آخر الأخبار

نيكولاس مادورو .. سائق الحافلة الذي أصبح العدو الأكبر لأمريكا

شارك
بواسطة محمد،قادري
صحفي جزائري مختص في الشأن السياسي الوطني و الدولي .
مصدر الصورة
الكاتب: محمد،قادري

نيكولاس مادورو .. سائق الحافلة الذي أصبح العدو الأكبر لأمريكا

الجزائرالٱن _ في صباح السبت 3 جانفي 2026، انتهت واحدة من أكثر القصص السياسية إثارة للجدل في أمريكا اللاتينية بطريقة درامية: اعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما خارج البلاد في عملية عسكرية أمريكية.

لكن من هو هذا الرجل الذي بدأ حياته سائق حافلة وانتهى به المطاف ليصبح “العدو الأكبر لأمريكا” بمكافأة 50 مليون دولار على رأسه؟

البدايات المتواضعة: من حي شعبي إلى الساحة السياسية

وُلد نيكولاس مادورو موروس في 23 نوفمبر 1962 في حي “إل فايي”، أحد أحياء كاراكاس الشعبية، لعائلة من الطبقة العاملة ذات ميول يسارية. كان والده ناشطاً نقابياً، بينما كانت والدته معلمة من أصول كولومبية من مدينة كوكوتا.

نشأ مادورو بين ثلاث شقيقات في بيئة يسارية متواضعة، حيث كانت النقاشات السياسية حاضرة دائماً، لكن بدون أي قدر من الرفاه أو الترف.

لم يكمل مادورو تعليمه الجامعي، بل توقف عند الشهادة الثانوية. وفي مطلع التسعينيات، بدأ العمل كسائق حافلة في شبكة “مترو كاراكاس”، وهي الوظيفة التي شكلت نقطة التحول في حياته.

هناك انخرط في العمل النقابي غير الرسمي – وكان العمل النقابي محظوراً في ذلك الوقت – وأصبح ناشطاً بارزاً في اتحاد سائقي الحافلات، مدافعاً عن حقوق العمال ضد الظلم والاستغلال.

اللقاء مع تشافيز: تحالف غيّر مسار فنزويلا

عام 1992، حدث اللقاء المصيري الذي غيّر حياة مادورو إلى الأبد. حين قاد الضابط العسكري هوغو تشافيز محاولة انقلابية فاشلة ضد الرئيس كارلوس أندريس بيريز، وقع القدر مادورو في أسر فكرة تشافيز الثورية.

أصبح من أبرز المطالبين بإطلاق سراح تشافيز، وبعد خروج الأخير من السجن عام 1994، ساهم مادورو في تأسيس “حركة الجمهورية الخامسة” التي قادت تشافيز إلى الرئاسة عام 1998.

وفي تلك الفترة، تعرّف مادورو على سيليا أديلا فلوريس، المحامية الشرسة التي كانت تقود فريق الدفاع عن تشافيز.

كانت فلوريس، المولودة في 15 أكتوبر 1956، قد اكتسبت شهرة واسعة عام 1992 بدورها في الدفاع عن تشافيز وتأمين إطلاق سراحه.

نشأت بين الاثنين علاقة رومانسية عميقة في التسعينيات، قبل أن يتزوجا رسمياً في جويلية 2013، بعد أشهر قليلة من تولي مادورو الرئاسة.

سيليا فلوريس ليست مجرد زوجة، بل هي شريكة سياسية حقيقية. أصبحت أول امرأة تُنتخب رئيسة للجمعية الوطنية الفنزويلية، حيث خلفت زوجها في هذا المنصب بين 2006 و2011.

وشغلت منصب وزيرة العدل عام 2012، قبل أن تعود نائبة في البرلمان منذ 2015. يصفها مادورو بـ”المناضلة الأولى للأمة”، وهي من الشخصيات النافذة في النظام، لها برنامج تلفزيوني خاص بعنوان “وقت للعائلة مع سيليا” تلتقي فيه مستفيدين من برامج المساعدات الحكومية.

الصعود السياسي: من النقابة إلى قصر ميرافلوريس

بدأ الصعود السياسي لمادورو بشكل تدريجي ولكن ثابت:

1999: شارك في الجمعية التأسيسية التي صاغت دستوراً جديداً عزز صلاحيات الرئاسة، مهيئاً الأرضية لصعود تشافيز.

2000: انتُخب نائباً في الجمعية الوطنية ممثلاً عن منطقة العاصمة.

2005/2006: أصبح رئيساً للجمعية الوطنية، ليخلفه لاحقاً في هذا المنصب شريكة حياته سيليا فلوريس.

2006/2013: عُين وزيراً للخارجية، وهو المنصب الذي شكّل علاقاته الدولية وعزّز موقعه داخل الحزب الاشتراكي الموحد. في هذه الفترة، كان صوتاً بارزاً في دعم التحالف البوليفاري للقوى في أمريكا اللاتينية (ALBA)، الذي يهدف لتقليل النفوذ الأمريكي في المنطقة.

أكتوبر 2012: عينه تشافيز نائباً للرئيس، في خطوة كانت إيذاناً باختياره وريثاً سياسياً.

ديسمبر 2012: في خطاب متلفز مؤثر، أعلن تشافيز أن السرطان قد عاوده، وطلب من الشعب الفنزويلي انتخاب مادورو خليفة له إذا لم يستطع الاستمرار. كانت هذه أول مرة يسمي فيها تشافيز خليفته علناً، معلناً ضمنياً أن احتمال وفاته بات قريباً.

تولي السلطة: وريث الثورة البوليفارية

في 5 مارس 2013، توفي هوغو تشافيز متأثراً بمضاعفات السرطان، ليتولى مادورو الرئاسة بشكل مؤقت. وفي أفريل 2013، خاض انتخابات رئاسية فاز فيها بفارق ضئيل (50.62% من الأصوات) على منافسه إنريكي كابريليس، الذي طالب بإعادة فرز الأصوات وسط اتهامات بالتزوير.

وعد مادورو قبل الانتخابات بأنه إذا فاز سيتزوج من شريكته سيليا فلوريس، وهو ما حقّقه في جوان 2013. كان لمادورو من زواج سابق من أدريانا غويرا أنغولو ابن واحد هو نيكولاس مادورو غويرا (الملقب بـ”نيكولاسيتو”)، الذي تقلد عدة مناصب حكومية رفيعة، بينها عضو في الجمعية الوطنية ورئيس هيئة المفتشين الخاصة بالرئاسة.

حقبة الأزمات: اقتصاد منهار ونزوح جماعي

منذ توليه السلطة، واجه مادورو أزمات متلاحقة حوّلت فنزويلا إلى واحدة من أسوأ الكوارث الاقتصادية والإنسانية في أمريكا اللاتينية:

ـ تضخم جامح: وصلت معدلات التضخم إلى مستويات فلكية، محطمة قيمة العملة الوطنية وقدرتها الشرائية.

ـ نقص حاد: اختفت المواد الأساسية والأدوية من الأسواق، ما أدى إلى أزمة معيشية خانقة.

ـ هجرة جماعية: فرّ ملايين الفنزويليين (تقدر الأمم المتحدة بأكثر من 7 ملايين) إلى دول مجاورة وأمريكا الشمالية هرباً من الجوع والفقر.

ـ قمع المعارضة: واجهت الاحتجاجات الضخمة عام 2014 و2017 قمعاً عنيفاً، مع اعتقالات واسعة وتقارير عن إعدامات خارج نطاق القانون.

عام 2015، فازت المعارضة بأغلبية مقاعد الجمعية الوطنية، لكن مادورو تحرّك بسرعة. طلب من المحكمة العليا إعلان بطلان أي إجراء صادر عن البرلمان، وفي 2017 جرّدت المحكمة الجمعية من صلاحياتها، ما تسبب في أزمة دستورية وموجة جديدة من الاحتجاجات العنيفة.

الانتخابات المثيرة للجدل: شرعية متنازع عليها

خاض مادورو ثلاث انتخابات رئاسية، كلها شابتها اتهامات بالتزوير والتلاعب:

2018: فاز بـ68% من الأصوات في انتخابات قاطعتها المعارضة ورفضت نتائجها معظم الدول الغربية.

2024: أعلن المجلس الوطني الانتخابي فوزه بولاية ثالثة بنسبة 51.2%، لكن المعارضة أصرت على أن مرشحها إدموندو غونزاليس فاز بـ70% من الأصوات. زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو رفضت الاعتراف بالنتائج، معلنة: “لفنزويلا رئيس جديد منتخب هو إدموندو غونزاليس أوروتيا”.

عام 2019، أعلن زعيم المعارضة خوان غوايدو نفسه رئيساً مؤقتاً بدعم من أكثر من 50 دولة بينها الولايات المتحدة، لكن مادورو احتفظ بالسيطرة على المؤسسات الرسمية والجيش، واستمر في الحكم.

“كارتل الشمس”: الاتهام الذي غيّر كل شيء

الاتهام الأخطر الذي واجهه مادورو جاء من واشنطن: قيادة “كارتل دي لوس سوليس” (كارتل الشمس) لتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة. المصطلح ظهر مطلع التسعينيات للإشارة إلى شبكة فساد يشارك فيها ضباط في الحرس الوطني والجيش الفنزويليين، وجاءت التسمية من شارة الشمس في زيّ الجنرالات.

في 2020، وجهت وزارة العدل الأمريكية اتهامات رسمية بـ”الإرهاب المرتبط بالمخدرات” إلى مادورو وعدد من كبار مسؤولي حكومته، متهمة إياهم بالتعاون مع حركة “القوات المسلحة الثورية الكولومبية” (فارك) لتهريب الكوكايين إلى الولايات المتحدة.

رفعت واشنطن المكافأة المقدمة لمن يساعد في اعتقاله تدريجياً، حتى وصلت إلى 50 مليون دولار في أوت 2025 – وهي أكبر مكافأة تُرصد على رأس رئيس دولة في التاريخ الحديث. فرضت عقوبات اقتصادية شاملة على شركات النفط الفنزويلية، وعلى المقربين من مادورو بمن فيهم زوجته سيليا فلوريس.

التحالفات الدولية: محور المقاومة

في مواجهة الضغوط الغربية، عزز مادورو علاقات فنزويلا مع روسيا والصين وإيران وكوبا، مستنداً إلى تحالفات متعددة لتخفيف العزلة الدولية. هذه الدول أدانت بشدة العملية الأمريكية التي أدت لاعتقاله، لكن دعمها ظل محدوداً بالإدانات الدبلوماسية دون تدخل عسكري فعلي.

شخصية مثيرة للانقسام

يُنظر إلى مادورو بطرق متناقضة تماماً:

ـ عند أنصاره: استمرارية لمشروع تشافيز البوليفاري، مدافع عن السيادة الوطنية أمام الهيمنة الأمريكية، آخر جدار صامد للثورة التي أرادت رفع الفقراء.

ـ عند معارضيه: دكتاتور استبدادي فشل في إدارة البلاد، مسؤول عن أسوأ أزمة اقتصادية وإنسانية في تاريخ فنزويلا الحديث، يزوّر الانتخابات ويقمع الحريات.

ـ عند واشنطن: رئيس عصابة مخدرات، ديكتاتور مارق، تهديد للأمن القومي الأمريكي يجب اقتلاعه.

النهاية الدرامية: سقوط القلعة الأخيرة

في فجر 3 جانفي 2026، بعد أشهر من الضغط العسكري والاقتصادي المتصاعد، نفذت القوات الأمريكية الخاصة (دلتا فورس) عملية “واسعة النطاق” استهدفت كاراكاس. استغرقت الضربات أقل من 30 دقيقة، وانتهت باعتقال مادورو وزوجته سيليا فلوريس ونقلهما خارج البلاد.

أعلن ترامب بفخر عن “العملية الباهرة”، مؤكداً أن مادورو سيمثل أمام العدالة الأمريكية. وبينما دعا وزير الدفاع الفنزويلي إلى “نشر هائل” للقوات العسكرية، كان الأوان قد فات. السرعة المذهلة للعملية تشير إلى معلومات استخباراتية دقيقة وتعاون داخلي، ما يعزز فرضية الخيانة من محيط الرئيس.

الإرث المعقّد: من سائق الحافلة إلى التاريخ

قصة نيكولاس مادورو تلخص تناقضات عصرنا: رجل عادي من أحياء كاراكاس الفقيرة، وصل إلى قمة السلطة بالإخلاص والنضال، ثم فقد كل شيء وسط أزمات اقتصادية وسياسية ودولية لم يستطع السيطرة عليها.

للبعض، هو بطل قاوم الإمبراطورية الأمريكية حتى النهاية. للآخرين، هو ديكتاتور فشل جعل شعبه يعاني. للتاريخ، هو مثال على كيف يمكن أن تتحول الإيديولوجيا الثورية إلى كابوس، وكيف يمكن لدولة غنية بالنفط أن تنهار تحت وطأة سوء الإدارة والعقوبات الخارجية.

اليوم، بعد 13 عاماً في السلطة، ينتظر مادورو مصيره في قفص الاتهام الأمريكي. السؤال الذي يبقى: هل كان حقاً “العدو الأكبر لأمريكا”، أم مجرد آخر ضحايا لعبة الأمم الكبرى؟

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا