الجزائر الآن _ أكد الدكتور هواري تيغرسي، المحاضر في الاقتصاد بجامعة الجزائر 3 والخبير الاقتصادي، لصحيفة “الجزائر الآن” الإلكترونية، أن الإشادة التي عبّرت عنها مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا جيورجيفا، بشأن الآفاق الواعدة للاقتصاد الجزائري، لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات العميقة التي يشهدها المسار الاقتصادي الوطني.
وفي قراءته الاستراتيجية لهذه الإشادة، شدد الدكتور تيغرسي على أنها ليست تقييماً تقنياً عابراً، بل تمثل شهادة ثقة دولية في متانة الأسس الكلية للاقتصاد الجزائري، وقدرته على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات النمو وضمانات الاستقرار، في ظرف دولي يتسم باضطرابات مالية وجيوسياسية متسارعة.
● الانتقال من اقتصاد الريع إلى اقتصاد
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي أن الجزائر دخلت فعلياً مرحلة انتقال حقيقية من اقتصاد ريعي تقليدي إلى اقتصاد متفتح يقوم على المبادرة والإنتاج، وهو ما تعكسه صلابة المؤشرات الاقتصادية الكلية، التي أظهرت قدرة ملحوظة على الصمود أمام الصدمات العالمية، سواء تلك المرتبطة بجائحة كوفيد-19 أو بالتوترات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق الدولية.
● كبح التضخم: مقاربة وطنية لحماية الاستقرار الاجتماعي
وفي محور محوري، أشار الدكتور تيغرسي إلى النجاح الذي حققته الجزائر في التحكم بمعدلات التضخم، حيث تراجع من مستويات قاربت 9% إلى حدود 4%.
واعتبر أن هذا الإنجاز يعكس فعالية التنسيق بين السياسات النقدية والمالية، إلى جانب تحسن نسبي في السياق الاقتصادي الدولي.
وأوضح أن هذا التراجع لا يمكن اعتباره ظرفياً، بل هو نتيجة مباشرة لقدرة الدولة على ضبط السيولة وتفعيل آليات الرقابة الاقتصادية، ما أسهم في تعزيز القوة الشرائية وخلق مناخ اقتصادي أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ.
● احتياطيات الصرف: سيادة مالية واستقلالية في القرار الاقتصادي
وسلّط الخبير الاقتصادي الضوء على الدور الاستراتيجي لاحتياطيات الصرف، التي تغطي أكثر من 14 شهراً من الواردات، معتبراً إياها درعاً واقياً يمنح الجزائر هامشاً واسعاً من الاستقلالية في رسم سياساتها التنموية.
وأضاف أن هذا الرصيد النقدي القوي، رغم التقلبات الدورية لعائدات المحروقات، يساهم في تقليص المخاطر السيادية، ويعزز صورة الجزائر كاقتصاد آمن ومستقر في نظر المؤسسات المالية الدولية والمستثمرين الأجانب.
● القطاعات خارج المحروقات: قاطرة التحول الهيكلي
وفي سياق متصل، أبرز الدكتور تيغرسي أن القطاع غير النفطي بات يشكل المحرك الأساسي للنمو، بعد أن سجل نسبة نمو معتبرة بلغت 4.2% خلال سنة 2024.
وأكد أن هذا التطور يعكس توجهاً هيكلياً عميقاً، تتزايد فيه مساهمة قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات في الناتج المحلي الإجمالي.
وأشار إلى أن هذا المسار يقلل تدريجياً من ارتهان المالية العمومية لتقلبات أسعار الطاقة، ويفتح المجال أمام نموذج نمو أكثر تنوعاً واستدامة، وإن كانت استدامته تظل مرتبطة بقدرة الاقتصاد الوطني على مواصلة الإصلاحات الهيكلية وتعزيز مناخ الاستثمار.
● الجزائر كحلقة وصل جيو-اقتصادية: استثمار الموقع في خدمة النمو
واعتبر الدكتور تيغرسي أن الجزائر تعزز اليوم موقعها كقنطرة جيو-اقتصادية استراتيجية تربط أفريقيا بأوروبا، مستفيدة من موقعها الجغرافي وشبكتها اللوجستية المتطورة، التي تشمل الطريق العابر للصحراء والموانئ الكبرى.
وأكد أن هذا التموضع يمنح الجزائر دوراً محورياً في سلاسل القيمة العالمية وإمدادات الطاقة، ويعزز جاذبيتها كشريك موثوق للاستثمارات الأجنبية المباشرة الباحثة عن الاستقرار والموقع الاستراتيجي.
● الشباب والمؤسسات الناشئة: رهان المستقبل وبوابة اقتصاد المعرفة
وفي ختام تحليله، شدد الخبير الاقتصادي على أن الدولة الجزائرية قد جعلت من دعم المؤسسات الناشئة وتمكين الشباب الجزائري محوراً مركزياً في استراتيجيتها الاقتصادية، باعتبارهم الوقود الحقيقي لاقتصاد المعرفة والابتكار.
ورغم التحديات المرتبطة بالتمويل وآليات المرافقة، يرى الدكتور تيغرسي أن الإشادة الدولية بالتوجه الجزائري نحو الرقمنة والاقتصاد الابتكاري تمثل اعترافاً صريحاً بجدوى هذه الخيارات في بناء اقتصاد عصري، تنافسي ومستدام، يعزز السيادة الاقتصادية ويكرّس مكانة الجزائر في محيط دولي سريع التحول.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة