● الجزائر تؤسس لدرعها السيبراني السيادي بمرسوم رئاسي لحماية الدولة من حروب الجيل الخامس
● الأمن السيبراني السيادي… حين تتحول الرقمنة إلى قضية أمن قومي
الجزائر الآن – يجمع مختصون في الشأن الاستراتيجي للأمن السيبراني على أن مفهوم الأمن السيبراني السيادي لم يعد مسألة تقنية محضة، بل أصبح أحد الأعمدة الجوهرية للأمن القومي والسيادة الوطنية في الدول الحديثة.
ويؤكد هؤلاء أن التحكم في الفضاء الرقمي بات مرادفًا للتحكم في القرار السيادي، وحماية البنية التحتية الرقمية، وضمان استمرارية مؤسسات الدولة في مواجهة تهديدات غير تقليدية تتجاوز منطق الحروب الكلاسيكية.
● السيادة الرقمية… من التبعية التكنولوجية إلى امتلاك القرار الوطني
ويرى الخبراء أن السيادة السيبرانية تعني امتلاك الدولة لقرارها الرقمي بشكل مستقل، عبر تطوير حلول وطنية في البرمجيات والتجهيزات، واعتماد أنظمة تشفير محلية، وإنشاء مراكز وطنية دائمة للرصد والاستجابة للهجمات السيبرانية.
وهو خيار استراتيجي يهدف إلى تقليص الاعتماد على المنصات الأجنبية، وحماية المعطيات السيادية، وضمان عدم اختراق مفاصل الدولة الحيوية.
● المرسوم الرئاسي 26-07… إعادة رسم عقيدة الأمن الرقمي للدولة الجزائرية
في هذا السياق، يبرز المرسوم الرئاسي رقم 26-07، الصادر في العدد الأخير من الجريدة الرسمية، كمنعطف مفصلي في إدارة الجزائر لملف الأمن السيبراني.
ويؤكد مختصون أن هذا النص القانوني لا يمثل إجراءً إداريًا ظرفيًا، بل يؤسس لرؤية استراتيجية شاملة يقودها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، ترمي إلى بناء عقيدة أمنية رقمية قادرة على مواجهة رهانات الحروب السيبرانية وحروب الجيل الخامس.
● تبون واستشراف مخاطر المستقبل الرقمي
ويعتبر الخبراء أن هذا المرسوم يندرج ضمن مقاربة استباقية للرئيس تبون، تقوم على الانتقال من ردّ الفعل إلى الجاهزية الدائمة، ومن معالجة الاختراقات بعد وقوعها إلى منعها قبل حدوثها.
وتقوم هذه الرؤية على حماية البنى التحتية الحساسة، لاسيما في قطاعات الطاقة، النقل، الاتصالات، والمالية، باعتبارها أعصاب الدولة الحديثة.
● الفضاء السيبراني… ساحة صراع سيادي غير مرئية
وفي قراءة استراتيجية أعمق، يرى المختصون أن العالم لم يعد يحتاج إلى جيوش لاجتياز الحدود، بل يكفي اختراق خادم بيانات لإرباك مؤسسات دولة بأكملها.
وهو ما يفسر – حسبهم – التحذيرات المتكررة الصادرة عن وزارة الدفاع الوطني بشأن محاولات اختراق ذات طابع استخباراتي وتخريبي، تستهدف زعزعة الاستقرار وخلق انسداد وظيفي داخل مؤسسات الدولة.
● رسالة سياسية من أعلى هرم الدولة الجزائرية
ويؤكد مراقبون أن الحضور الشخصي لرئيس الجمهورية، إلى جانب رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي الفريق أول سعيد شنقريحة، أشغال الملتقى الوطني حول الإستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني، يحمل دلالات سياسية واضحة.
فهو يعكس انتقال الملف من خانة التقنية إلى مستوى القرار السيادي، ورسالة مفادها أن أمن الفضاء الرقمي جزء لا يتجزأ من أمن الدولة.
● من الأمن الكلاسيكي إلى الأمن الرقمي الشامل
وشدد الرئيس تبون، في أكثر من مناسبة، على أن مفهوم الأمن الوطني لم يعد محصورًا في الأرض والحدود، بل امتد ليشمل الفضاء السيبراني كجبهة صراع استراتيجية.
ويؤكد المختصون أن تحديد التهديدات الرقمية، وتفعيل أنظمة الرصد والإنذار المبكر، وضمان الجاهزية في حالات الخطر، باتت شروطًا أساسية لاستمرارية المرفق العمومي.
● تبون : الرقمنة… خيار سيادي لا رجعة فيه
ويرى الخبراء أن رؤية الرئيس تبون للرقمنة تقوم على بعد سيادي عميق، يجعل من العنصر البشري حجر الزاوية في أي منظومة رقمية ناجحة.
فالرقمنة – وفق هذا المنظور – ليست مجرد تحديث تقني، بل أداة لترشيد الحوكمة، وتحسين الأداء المؤسساتي، وتعبئة الكفاءات الوطنية.
● يقظة دائمة وتكامل مدني–عسكري
وفي هذا الإطار، يؤكد الفريق أول سعيد شنقريحة أن الجزائر تدرك التحولات الجذرية التي يشهدها ميدان الأمن السيبراني، وأن حماية الأنظمة الحساسة والبنى التحتية الاستراتيجية باتت ضرورة حتمية.
ويرى المختصون أن الرؤية الدفاعية تقوم على تكامل الجهدين المدني والعسكري، وتنسيق القدرات التقنية، لضمان بناء منظومة دفاع سيبراني فعالة ومستدامة.
● «من أجل جزائر صامدة سيبرانيًا»… عقيدة أمنية جديدة
ويعتبر محللون أن شعار مؤتمر وزارة الدفاع الوطني حول الوقاية من الحروب السيبرانية لم يكن مجرد عنوان إعلامي، بل تجسيدًا لتحول عميق في العقيدة الأمنية الوطنية، التي باتت تعتبر الفضاء الرقمي أحد خطوط الدفاع الأولى عن السيادة.
● المرسوم 26-07… إعلان السيادة الوطنية في الفضاء الرقمي
من منظور قانوني، يرى مختصون أن المرسوم الرئاسي 26-07 أسس لهياكل متخصصة لأمن الأنظمة المعلوماتية داخل جميع المؤسسات العمومية، وربطها مباشرة بالمسؤول الأول في المؤسسة، بما يكرس استقلاليتها الوظيفية ويمنع تضارب المصالح.
● ترسانة قانونية جزائرية لمواجهة الجرائم السيبرانية
ويشير المختصون في الشأن القانوني إلى أن المشرّع الجزائري سبق أن عزز الإطار التشريعي عبر القانون 09-04 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال، والقانون 18-07 الخاص بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.
ليأتي المرسوم الجديد كحلقة متقدمة تعزز الرقابة، وتكرس الصرامة القانونية في حماية السيادة الرقمية.
● من ردّ الفعل إلى الاستباق السيبراني
ويؤكد القانونيون أن المرسوم كرس منطق الوقاية والجاهزية، عبر مهام تشمل تحليل المخاطر، إعداد خرائط الضعف، التدقيق الأمني الدوري، ومراقبة الامتثال للمعايير الوطنية والدولية، بما يعزز مفهوم الصمود السيبراني.
● حماية المعطيات الشخصية… الأمن في خدمة المواطن
ألزم المرسوم التنسيق مع السلطة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، في خطوة تعكس تحولًا نوعيًا في فلسفة الدولة، حيث أصبحت بيانات المواطن جزءًا من الأمن القومي وحقًا سياديًا يجب صونه.
● العنصر البشري… نواة الجيش الرقمي الإداري
ويجمع المختصون على أن الاستثمار في التكوين والتحسيس وبناء الكفاءات المتخصصة يشكل الأساس الحقيقي لأي منظومة دفاع سيبراني، بما يجعل من كل موظف فاعلًا في حماية الفضاء الرقمي الوطني.
● عملية توظيف 60 مراقبا و60 مدققا لتعزيز مهام الرقابة وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.
وفي سياق مساعي الحكومة الجزائرية لمسايرة تحديات المستقبل السيبراني ،فقد أعلنت مؤخرا السلطة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي عن شروعها في عملية توظيف ستين (60) مراقبا وستين (60) مدققا.
وذلك في إطار تنفيذ أحكام المرسوم الرئاسي رقم 23-147 المؤرخ في 05 أفريل 2023 المتضمن القانون الأساسي لمستخدمي السلطة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.
ويأتي هذا الإجراء تجسيدا لجهود الدولة الرامية إلى تعزيز منظومة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، وترسيخ مبادئ الشرعية والشفافية في معالجتها.
وكذا تدعيم القدرات البشرية للسلطة الوطنية بما يمكنها من الإضطلاع بمهامها الرقابية والتنظيمية على أكمل وجه.
وسيتولى المستخدمون الجدد مهام الرقابة والتدقيق على مستوى المؤسسات العموميةوالخاصة، وكذا لدى الأشخاص الطبيعيين الذين يقومون بمعالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي.
وذلك بهدف التأكد من مدى إحترام التشريع والتنظيم المعمول بهما في هذا المجال، وضمان حماية حقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية.
وتندرج هذه العملية في سياق الديناميكية التي تعرفها السلطة الوطنية الرامية إلى مواكبة التطور المتسارع في مجال الرقمنة وتعزيز ثقافة الإمتثال لقواعد حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي بما يساهم في إرساء الثقة بين مختلف الفاعلين والمتعاملين.
● الأمن السيبراني… رافعة للأمن القومي والاستقرار الاقتصادي
يتجاوز المرسوم الرئاسي الجديد رقم 26 07 بعده الإداري ليخدم أهدافًا استراتيجية أوسع، من بينها تحصين القرار السيادي، ضمان استمرارية المرافق العمومية، وتعزيز جاذبية الاستثمار عبر بيئة رقمية آمنة وموثوقة.
● إرادة سياسية لا تقبل التأجيل
ويعتبر المختصون أن فرض التنفيذ الفوري للمرسوم يعكس إرادة سياسية حازمة يقودها الرئيس عبد المجيد تبون للانتقال من منطق النصوص إلى منطق الفعل، وترسيخ الأمن السيبراني كخيار سيادي لا رجعة فيه.
● فضيحة المخزن المغربي واستهدافه المستمر للجزائر عبر برنامج بيغاسوس
عادت فضيحة التجسس التي تورط فيها النظام المخزني المغربي باستعمال برنامج التجسس الصهيوني “بيغاسوس” من جديد إلى الواجهة، في أعقاب صدور تقرير جديد للجنة تابعة للبرلمان الأوروبي يقر بضلوع المخزن في حالات تجسس راح ضحيتها شخصيات إعلامية و سياسية مغربية و أجنبية ولاسيما خاصة الجزائر.
و في جويلية 2021، كشف تحقيق عالمي قامت به وسائل إعلام دولية عن استخدام المخابرات المغربية لبرنامج التجسس “بيغاسوس” الذي طورته شركة /أن أس أو – NSO Group / الصهيونية، ومن بين ضحايا هذا البرنامج الجزائر ، و بشكل عام فقد تم استهداف حوالي مئة ألف شخصية سياسية وإعلامية بهذا البرنامج.
و في نوفمبر 2021، وضعت الولايات المتحدة المجموعة الصهيونية “أن أس أو” على اللائحة السوداء “للانخراط في أنشطة تتعارض مع الأمن القومي أو مصالح السياسة الخارجية”، لكن هذا لم يمنعها من التورط في فضيحة تجسس جديدة بعدما فجر مخبر كندي متخصص استخدام برنامج جديد مشابه لـ”بيغاسوس” أعدته و اقترحته على المغرب.
● الجزائر في قلب تحديات ورهانات الحروب السيبرانية
تدخل الجزائر، وفق قراءة الخبراء، مرحلة جديدة من المواجهة في الفضاء السيبراني، حيث لم يعد الأمن الرقمي مجرد ملف تقني، بل معركة سيادة، قرار سياسي، وأمن قومي في عالم أصبحت فيه البيانات سلاحًا استراتيجيًا من أسلحة القرن الحادي والعشرين.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة