دقلة نور .. “سيدة التمور” الجزائرية تتصدر العالم
الجزائرالٱن _ في تصنيفه لأفضل التمور في العالم الصادر حديثاً، أسند موقع TasteAtlas المرجعي في عالم الغذاء والسفر المرتبة الأولى عالمياً لتمر دقلة نور الجزائرية، مانحاً إياها درجة 4.4 من 5،
وهو مجموع يعكس إجماعاً نادراً من جمهور المتذوقين الذين جاءت أحكامهم من أصقاع العالم المختلفة. والأهم أن هذا التصنيف لم يكتفِ بإبراز دقلة نور وحدها، بل سجّل الجزائر حاضرة مرتين في المراتب الخمس الأولى، إذ احتلت تمور “ثوري الجزائرية” المرتبة الخامسة أيضاً، في دلالة على عمق وتنوع الرصيد التمري الجزائري.
ويُعرّف موقع TasteAtlas بنفسه باعتباره منصة موسوعية متخصصة في توثيق الأطعمة والمشروبات التقليدية حول العالم، وتعتمد تصنيفاته على آراء متذوقين حقيقيين عبر منظومة صارمة تستبعد التصويتات الآلية والوطنية المتحيزة، وتمنح وزناً إضافياً لآراء المستخدمين الذين تصنّفهم المنصة بوصفهم خبراء موثوقين في الطهي والمأكولات.
وقد رصد الموقع في تصنيف التمور الأخير ما مجموعه 979 تقييماً، اعتُبر 329 منها مشروعاً وفعّالاً.
ما هي دقلة نور؟
دقلة نور اسم عربي يعني حرفياً “عنقود النور” أو “الثمرة المضيئة”، وكثيراً ما تُعرف أيضاً بلقب “أصابع الضوء” .
في إشارة إلى مظهرها الشفاف الذي يتيح لمن ينظر إليها أن يرى نواتها عبر لبّها الذهبي. وقد جمع الجزائريون بين اللقبين فأسبغوا عليها بجدارة لقب “سيدة التمور”
المظهر والطع
تتميز دقلة نور بشكلها الطولي الأنيق ولونها العنبري الذهبي وملمسها الطري الإسفنجي. والسمة الأكثر إبهاراً فيها هي شفافية لبّها، إذ تبدو من الخارج كأنها تحجب ضوءاً داخلياً خافتاً.
أما طعمها فخليط رفيع من العسل والكراميل مع لمسة مكسّرات خفية، يتوازن فيه الحلاوة مع نعومة التركيب بطريقة لا يجاريها كثير من أنواع التمور في العالم.
ويصفها TasteAtlas رسمياً بأنها تتسم بـ”نكهة حلوة بطابع جوزي وكراميلي”
القيمة الغذائية
إلى جانب متعة الطعم، تحمل دقلة نور قيمة غذائية عالية توظفها الأسر الجزائرية توظيفاً دقيقاً في طقوس رمضان وسائر المناسبات.
فهي تحوي قرابة 295 سعرة حرارية لكل 100 غرام، وتزخر بالسكريات الطبيعية سريعة الامتصاص، مما يجعلها المادة الغذائية المثلى لإعادة توازن السكر في الدم بعد يوم كامل من الصيام. يُضاف إلى ذلك غناها بالألياف الغذائية والبوتاسيوم والمغنيزيوم وعدد من الفيتامينات.
أرض المنشأ والجغرافيا الجزائرية
لا يمكن فصل دقلة نور عن جغرافيتها الجزائرية؛ فهي وليدة صحراء بعينها وتربة وواحات بعينها، وقد أثبتت دراسات علمية جزائرية وأمريكية أن إنتاجها بالمقاييس والجودة ذاتها خارج مناطقها الأصيلة في الجزائر أمر بالغ الصعوبة إن لم يكن شبه مستحيل.
أصل النخلة يعود إلى واحات بسكرة في الجنوب الشرقي الجزائري، ومنها انتشرت على امتداد القرنين الماضيين إلى وادي سوف وتقرت وورقلة وغرداية.
واليوم تنتشر نخيل دقلة نور عبر أربع ولايات رئيسية هي بسكرة وورقلة ووادي سوف وغرداية، فضلاً عن حضور أقل في ولايات جنوبية أخرى.
إجمالي نخيل دقلة نور في الجزائر: 7.5 مليون نخلة
إجمالي نخيل التمور بالجزائر: أكثر من 21 مليون نخلة في 16 ولاية
عدد أصناف التمور الجزائرية: أكثر من 360 صنفاً
الإنتاج السنوي الإجمالي: أكثر من مليون طن، دقلة نور وحدها نحو 615 ألف طن
ترتيب الجزائر عالمياً في إنتاج التمور: الرابعة عالمياً وفق منظمة الفاو
والعامل الحاسم في تفوق دقلة نور الجزائرية على نظيراتها في الدول الأخرى ليس مجرد السلالة النباتية، بل هو المناخ الصحراوي الفريد لتلك الواحات: أشعة شمس استوائية جافة تمتص قمم النخيل خلال النهار، وجذور مرتوية من مياه جوفية باردة ونقية، ورمال تتحول ليلاً إلى مستودع تبريد طبيعي.
هذا التزاوج بين الحرارة الشديدة والترطيب الجذري هو السر الكيميائي الذي يصنع طعماً لا يُقلَّد.
دقلة نور في أمريكا
لدقلة نور حكاية مع الهجرة والتهريب وطبيعة البشر المفتونة بالجودة النادرة. فخلال الحرب العالمية الثانية، أقدم عدد من المهاجرين الأمريكيين القادمين من مدينة بسكرة على تهريب فسائل نخيل دقلة نور إلى الولايات المتحدة، وزرعوها في الصحاري الغربية ذات المناخ المشابه، ولا سيما كاليفورنيا وأريزونا وتكساس.
وقد ذهب الوفاء بعيداً في صحراء “إنديو” الكاليفورنية، حيث سُمّيت أحياء وشوارع بأسماء جزائرية تخليداً للمصدر الأصيل: شارع باسم “الجزائر”، وآخر باسم “طولقة”، وثالث باسم “دقلة نور”.
الانتشار إلى تونس والمنافسة
بالتوازي مع ذلك، انتقلت فسائل النخيل إلى تونس المجاورة التي نجحت في زراعتها في واحات الجنوب وبنت حولها صناعة تصديرية متطورة. وقد أفضى ذلك إلى ظاهرة مثيرة للجدل: تمور دقلة نور الجزائرية المهرَّبة تعبر الحدود لتُعبَّأ وتُغلَّف من جديد ثم تُصدَّر إلى أوروبا وأمريكا تحت علامات تجارية غير جزائرية.
وهو ما أفضى إلى مواجهة جزائرية رسمية حازمة، حيث تم نشر وحدات الدرك الوطني في منطقة الزيبان ليلاً ونهاراً لمكافحة شبكات تهريب التمور، وسعت الحكومة إلى تسجيل “دقلة نور” كمنتوج بيان جغرافي محمي ارتباطاً بمنطقة طولقة وجنوب ولاية بسكرة.
ثروة تنتظر استثماراً أعمق
على الرغم من الاعتراف العالمي، تظل الفجوة بين الإنتاج والتصدير الجزائري واسعة بشكل لافت. فالجزائر تُنتج أكثر من مليون طن سنوياً من التمور، لكن صادراتها التجارية الرسمية تقتصر على عشرات الآلاف من الأطنان.
ويُقدّر الخبراء أن الجزائر تحقق سنوياً قرابة 200 مليون دولار من مداخيل تصدير التمور، بينما هي قادرة على مضاعفة هذا الرقم أضعافاً بمرافقة أفضل للمنتجين والمصدّرين.
ومن أبرز العقبات التي يرصدها المختصون: التذبذب في التسعير وتلاعب بعض المصدرين في قيمة الفواتير بما يضرّ الاقتصاد الوطني، وضعف الحضور في المعارض الدولية المتخصصة، وغياب التعريف الكافي بأصناف التمور الجزائرية الأخرى خارج دقلة نور التي تستحق هي الأخرى اهتماماً ترويجياً، وتراجع الصادرات مقارنةً بالسبعينيات حين كانت الجزائر تُصدّر أكثر من 120 ألف طن سنوياً.
وتُحدّد التقارير عدة رافعات واعدة: الاستثمار في مشتقات التمور كمعجون التمر وعسل التمر وخل التمر ومشروبات التمر، وهي منتجات ذات قيمة مضافة عالية ومطلوبة في أسواق الدول الإسلامية والأسواق الصحية الغربية على حدٍّ سواء.
كما يرى المصدّرون أن توفير طائرات شحن متخصصة وتمثيل في المعارض الكبرى بأوروبا وآسيا كفيل بفتح أسواق جديدة لم تُكسر بعد.
دقلة نور في الوجدان والهوية الجزائرية
أكثر ما يميز العلاقة بين الجزائريين ودقلة نور أنها تتجاوز حدود التجارة والغذاء لتصل إلى مستوى الهوية والانتماء. يقول الجزائريون بفخر إن تمورهم “لا تنافس الجزائر إلا نفسها” في هذا المجال.
وليس في القول مبالغة: فمناطق بسكرة وطولقة ووادي سوف حوّلت واحاتها الخضراء وسط رمال الصحراء إلى مشهد يجمع البشر بالأرض في علاقة وفاء مديدة.
ودقلة نور حاضرة في كل مائدة إفطار رمضانية جزائرية وفي أكثر الهدايا تقديراً بين الأسر، وفي حلويات راسخة كتمر بالمقرون وتمر بالزبدة، إلى جانب حضورها في المطبخ الجزائري المعاصر الذي باتت تدخل فيه كمكوّن في السلطات والمعجنات والصلصات.
ولعل أبلغ تعبير عن هذا الارتباط ما جرى في وادي سوف من تحوّل في علاقة الإنسان ببيئته: رمال الصحراء التي كانت خصماً صارماً باتت مستودعاً للتبريد الليلي، والحرارة الشديدة التي كانت تقسو باتت عاملاً في إنضاج الثمار مبكراً وبجودة استثنائية. إنها تمرة صنعها الصبر الجزائري بقدر ما صنعتها الشمس والرمل.
المرتبة الأولى عالمياً في TasteAtlas ليست حظاً عابراً، بل شهادة لعقود من الرعاية الصحراوية الصبورة وعلم التوارث الزراعي الجزائري.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة