آخر الأخبار

رئيس النيجر في الجزائر: الأمن والاقتصاد وأزمات الساحل على طاولة الرئيسين

شارك
بواسطة شعيب ز
مصدر الصورة
الكاتب: شعيب ز

● تياني في الجزائر

● الأمن والاقتصاد وأزمات الساحل على طاولة الرئيسين

الجزائرالٱن _ وصل الفريق عبد الرحمن تياني، رئيس جمهورية النيجر، الجزائرَ العاصمةَ اليوم الأحد على رأس وفد رفيع المستوى، في زيارة أخوة وعمل تمتد يومين، بدعوة شخصية من الرئيس عبد المجيد تبون.

وتأتي هذه الزيارة التي يُتوقع أن تُتوّج باتفاقيات ثنائية ومشاورات إقليمية موسّعة، لتُعلن رسمياً طيّ صفحة من التوترات الدبلوماسية بين البلدين الجارين امتدت قرابة عام كامل.

وكانت العلاقات بين الجزائر ونيامي قد شهدت تأزّماً حاداً منذ ربيع عام 2025، إثر قيام الجيش الجزائري بإسقاط طائرة مسيّرة تتبع للجيش المالي في الأجواء الجزائرية، فاتخذت النيجر موقفاً تضامنياً مع مالي في إطار تحالف دول الساحل، ما أفضى إلى سحب متبادل للسفراء بين العاصمتين. والآن وبعد أقل من عام على تلك الأزمة، تُقلب الصفحة دبلوماسياً في الجزائر.

● كيف وصلنا إلى هذا اليوم؟

لا تأتي هذه الزيارة من فراغ؛ فقد سبقتها خطوات تدريجية بدأت بزيارة وزير الدولة الجزائري وزير المحروقات والمناجم محمد عرقاب إلى نيامي في جانفي الماضي، حيث استُقبل من طرف الرئيس تياني نفسه.

حملت تلك الزيارة تحيات الرئيس تبون وأكدت على الرغبة الجزائرية في إعادة بناء الجسور. ثم جاء القرار التاريخي قبل ثلاثة أيام فحسب من هذه الزيارة، إذ أعلن البلدان في آنٍ واحد عودة سفيريهما إلى نيامي والجزائر على التوالي، وهو مؤشر دبلوماسي قاطع على أن الإرادة السياسية كانت قد نضجت لدى الطرفين.

وكان الرئيس تبون قد كشف علناً الأحد الماضي عن توجيهه دعوة رسمية إلى نظيره النيجري، معرباً عن أمله في أن تُسهم هذه الزيارة في تجاوز المرحلة السابقة ورسم أفق مشترك للتعاون.

● ملف الأمن: الجرح المفتوح في الساحل

يحتل الملف الأمني رأس قائمة المباحثات بلا منازع. وتعيش منطقة الساحل الإفريقي حالة اضطراب غير مسبوقة؛ فقبل أسبوعين فحسب، تعرّض مطار نيامي لهجوم مسلّح نسبه المسؤولون إلى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، ليكون تذكيراً صارخاً بهشاشة الوضع الأمني على الحدود الجنوبية للجزائر.

وللجزائر في هذا الملف مصلحة وجودية مباشرة؛ فحدودها الجنوبية الممتدة على آلاف الكيلومترات مع النيجر ومالي وليبيا تُشكّل بؤرة توتر دائمة في مواجهة تنقلات الجماعات المسلحة وشبكات تهريب الأسلحة والمخدرات.

وتؤكد الجزائر منذ سنوات أن أي حلٍّ أمني في الساحل لا يمكن أن يكون عسكرياً بحتاً، بل لا بد أن يقترن باستراتيجية للتنمية.

وإلى جانب الإرهاب، يتصدّر ملفُّ الهجرة غير الشرعية جدولَ الأعمال، إذ تُشكّل النيجر ممراً رئيسياً لموجات المهاجرين الوافدين من غرب إفريقيا نحو الشمال، وكثيراً ما يُفضي ذلك إلى توتر في العلاقات الحدودية بين البلدين يستدعي تنسيقاً مستمراً ودقيقاً.

● إعادة تموضع في خارطة الجيوسياسة الإقليمية

تمثّل هذه الزيارة أيضاً رسالةً جيوسياسية بالغة الأهمية. فالنيجر التي راجعت سياستها الخارجية جذرياً منذ وصول تياني إلى السلطة، ابتعدت عن شركائها الغربيين التقليديين وانضمت إلى تحالف دول الساحل مع مالي وبوركينافاسو.

أما اليوم، وإذ تعيد نيامي رسم توازناتها، فإن التقارب مع الجزائر يُعبّر عن رغبة في تقوية محور شمال إفريقيا-الساحل في مواجهة التأثيرات الخارجية المتزايدة على المنطقة.

من جهتها، تُعزّز الجزائر بهذه الزيارة صورتها التقليدية كـ”قوة تثبيت” في القارة ودولةٍ حوارية بين مختلف الأطراف.

وقد أكد الرئيس تبون هذا التوجه في تصريحات حديثة، مشدداً على ضرورة تبنّي مقاربة شاملة تعالج الترابط العضوي بين الأمن والتنمية في إفريقيا، ورافضاً ما وصفه بالتدخلات الخارجية غير المشروعة التي تُذكي الاضطراب الإقليمي.

● شراكة جنوب-جنوب: من الطاقة إلى التجارة

لا تقتصر الزيارة على البُعد الأمني والسياسي؛ فالملفات الاقتصادية تحتل حيزاً مهماً في أجندة المباحثات. وتتصدّر قائمة المشاريع المطروحة مسألةُ الطاقة وتنويع مصادرها، في حين تجتاز النيجر صعوبات في التموين تدفعها إلى البحث عن شراكات إقليمية بديلة.

وفي هذا الإطار يبرز مشروع خط الغاز الإفريقي العابر للصحراء الذي يربط نيجيريا بأوروبا عبر النيجر والجزائر، وهو مشروع بالغ الطموح يمكن أن يجعل الجزائر ممراً استراتيجياً للطاقة الإفريقية نحو القارة الأوروبية.

كما يُتوقع أن تشهد المباحثات نقاشاً حول الربط الكهربائي وتنشيط التجارة العابرة للحدود وتطوير البنى التحتية في المناطق الحدودية المشتركة، وهي مجالات يرى المسؤولون في البلدين أنها تُشكّل العمود الفقري لأي شراكة تنموية حقيقية.

● آفاق ما بعد الزيارة

يرى المراقبون أن نجاح هذه الزيارة في رسم إطار تفاهم استراتيجي بين الجزائر والنيجر قد يفتح الباب أمام توسيع النموذج ليشمل دولاً ساحلية أخرى.

فالجزائر التي تملك حدوداً برية مع سبع دول إفريقية مؤهّلة أكثر من غيرها للعب دور الملتقى الدبلوماسي في الصراعات الإقليمية.

غير أن المحك الحقيقي سيكون في ما يلي الخطاب الدبلوماسي: هل ستتحول الإعلانات الجيدة النية إلى مشاريع ملموسة وأطر تنفيذية قابلة للقياس؟ على هذا السؤال يتوقف الحكم التاريخي على هذه الزيارة وما يمكن أن تُولّده من زخم إقليمي.

زيارة تياني إلى الجزائر اليوم ليست مجرد حدث دبلوماسي عادي؛ إنها إعلان عن استئناف علاقات كانت مهدَّدة بالانهيار، وتأكيد على أن منطق الجوار والمصالح المشتركة يتغلب في نهاية المطاف على حدة التوترات الظرفية.

الآن تبقى مهمة تحويل الأجواء الإيجابية إلى نتائج ملموسة يلمسها الشعبان الجزائري والنيجري في حياتهما اليومية.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا