● من يوغرطة إلى ملاعب كأس إفريقيا 2025: خيط الخيانة المغربية للجزائر الذي لم ينقطع
الجزائرالٱن _ عندما تُقرأ العلاقات الجزائرية-المغربية عبر منظور تاريخي ممتد، يتضح أن ما يحدث اليوم ليس وليد اللحظة، بل امتداد لنمط سلوكي متكرر عبر القرون.
من تسليم يوغرطة للرومان في القرن الأول قبل الميلاد، مرورًا بخيانة الأمير عبد القادر، وصولاً إلى ما شهدته بطولة كأس إفريقيا 2025 من ممارسات مثيرة للجدل، يبدو أن الخيانة تحولت إلى منهج لا إلى حادث عابر .
● جذور الغدر: من نوميديا إلى الاستعمار
البداية كانت في القرن الأول قبل الميلاد، حين سلّم بوخوس ملك موريتانيا الطنجية يوغرطة، ملك نوميديا، إلى الرومان، في واقعة تؤسس رمزيًا لأقدم خيانة موثقة استهدفت كيانًا جزائريًا تاريخيًا.
هذا المنطق، القائم على التحالف مع الأجنبي ضد الجار، سيتكرر عبر العصور بأشكال مختلفة لكن بجوهر واحد .
خلال القرن السادس عشر، شهدت المنطقة سلسلة من الخيانات الموثقة. غدر السلطان السعدي أبو عبد الله الغالب بحسان بن خير الدين في معركة مزغران ضد الإسبان عام 1558.
كما خذل الموريسكيين قبيل ثورة البشرات في الأندلس سنة 1567، رغم وعوده لهم بالمساعدة، بسبب علاقاته مع الملك الإسباني فيليب الثاني .
وصلت الجيوش المغربية في مرات عديدة إلى مسافات تتجاوز 500 كيلومتر داخل الأراضي الجزائرية، مستعينة بالبرتغاليين والإسبان.
السلطان المنصور طلب من البرتغاليين 12 ألف مقاتل مقابل تنازلات لاحتلال الأراضي الجزائرية .
● معاهدة للامغنية: بيع الأرض بدم الثوار
بعد هزيمة الجيوش المغربية في معركة إيسلي وقصف طنجة وتطوان من قبل فرنسا عام 1844، جاءت معاهدة للامغنية 1845 لتكرس أبشع صور الخيانة.
منحت المعاهدة المستعمر الفرنسي أراضي شرق واد ملوية الجزائرية لسلطان مراكش مقابل ملاحقة الأمير عبد القادر وتضييق الخناق عليه .
وقد وثّقت خيانة الأمير عبد القادر مصادر متعددة، أبرزها رسالة الأمير نفسه إلى علماء مصر يشكو فيها غدر السلطان المغربي عبد الرحمان بن هشام.
كما نشرت صحيفة نيويورك تايمز في فيفري 1873 مقالاً أكدت فيه أن هزيمة الأمير لا تعود لتفوق الجيوش الفرنسية، بل للخيانة التي تعرض لها من السلطان المغربي .
الماريشال الفرنسي سانت أرنو وثّق هذه الخيانة في رسالة مؤرخة في 17 جانفي 1846، كتب فيها: “قرر أخيراً المغرب التحرك لصالحنا ضد الأمير عبد القادر “.
● قرصنة الطائرات: الغدر في لحظة المصير
بلغ هذا السلوك ذروته خلال ثورة التحرير الجزائرية عام 1956، حين تعرض القادة الخمسة (أحمد بن بلة، حسين آيت أحمد، محمد بوضياف، مصطفى لشرف، ومحمد خيضر) لعملية قرصنة جوية غير مسبوقة.
شهد الرئيس أحمد بن بلة لاحقاً أن ولي العهد المغربي حينها، الحسن الثاني، هو من أبلغ الفرنسيين بتحركات الزعماء، ليتم اعتقالهم ونقلهم إلى السجون الفرنسية .
● من حرب الرمال إلى التطبيع مع الاحتلال
لم يتوقف العداء مع الاستقلال. في 8 أكتوبر 1963، وبعد أشهر من استقلال الجزائر، اندلعت حرب الرمال حيث قدمت الجزائر 800 شهيد في أول حرب للحفاظ على وحدتها الترابية.
كشفت دراسة عبرية لاحقًا أن الكيان الصهيوني أرسل للمغرب طائرات حربية ودبابات لمواجهة القوات الجزائرية .
في عام 1978، كان الحسن الثاني أحد مهندسي اتفاقية كامب ديفيد، وفي نفس العام، وبينما كان الرئيس هواري بومدين على فراش الموت، أرسل المخزن طائرات محملة بالأسلحة ألقت حمولتها قرب بجاية في محاولة لإثارة فتنة داخلية .
● الدكتور لعروسي: “المخزن نظام استعماري احتلالي “
يؤكد الدكتور رابح لعروسي في تصريح للصحيفة الإلكترونية “الجزائر الآن” أنّ “النظام المخزني هو نظام استعماري احتلالي، بدليل أنه يرى في الصحراء الغربية إقليماً تابعاً له بحكم الثروات والخيرات الموجودة فيه “.
ويضيف: “نظام المخزن في ظل الأزمات الاقتصادية التي يعيشها وتدني الوضع الاجتماعي، يبحث عن تمديد وتوطين قدميه في الصحراء الغربية حتى تكون له قوة اقتصادية.
المشروع الاستيطاني والاستعماري الاحتلالي لا يختلف تماماً مع الاستعمار التقليدي الذي كان في إفريقيا “.
ويوضح لعروسي أن المغرب “يرى أن الجزائر بوقوفها مع الشرعية الدولية للأشقاء الصحراويين هي عدوته، ويعتبر الجزائر كطرف، في حين أن الجزائر ليست طرفاً في النزاع، بل الجزائر هي طرف مع الشرعية الدولية “.
● حرب المخدرات: سلاح صامت
يلفت الدكتور لعروسي إلى قضية خطيرة، قائلاً: “المغرب يُغرق الجزائر بتهريب المخدرات، واليوم الجزائر لم تصبح منطقة عبور وإنما أصبحت منطقة إغراق بالمخدرات لإغراق الشباب الجزائري “.
وأضاف: “الحصيلة الأخيرة التي جاءت في بيان وزارة الدفاع الوطني لسنة 2025 ومطلع 2026 تؤكد أن نشاط المخدرات والمؤثرات العقلية وأطنان من الكيف المعالج منبعها هو المملكة المغربية بوجود تواطؤات وتهريب تريد ضرب استقرار الجزائر “.
● من السياسة إلى الملاعب: كأس إفريقيا 2025
انتقل هذا السلوك مؤخرًا إلى الفضاء الرياضي، حيث تحولت كرة القدم إلى أداة تصفية حسابات. فبرعاية المخزن وبيدقه داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم.
أعلن هذا الأخير فتح تحقيق في أحداث مباراة الجزائر ونيجيريا في ربع النهائي، بعد تداول لقطات تظهر احتجاج اللاعبين على قرارات الحكم السنغالي عيسى سي .
لم يحتسب الحكم لمسة يد واضحة على لاعب نيجيريا داخل منطقة الجزاء، ورفض مصافحة لاعب الجزائر رضوان بركان بعد المباراة.
كما اعتُقل مشجعون جزائريون، من بينهم رؤوف بلقاسمي الذي أودع سجن العرجات، ومشجع آخر يحمل الجنسية البريطانية أودع السجن المحلي بمراكش .
يعلق الدكتور لعروسي على هذه الأحداث قائلاً: “كان 2025 يعكس العمل على البلطجة وشراء الذمم. رأينا مسألة التحكيم وغيرها من السلوكيات التي أصبحت تطبع للأسف اللعب في إفريقيا تحت راية الكاف.
نظام المخزن بتواطئه مع الكيان الصهيوني يقدم الرشاوى على المستوى الدولي والإقليمي من أجل تبييض صورته “.
● التطبيع: تعميق الفجوة
يشير لعروسي إلى أن “المغرب منذ تطبيعه في 2019 و2020 مع الكيان الصهيوني زاد من الفجوة الموجودة. التطبيع لم يبق سياسياً فقط وإنما امتد إلى التطبيع الأمني والثقافي والاقتصادي، مما يعكس أن تعاون نظام المخزن مع الكيان كان موجوداً تحت الطاولة، لكن خروجه للعلن زاد وعمق اللا استقرار في المنطقة “.
ويضيف: “نظام المخزن يستعمل نفس السلوكيات التي يستعملها الكيان الصهيوني مع الشعب الفلسطيني، كأنه يدرس ويطبق الوصفة التي يمارسها ويمتهنها الكيان الصهيوني “.
● الجزائر: حزم وثبات
رغم كل هذه الممارسات، يؤكد الدكتور لعروسي أن “الجزائر حازمة في مواقفها، حازمة في قراراتها وحازمة في وقوفها مع الشرعية الدولية.
القرار الأممي الأخير الذي يتحدث عن تمديد بعثة المينورسو وحق الشعب الصحراوي في الذهاب إلى مفاوضات خير دليل على أن القضية الصحراوية لا تزال في الواجهة “.
ويختم: “الجزائر لا تبيع ولا تشتري مع أي أحد، الجزائر دائماً تقف مع القانون الدولي. مهما كان، منسوب الوعي لدى الشعوب مستمر، والمظاهرات والمكاسب التي تتحقق يوماً بعد يوم للشعب الصحراوي خير دليل على أن هذا الملف باقٍ حياً “.
● تاريخ الخيانة لا يتوقف
من يوغرطة إلى الأمير عبد القادر، ومن قرصنة الطائرات إلى حرب الرمال، ومن التجسس بـ”بيغاسوس” إلى العبث بنتائج البطولات وسجن المشجعين، يتضح أن الخيانة لم تكن حادثة معزولة، بل مساراً ممتداً بأدوات متغيرة عبر أكثر من ألفي عام .
الجزائر واجهت ذلك دائماً بالثبات والحكمة، فيما بقي التاريخ شاهداً على أن بعض الجيران لم يتقنوا يوماً لغة الشراكة، واختاروا بدلها طريق المناورة والغدر والاستقواء بالأجنبي، من الرومان إلى الكيان الصهيوني، حتى داخل الملاعب الرياضية.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة