أناسٌ فقدوا كل شيء قبل أن يخاطروا بحياتهم في مسالك الموت، فيأتي محلل سياسي مخضرم ليقترح إلقاء المزيد منهم فيه.
هذا لا يقع في خانة الرأي الجريء الذي يستأهل نقاشاً، بل يُجرّمه القانون الدولي الإنساني، وقانون البحار، والقانون الفرنسي ذاته الذي يُلزم أي سفينة بإنقاذ من وجدته في خطر لا بإغراقه.
وما يُضاعف الخطورة هو صفة صاحب العبارة. داسيي ليس مجهولاً تسرّب إلى أثير تلفزيوني عابر، بل وجهٌ مألوف يُستضاف بوصفه مرجعاً في التحليل السياسي.
حين يُطلق رجل بهذه المكانة دعوةً من هذا القبيل، فهو لا يُعبّر عن رأي شاذ، بل يمنح الشرعية لخطاب يحوّل الإنسان إلى عبء يمكن التخلص منه، وهو ما وصفته جمعية Alertes Racisme، التي أعلنت رفع شكوى رسمية إلى هيئة تنظيم السمعي البصري، بأنه “مشهد صادم يُتحدث فيه عن أجانب كما لو كانوا حيوانات”.
أما حجته بأن دول المغرب العربي ترفض استقبال مواطنيها فهي تحمل في طياتها مفارقة صارخة: الرجل الذي يطالب بسياسة خارجية أكثر صرامة تجاه هذه الدول يقترح في الوقت ذاته حلاً من شأنه أن يُودي نهائياً بأي إمكانية للتعاون معها.
دول المغرب العربي لن تفتح مطاراتها لاستقبال مواطنين أغرقتهم فرنسا.
ملف الترحيل شائك وحقيقي، وثمة دول أوروبية تتفاوض بشأنه وتُبرم اتفاقيات وتحقق نتائج متفاوتة، وهو مسار شاق لكنه المسار الوحيد الممكن ضمن القانون والحد الأدنى من الأخلاق.
اختزاله في دعوة للإغراق ليس تبسيطاً للمشكلة، بل إفلاس سياسي يتنكّر لذاته بلباس الجرأة.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة