آخر الأخبار

عندما يغضب ستورا من أجل تاريخ الجزائر

شارك
بواسطة شعيب ز
مصدر الصورة
الكاتب: شعيب ز

● عندما يغضب ستورا من أجل تاريخ الجزائر

الجزائرالٱن _ في مشهد نادر على شاشات التلفزيون الفرنسي، تحوّل برنامج حواري على قناة “فرانس أنفو” إلى ما يشبه المحكمة، حين وقف المؤرخ الفرنسي الكبير بنجامين ستورا في وجه منشط البرنامج رافضاً بشدة توجيه النقاش نحو ما اعتبره تفاهات، بينما تنتظر جراح التاريخ الجزائري الفرنسي من يفتح ملفاتها.

● الشرارة التي أشعلت الغضب

كانت الذريعة زيارة وزير الداخلية الفرنسي للجزائر، وهي زيارة دبلوماسية بالغة الحساسية، تحمل في طياتها عقوداً من الجراح المتراكمة. غير أن المنشط آثر أن يُقحم في النقاش اسم “مؤثر” جزائري وقضيته المتعلقة بمحاولة اختطاف مزعومة على يد موظف في السفارة الجزائرية بباريس، متذرعاً بأن هذه القضية من بين أسباب توتر العلاقات بين البلدين.

لم يتحمل ستورا هذا التوجيه، فانفجر على الهواء مباشرة قائلاً بوضوح لا لبس فيه: “ماذا أفعل هنا؟ أنا لست هنا للحديث عن هذا المؤثر”. وكان في صوته مزيج من الغضب والاستصغار لأسلوب تناول قضايا مصيرية بهذه الخفة.

● جراح لم تُعالَج بعد

ما أراد ستورا قوله لم يكن مجرد احتجاج على أسلوب تقديم برنامج، بل كان صرخة في وجه ثقافة إعلامية تُفضّل الإثارة على العمق. فالرجل الذي أمضى خمسين عاماً في البحث والكتابة عن تاريخ الجزائر وفرنسا، يعرف جيداً أن ثمة ملفات لا تزال مفتوحة وتنزف:

التجارب النووية الفرنسية التي أجرتها فرنسا في الصحراء الجزائرية خلال ستينيات القرن الماضي، وخلّفت آثاراً صحية وبيئية كارثية لا تزال تداعياتها قائمة حتى اليوم. وقضية المفقودين في معركة الجزائر، حيث تبقى مصائر مئات الأشخاص مجهولة وعائلاتهم في انتظار إجابات.

فضلاً عن مئات الآلاف من الجزائريين الذين لقوا حتفهم خلال سنوات الحرب، والذين لم تُنصفهم الرواية الرسمية الفرنسية بعد.

● فضيحة الجماجم والمؤثر

لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد. فقد كشف ستورا عن واقعة أشد إيلاماً، حين أفاد بأنه استُضيف في برنامج “Complément d’enquête” على قناة “فرانس 2″، وقضى فترة صباحية كاملة يتحدث عن جماجم المقاومين الجزائريين المحفوظة في متحف الإنسان بباريس،

وهي جماجم اقتُطعت من أجساد مقاومين جزائريين في القرن التاسع عشر ونُقلت إلى فرنسا كغنائم حرب، ليكتشف لاحقاً أن ما قاله لم يُبث، في حين بُثّ الجزء المخصص لمؤثر من دبي.

وقد لخّص ستورا هذه المفارقة المؤلمة بعبارة صارمة: “المؤثر أهم من الجماجم”. وهو تعليق يختصر واقعاً إعلامياً يُقدّم صناعة المحتوى الرقمي على حساب الذاكرة التاريخية وما تحمله من دماء ودموع وحقوق مسلوبة.

● ستورا وصراع الذاكرة

لا يمكن قراءة غضب ستورا بمعزل عن مساره الفكري. فصاحب كتاب “فرنسا والجزائر: آلام الذاكرة” ظل طوال مسيرته يسعى إلى بناء جسور حوار حقيقية بين البلدين على أساس الاعتراف المتبادل بالحقيقة التاريخية، لا الهروب منها.

وقد كُلّف عام 2020 من قِبل الرئيس إيمانويل ماكرون بإعداد تقرير حول مسألة الذاكرة المشتركة بين فرنسا والجزائر، وهو ما يجعل موقفه في هذه المواجهة التلفزيونية أكثر من مجرد رد فعل انفعالي، بل هو موقف مؤسَّس على قناعة راسخة بأن تجاوز الجروح لا يكون بالتغافل عنها.

● حين يصمت التاريخ ويثرثر المؤثر

ما كشفه هذا الموقف يتجاوز مشادة تلفزيونية عابرة. إنه يعكس أزمة أعمق في طريقة تناول الإعلام الغربي لقضايا ما بعد الاستعمار، حين تُختزل عقود من الظلم والدم في زاوية ضيقة.

بينما تُمنح الساعات للقضايا الطارئة والأسماء الرنانة على منصات التواصل الاجتماعي.

غضب ستورا في تلك اللحظة لم يكن غضب مؤرخ أُهين، بل كان غضب ضمير يرفض أن تُطوى صفحات الدم بهذه الخفة.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا