آخر الأخبار

رمضان رقم 1446… ذاكرة أمة تمتد أربعة عشر قرنًا

شارك
بواسطة شعيب ز
مصدر الصورة
الكاتب: شعيب ز

رمضان رقم 1446… ذاكرة أمة تمتد أربعة عشر قرنًا

الجزائرالٱن _ في هذا العام 1447 هـ الموافق 2026 م، يستقبل المسلمون حول العالم شهر رمضان المبارك وهم يحملون في قلوبهم إرثا روحيا لا يُحصى. لكن قليلين منهم يتوقفون ليتساءلوا: كم مرة صام المسلمون رمضان منذ ان فُرض الصيام؟

الجواب المذهل هو: هذا هو رمضان رقم 1446 منذ أول صيام عرفه الإسلام في السنة الثانية للهجرة، عام 624 ميلادية. أربعة عشر قرنا وست وأربعون سنة من الصيام المتواصل، لم تنقطع فيها امة المسلمين عن هذه الفريضة ولو يوما واحدا في اي بقعة من بقاع الارض.

1446 لقاء بين السماء والأرض، لم ينقطع منذ أن نزل الوحي على سيد الخلق في غار حراء.

كيف فُرض الصيام؟

لم يكن فرض الصيام في رمضان قرارا اعتباطيا في مسيرة الدعوة الاسلامية. جاء بعد تجربة روحية تدريجية: فقد صام النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته يوم عاشوراء قبل ذلك، وصاموا ثلاثة ايام من كل شهر. كانت النفوس تُهيَّأ لاستقبال هذا الشهر العظيم.

ثم جاء الخطاب الالهي الجليل في السنة الثانية من الهجرة: آيات سورة البقرة من الآية 183 حتى 187، لتُرسي دعائم ركن من اركان الاسلام لن تزول حتى يوم الدين. كان ذلك في شعبان، ورمضان على الأبواب، فاستعد المسلمون الأوائل لأول تجربة صيام جماعية في تاريخ هذه الامة.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

سورة البقرة، الآية 183

الصحابة الكرام… الجيل الاول من الصائمين

تخيّل لحظة ذلك الرمضان الاول. الصحابة ـ رجال ونساء ـ في المدينة المنورة بعد هجرة قطعت بهم كل أسباب الراحة. كانوا في حال من الشوق والحماس لتطبيق هذه الشعيرة الجديدة. يروي التاريخ أن بعضهم في أول الأمر ظل يصوم حتى ينام، وكان إذا نام قبل أن يفطر حُرِّم عليه الاكل حتى المغرب التالي، فخُفِّف ذلك برحمة الله لما لحق بهم من مشقة.

ذلك رمضان الأول كان درسا في التدرج الرباني ورحمة التشريع الاسلامي: الله يُيسِّر، لا يُعسِّر. والشريعة تنزل على قدر طاقة البشر.

عندما يلتقي الصيام بالتاريخ

لم يكن رمضان الثاني في التاريخ الاسلامي شهر عبادة هادئة فحسب، بل كان شهر الحسم العسكري الأكبر في صدر الاسلام. في السابع عشر من رمضان عام 2 هـ، التقى جيش المسلمين ـ وعددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ـ بجيش قريش الذي كان يزيد على الف مقاتل، في واد يُدعى بدر.

وفي تلك المعركة التاريخية، كان الصائم المنهك بالعطش والجوع يُقاتل وقلبه معلق بالسماء. وكان النصر ـ خلافا لكل منطق عسكري ـ حليف القلة الصائمة. وقد سمّى القرآن الكريم هذا اليوم بـ يوم الفرقان، يوم فُرِق فيه بين الحق والباطل.

في بدر، علّم رمضان المسلمين حقيقة خالدة: القوة ليست في السلاح، بل في اليقين بالله.

في رمضان عادت الكعبة الى الحق

في رمضان عام 8 هـ، كان الاسلام قد امتد في شبه الجزيرة العربية، وجاءت اللحظة الكبرى: دخل النبي مكة المكرمة فاتحا في العاشر من رمضان، على رأس عشرة آلاف مقاتل. لكن الفتح الأعظم لم يكن بالسيف، بل بالعفو. لما وقف النبي أمام قريش وقال: اذهبوا فانتم الطلقاء. جاء هذا العفو في قلب رمضان، كأنه يقول: شهر الصيام شهر التسامح والعودة الى الله لا شهر الانتقام.

وقف النبي أمام الكعبة وحطم الأصنام معلنا: جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا. كان هذا في رمضان. كأن الشهر المقدس أبى أن يكون موسما للحرب، فحوّله الى موسم للحرية والعودة.

في رمضان غرد المؤذن فوق جبل طارق

في رمضان عام 92 هـ الموافق 711 م، عبر طارق بن زياد المضيق الذي سُمِّي لاحقا باسمه، ليُفتح باب أوروبا أمام الحضارة الإسلامية. ووقف امام جنوده في خطبته الشهيرة المفعمة بروح الجهاد والايمان: أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو أمامكم.

لم تكن تلك الكلمات خطابا عسكريا فحسب، بل كانت تجسيدا لروح المسلم الصائم الذي لا يعرف التراجع أمام التحديات. وظل الإسلام في الأندلس ثمانية قرون، تُضيء فيها حضارته قلب أوروبا المظلمة بالعلم والفن والفلسفة.

حين وقف رمضان في وجه التتار

في رمضان عام 658 هـ الموافق 1260 م، كانت الحضارة الإسلامية تتهاوى تحت مطارق المغول. سقطت بغداد وحُرقت مكتباتها وقُتل خليفتها. وكان العالم الإسلامي يترقب: هل ستسقط مصر هي الأخرى؟

لكن في واد صغير يُدعى عين جالوت في فلسطين، وقف قطز وبيبرس على رأس جيش المماليك الصائم في رمضان، ليُلحقوا بالمغول أول هزيمة كبرى في تاريخهم. وتوقف المد المغولي. وبقي الإسلام. وكأن رمضان يحمل في طياته سرا إلهيا: كلما اشتدت المحن على المسلمين في هذا الشهر، كلما جاء الفرج من حيث لا يحتسبون.

محطات رمضانية عبر الزمن

ـ 2 هـ / 624 م: فرض الصيام في السنة الثانية من الهجرة ـ رمضان الأول ـ

ـ 2 هـ / 624 م: غزوة بدر الكبرى في السابع عشر من رمضان ـ النصر المؤسِّس ـ

ـ 8 هـ / 630 م: فتح مكة المكرمة في رمضان ـ تطهير البيت الحرام ـ

ـ 15 هـ / 636 م: معركة القادسية وفتح العراق في رمضان

ـ 92 هـ / 711 م: فتح الاندلس في رمضان ـ موسى بن نصير وطارق بن زياد ـ

ـ 223 هـ / 838 م: مولد الامام البخاري في شوال عقب رمضان، خدم السنة النبوية عمره

ـ 658 هـ / 1260 م: معركة عين جالوت في رمضان ـ إيقاف المد المغولي ـ

ـ 1393 هـ / 1973 م: حرب أكتوبر تبدا في العاشر من رمضان ـ يوم الثامن عشر من رمضان يعبر الجيش المصري قناة السويس ـ

ـ 1447 هـ / 2026 م: رمضان رقم 1446 في تاريخ المسلمين ـ نحن هنا ـ

ما الذي يجعل هذا الشهر بخلاف سائر الشهور؟

من بين ليالي رمضان الثلاثين، تختبئ ليلة تستحق عمرا بأكمله. ليلة القدر، التي وصفها القرآن بأنها خير من ألف شهر، أي خير من ثلاثة وثمانين عاما. وهو عمر إنسان كامل. يمنح الله لمن أحياها بصدق وإيمان واحتسابا ما يعجز عن تحصيله في حياة بأكملها.

وقد جاء في الحديث الشريف ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه. وهو وعد إلهي مفتوح لكل مسلم في كل عام، منذ ذلك الرمضان الأول عام 624 م حتى رمضاننا هذا 2026 م.

الصيام: تجربة الوجود المختلف

ما الذي يحدث حقا حين يصوم المسلم؟ يتوقف الجسد عن اعتياده، فتتحرر الروح من أسر المادة. الجوع لا يُذلّ ـ بل يُعلِّم. العطش لا يُضعف ـ بل يُذكِّر. ذكِّر بمن لا يجد ما يكسر عليه صيامه، ذكِّر بأن نعم الله لا تُحصى.

وفي هذا الشهر تتحول ساعات اليوم: السحور لحظة بركة يُصاحبها ترقب الفجر، والإفطار لحظة فرح يجمع العائلة على إناء واحد، والتراويح صلاة تجمع الجيران في المساجد. رمضان يُعيد تشكيل الزمن، يُعيد تنظيم الأولويات، يضع الروح فوق البطن والسماء فوق الأرض.

رمضان لا يُغيِّر ما تأكله فحسب، بل يُغيِّر كيف ترى العالم.

الصدقة والزكاة: ركن المجتمع في رمضان

لم يكن رمضان يوما في التاريخ الإسلامي شهر عبادة فردية صامتة. بل كان شهر التلاحم الاجتماعي بامتياز. كان النبي أجود ما يكون في رمضان، وأجود من الريح المرسلة كما وصفه ابن عباس. وتبعه المسلمون على هذا الخلق عبر القرون.

زكاة الفطر فريضة تُخرج قبل صلاة العيد لتطهير الصيام وسد حاجة الفقير. وفي كل رمضان من 1445 رمضان الماضية، تدفقت الصدقات من أيدي الأغنياء إلى جيوب المحتاجين في أعظم عملية توزيع طوعي للثروة عرفها التاريخ الإنساني.

رمضان عبر الحضارات: كيف احتفلت الأمة بشهرها؟

في بغداد العباسية، كانت مآذن المدينة تتنافس في الآذان لتحديد لحظة الافطار. وكانت قصور الخلفاء تُفتح أمام العلماء والشعراء في مجالس رمضانية تجمع بين تلاوة القرآن وقراءة الشعر ومناقشة الفقه والفلسفة. كان رمضان عيدا للعقل قبل ان يكون عيدا للبطن.

وروى المؤرخون أن الخليفة هارون الرشيد كان يصلي في رمضان مائة ركعة كل يوم، ويُعتق في كل يوم رقبة، ويتصدق بألف دينار. ولعل في هذا صورة عن روح المسلم الذي يرى في رمضان فرصة لا تتكرر.

في الاندلس: رمضان الشعر والعلم

في قرطبة وغرناطة وإشبيلية، كانت ليالي رمضان تُنير بشيء أجمل من المصابيح: الشعر. كان الشعراء الأندلسيون يتسابقون في وصف جمال رمضان، ومجالس العلم فيه، وروحانية التراويح في مساجد تعلو منارتها فوق حدائق الليمون والبرتقال. ورمضان في الأندلس كان يعني أن الحضارة تُعيد تشكيل نفسها كل عام.

اليوم: رمضان في عالم متغير

في رمضاننا رقم 1446، يصوم ما يزيد على ملياري مسلم في كل القارات. في القطب الشمالي حيث يمتد النهار عشرين ساعة، وفي خط الاستواء حيث يتساوى الليل والنهار. في القرى الإفريقية حيث يُكسر الصيام على التمر والماء، وفي مدن أوروبا حيث يلتقي المسلمون في المساجد بعد ساعات العمل.

الصورة اتسعت، اللغات تعددت، الملابس اختلفت، لكن الجوهر واحد: الامتناع عن الطعام والشراب من الفجر حتى المغرب، والتقرب من الله، والتذكر بأن الإنسان أكبر من جسده وأن الروح أعمق من المعدة.

ماذا يعني رمضان 1446 لهذا الجيل

أن ترث رمضان رقم 1446 يعني أن تحمل في قلبك حصة من روح كل صائم صام قبلك: من ذلك الصحابي الذي صام في المدينة وقلبه يرتجف خشية أن لا يُقبل صيامه، إلى العالم الذي أحيا الليل في بغداد فكتب في طيّ المسهرات كتابا لا يزال يُقرأ، إلى الأم الفلسطينية التي تُفطر أولادها على اللحظات قبل التمر، إلى الشاب الذي يُمسك بهاتفه الآن ويقرأ هذه السطور.

جميعكم في سلسلة واحدة متصلة من الايمان، لم تنقطع منذ 1446 رمضانا.

الشهر الذي يُذكِّر بالحقيقة

في عالم يُغرقنا بالاشتغال والضجيج والاستهلاك، يجيء رمضان كل عام ليُذكِّرنا بحقيقة بسيطة: أنت لست ما تاكله، ولا ما تملكه، ولا ما تنشره على وسائل التواصل. أنت روح مُودعة في جسد، مُرسَلة في هذا العالم لغاية أكبر من أن تمتلئ بطنها.

والصيام ـ في جوهره ـ ليس حرمانا. بل هو اكتشاف: اكتشاف أن الإنسان قادر على السيطرة على نفسه، قادر على قول لا لشهواته وهواه. وهذه القدرة هي أساس كل فضيلة وكل بطولة.

ليس المهم كم صُمت من سنين. المهم: هل صام قلبك معك؟

خاتمة: رقم يُلزم

أن تعرف أن هذا هو رمضان رقم 1446 لا يُضاف فقط الى رصيدك المعرفي. بل هو دعوة للتأمل: ماذا أضفتُ الى هذه المسيرة الروحية الكبرى؟ كيف سيذكر التاريخ رمضاني هذا ـ ليس تاريخ الأمة، بل تاريخي الشخصي الخاص ـ؟

جيل الصحابة ترك معجزة بدرا وفتح مكة. جيل المماليك ترك عين جالوت. فماذا يترك جيلنا في رمضان رقم 1446؟ ربما لا نترك انتصارا عسكريا. لكن في كل قلب يتحول في رمضان، وفي كل إنسان يُصلح علاقته بربه، وفي كل عائلة تجلس معا على مائدة الافطار ـ ثمة أمة تواصل وجودها وتؤكد أن الشهر الكريم لا يزال يفعل فعله في القلوب كما فعله منذ 1446 رمضانا.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا