آخر الأخبار

مقال رأي: الصحراء لا تنسى من حفر فيها بئراً

شارك
بواسطة شعيب ز
مصدر الصورة
الكاتب: شعيب ز

مقال رأي: الصحراء لا تنسى من حفر فيها بئراً

ثمة أشياء في هذا العالم لا تتغير مهما تقلّبت الأحوال وتبدّلت الوجوه. الصحراء واحدة منها.

لا تكذب ولا تجامل، ولا تمنح ثقتها لمن يمر عليها مرور العابرين.

لكنها لا تنسى أبداً من نزل فيها وحفر فيها بئراً وسقى منها الناس. هذا البئر يبقى، حتى لو جاءت عواصف ورمال وسنوات من الجفاء.

هذا بالضبط ما جرى بين الجزائر ودول الساحل الإفريقي. وهذا هو المعنى الحقيقي لما نشهده اليوم من عودة الدفء بين الجزائر وجيرانها في الجنوب.

حين وقعت الانقلابات في النيجر وبوركينا فاسو ومالي تباعاً، وتشكّل تحالف دول الساحل بنبرة تمرد صاخبة على كل ما هو قائم، بدا للوهلة الأولى أن الجزائر باتت معزولة عن جنوبها. سفراء يُستدعون، وحدود تبرد، وخطاب سياسي حاد يصوّر الجزائر كأنها جزء من المشكلة لا من الحل. وفي تلك الأجواء المشحونة، اعتقد بعضهم أن الجزائر فقدت عمقها الإفريقي الاستراتيجي الذي طالما اعتزت به وبنت عليه جزءاً كبيراً من ثقلها الإقليمي والقاري.

ولم يتأخر من كان ينتظر هذه اللحظة.

سارع المغرب إلى ملء ما ظنّه فراغاً، فعرض على دول الساحل ما سمّاه مبادرة للوصول إلى المحيط الأطلسي. طرق وموانئ ومنافذ للبحر، عرض يبدو في ظاهره سخياً لدول محاطة باليابسة من كل جانب وتحلم بمنفذ على العالم.

لكن من يقرأ هذا العرض بتمعّن يدرك أن الطريق الذي يعرضه المغرب لا يمر إلا عبر الصحراء الغربية المتنازع عليها دولياً، وأن هذه الدول لو قبلت ستجد نفسها بالتبعية شريكةً في إضفاء شرعية على مشروع سياسي مغربي قبل أي شيء آخر.

لم يكن المغرب يقدم هدية لدول الساحل، بل كان يشتري ورقة لنفسه على حساب قضية لا تزال محل خلاف في المحافل الدولية.

والأهم من هذا كله أن ما عرضه المغرب لم يكن موجوداً على أرض الواقع، بل كان وعداً بطريق لم يُشَق بعد، عبر أراضٍ لا يعترف بها العالم كله ملكاً مغربياً خالصاً.

وهنا يظهر الفارق الجوهري بين من يملك عمقاً حقيقياً ومن يحاول شراء نفوذ في لحظة ضعف.

العمق الإفريقي للجزائر لم يُبنَ في مكاتب الدبلوماسية ولا في بيانات حسن الجوار.

بُني على الأرض وفي حياة الناس، على مدى عقود متواصلة من الحضور الفعلي في المنطقة. تخيّل معي خريطة الساحل الإفريقي، وانظر كيف يمتد الطريق العابر للصحراء من الجزائر جنوباً ليربط ست دول في شريان تجاري واحد لا بديل له.

هذا الطريق لا يعرف السياسة ولا يتوقف عند خلافات الحكومات، لأنه في حقيقته ليس طريقاً للسيارات فحسب، بل طريق للأرزاق وللناس وللحياة اليومية لملايين البشر في منطقة تفتقر إلى أبسط منافذ التواصل مع العالم.

وهذا الطريق موجود اليوم، يسير عليه الناس، وليس مجرد وعد في خطاب.

وانظر كذلك إلى مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، ذلك المشروع الضخم الذي يحمل في طياته حلم ربط إفريقيا بأوروبا طاقوياً، والذي لا يمكن أن يرى النور إلا بالتعاون الكامل بين الجزائر ودول الساحل وفي مقدمتها النيجر.

مشروع كهذا لا يُلغيه خلاف سياسي مهما اشتد، لأن مصلحة الجميع فيه أكبر من أي حسابات آنية، ولأنه يعني لدول الساحل دخلاً حقيقياً وتنمية فعلية لا تعهدات معلّقة في الهواء.

ولا تنسَ محطات الكهرباء التي بنتها الجزائر في مناطق كانت تعيش في الظلام، ولا المستشفيات التي أُقيمت في مدن بعيدة عن كل خدمة، ولا مراكز التكوين المهني التي أعطت شباباً في الساحل أملاً لم يكن لهم من قبل.

هذه ليست مشاريع مكتوبة في أوراق الاتفاقيات يمكن طيّها وحفظها في الأدراج حين تسوء الأحوال.

هذه مشاريع منسوجة في النسيج اليومي لحياة الناس، ومن يحاول إقناع مواطن في أغاديس أو واغادوغو بأن يتجاهل من بنى له كل هذا فهو يطلب منه أن يتجاهل حياته بأسرها.

والجزائر حين برد الجو ووقعت الأزمة الدبلوماسية لم تتصرف كمن أُهين فانسحب جارحاً كبرياءه. تصرّفت كمن يعرف جيداً قيمة ما بنى ويثق في أن الزمن عدل لا يضيّع الحقوق.

لم ترفع صوتها ولم تلوّح بالقطيعة ولم تجعل من الأزمة مسرحاً للاستعراض. انتظرت بصبر من يعرف أن الصحراء لها إيقاعها الخاص، وأن من يستعجل فيها يضل الطريق.

ثم حين جاءت اللحظة المناسبة تحركت بهدوء وحزم في آنٍ واحد. لم ترسل خطاباً دبلوماسياً منمقاً، بل أرسلت وزير محروقات يحمل ملفات استثمار حقيقية وأرقاماً ملموسة، فزار نيامي وواغادوغو ليس ليلقي خطبة في حسن الجوار، بل ليضع على الطاولة ما يعرف الجميع أنهم في أمسّ الحاجة إليه.

وحين قارنت هذه الدول بين بنية تحتية قائمة ومشاريع جاهزة من جهة، ووعد بطريق يمر عبر أراضٍ متنازع عليها من جهة أخرى، لم يكن الاختيار صعباً.

والنتيجة جاءت في وقتها تماماً. عادت السفارات وعاد السفراء، ويجلس رئيس النيجر الآن في الجزائر ضيفاً على الرئيس تبون، وبوركينا فاسو بدأت هي الأخرى تفتح قنوات الحوار وتعيد حساباتها بهدوء بعيداً عن الأضواء.

عودتان تحملان نفس الرسالة: العلاقة مع الجزائر ليست خياراً من بين خيارات، بل هي معطى جغرافي وتاريخي واقتصادي لا يمكن الاستغناء عنه.

وتبقى مالي. نعم، باماكو لا تزال تراهن على خيارها، وتتمسك بمواقفها التي أوصلتها إلى عزلة لم تكن في حسبانها حين أشعلت فتيل الأزمة.

لكن من تابع مسار النيجر وبوركينا فاسو يعرف أن هذا الرهان له سقف، وأن الجغرافيا والمصلحة في النهاية أقوى من أي عناد مهما طال.

مالي محاطة باليابسة، وطرقها التجارية تمر بالضرورة عبر جيران لا تملك ترف إغضابهم إلى الأبد.

وحين يشعر المواطن المالي البسيط بثقل هذا الخيار على حياته اليومية، فإن الضغط الداخلي وحده كفيل بأن يُعيد الحسابات إلى نصابها.

الجزائر تعرف هذا، وتنتظر بالصبر نفسه الذي انتظرت به عودة النيجر وبوركينا فاسو.

لأن من حفر البئر لا يقلق على العطشان، مهما أبعد عنه المسير.

الصحراء لا تكذب ولا تنسى. من حفر فيها بئراً يعلم أن الماء لا يزال هناك في أعماقها، وأن العطشان مهما أبعد المسير سيعود إليه في نهاية المطاف.

بنت الجزائر في هذه المنطقة ما هو أعمق من التصريحات وأرسخ من البيانات. بنت علاقة مع الأرض والناس والحياة اليومية.

وهذا النوع من البناء لا تقوى على هدمه أزمة عابرة، ولا يستطيع أحد أن يزاحمه بوعود تحمل بريقاً لكنها تخلو من الجوهر، ولا بطرق موعودة لم تلمسها يد بعد.

الجزائر لم تُفاجأ بما جرى ولم تنزعج كثيراً مما قيل. لأنها تعرف شيئاً يعرفه كل من عاش في الصحراء وفهمها: البئر التي حفرتها لا تختفي.

وباماكو ستعود يوماً، كما عادت نيامي، وكما تعود واغادوغو. لأن الصحراء لا تنسى من حفر فيها بئراً، ولأن العطش في نهاية المطاف لا يجامل أحداً.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا