في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
فوق خط أفق بيروت المتعرج، يمارس إبراهيم عمار، هوايته الموروثة في "كش الحمام"، محاولاً استدراج طيور المنافسين من فوق الأسطح المجاورة، تماماً كما فعل أجداده منذ عقود. لكن اليوم، لم يعد الحمام وحده سيد هذه السماء، إذ يشاركه الفضاء خصم آلي لا يغيب.. الطائرات الإسرائيلية المسيرة (الدرونز).
وبحسب "نيويورك تايمز" أصبحت المسيرات الإسرائيلية العنصر الأكثر حضوراً وإلحاحاً في الحملة الجوية المستمرة ضد لبنان.
وبحسب رصد ميداني، بات طنينها الميكانيكي الرتيب "موسيقى تصويرية" تلازم اللبنانيين في تفاصيلهم الدقيقة من مكالماتهم الهاتفية وجلسات عائلاتهم، وصولاً إلى قاعات الدراسات وشواطئ الاستجمام.
ووصف السكان هذا الصوت بأنه طنين معدني يشبه "أزيز البعوض"، يحوم عند حافة السمع ويستحيل تجاهله، وهو ما يعزز الشعور بأن الحرب التي انتهت رسمياً قبل عام بموجب وقف إطلاق النار، لم تنتهِ فعلياً على أرض الواقع.
وتشير بيانات قوات حفظ السلام الدولية (اليونيفيل) إلى تسجيل أكثر من 7,500 خرق جوي — شملت مسيرات وطائرات حربية — خلال العام الذي تلا اتفاق الهدنة. ورغم أن المهام المعلنة لهذه الطائرات هي الاستطلاع، إلا أن مسؤولين أمنيين لبنانيين يؤكدون أن العديد منها مسلح وقادر على تنفيذ ضربات دقيقة.
من جانبه، يتجاهل الجيش الإسرائيلي طلبات التعليق حول أسباب استمرار التحليق المكثف فوق العاصمة، مكتفياً بالإشارة إلى استهداف قدرات "حزب الله" العسكرية التي يتهمه بإعادة بنائها خرقاً للاتفاقيات الدولية.
وفي الأوساط الشعبية اللبنانية، نالت هذه المسيرات لقباً شهيراً هو "أم كامل" (تلاعباً بالرمز التقني الإسرائيلي MK). وبينما تمثل هذه الطائرات أداة للرقابة والقتل، حولها اللبنانيون إلى مادة للسخرية السوداء عبر منصات التواصل الاجتماعي، في محاولة لتفريغ شحنات القلق الناجمة عن مراقبتها المستمرة للمنازل والخصوصيات.
ووسط هذا الضغط النفسي، ظهرت مبادرات فردية لتحويل "مصدر الإزعاج" إلى أداة للتعبير.
الموسيقي محمد شقير، سجل أكثر من 200 ساعة من أزيز المسيرة لتحويله إلى عينات صوتية موسيقية، واصفاً عمله بأنه "فعل تمرد صغير" للسيطرة على الصوت الذي يطارد المدينة.
وعلى المقلب الآخر، تحذر نورا ساحلي، الاختصاصية النفسية في إحدى عيادات بيروت، من الآثار العميقة على الأطفال. وتؤكد أن "أسطورة الصمود اللبناني" تواجه اختباراً صعباً، حيث يعيش السكان في حالة تأهب فيزيولوجي دائم، مشيرة إلى أن الأطفال باتوا يميزون أصوات الطائرات بدقة، مما يقطع تسلسل حياتهم الطبيعية وجلسات علاجهم النفسي.
وبينما يواصل إبراهيم عمار توجيه حمامه في سماء بيروت، تظل "أم كامل" تذكراً دائمياً بأن الهدوء الحالي ليس سوى "استراحة محارب" تحت عين الرقيب الآلي، في مدينة يرفض سكانها الاستسلام للخوف، لكنهم يعجزون عن تجاهل الأزيز.
المصدر:
العربيّة