● تكريم صنصال في باريس: حين تتحول مهاجمة الجزائر والتشكيك في تاريخها إلى جواز مرور للنخب الفرنسية
الجزائرالٱن _ في الأول من جانفي 2026، نشرت الجريدة الرسمية الفرنسية مرسوماً يتضمن دفعة جديدة من حاملي وسام جوقة الشرف، أرفع الأوسمة الوطنية الفرنسية الذي أسسه نابليون بونابرت عام 1802.
ضمت القائمة 616 شخصية من مختلف المجالات، لكن اسماً واحداً كان متوقعاً بقوة: الكاتب الفرانكو جزائري بوعلام صنصال، البالغ من العمر 81 عاماً.
وسام جوقة الشرف ليس تكريماً عادياً، إنه أعلى تقدير رسمي يمكن أن تمنحه الجمهورية الفرنسية لشخص، ويُمنح لمن يُعتبرون “منخرطين في خدمة المصلحة العامة” ويجسدون “تصوراً معيناً للاستحقاق والقدوة”، حسب تعبير المستشارية الكبرى للوسام.
يتدرج الوسام في خمس رتب: فارس، ضابط، قائد، ضابط كبير، والصليب الأكبر. وقد مُنح صنصال رتبة فارس ضمن هذه الدفعة التي ضمت أيضاً شخصيات بارزة مثل الرسام البريطاني ديفيد هوكني والمغنية نولوين لوروا.
لكن ما يثير الانتباه ليس التكريم في حد ذاته، بل توقيته وسياقه. فمنذ اللحظة التي خرج فيها صنصال من سجن القليعة في نوفمبر 2025، بعد قضاء قرابة عام في الاعتقال بتهمة “المساس بوحدة الوطن” بسبب تصريحات أثارت جدلاً واسعاً حول الحدود الجزائرية، كان الجميع يراهن على أن سيلاً من الجوائز والتكريمات سيتدفق عليه. وبالفعل، لم تخيب التوقعات.
فقبل أسابيع قليلة من نيله وسام جوقة الشرف، كانت الأكاديمية الفرنسية قد منحته جائزة “تشينو ديل دوكا” بقيمة 200 ألف أورو في ديسمبر 2025، في حفل مهيب حضره كبار رجال الثقافة الفرنسية.
وقبل ذلك، تم تعيينه رئيساً فخرياً لمهرجان نيس للكتاب تحت شعار “الشجاعة”، وكأن الشجاعة تُقاس بمدى معاداة المرء لبلده الأصلي.
هذا السيناريو ليس جديداً، بل هو نموذج متكرر تعتمده فرنسا في رسالة واضحة: من يهاجم الجزائر، من يشكك في تاريخها الوطني، من يروّج لسرديات تخدم الأجندة الاستعمارية الفرنسية، سيجد أبواب التكريم والمجد مفتوحة على مصراعيها.
السؤال ليس إن كان صنصال سيُكرّم، بل متى وبأي جائزة؟ والإجابة جاءت أسرع مما توقع الكثيرون.
● كمال داود: السابقة المباشرة
في نوفمبر 2024، شهدنا نفس السيناريو يتكرر مع الكاتب كمال داود، الذي فاز بجائزة غونكور، أرفع جائزة أدبية في فرنسا، عن روايته “حوريات”.
وبينما كانت الأوساط الأدبية تتحدث عن “قيمة فنية”، كان الجميع يعلم أن الرواية فازت في سياق سياسي واضح: داود الذي صرّح أنه “فرنسي أكثر من الفرنسيين”، الذي هاجم الجزائر في مقالاته، الذي تبنى السردية الصهيونية بعد 7 أكتوبر 2023، ووصف “البؤس الجنسي في العالم العربي والإسلامي” بطريقة تخدم الكليشيهات الاستشراقية.
كانت المؤشرات واضحة منذ البداية: الحملة الإعلامية الضخمة في وسائل الإعلام الفرنسية، الترويج المكثف للرواية، الإشادات المبالغ فيها، كلها علامات على أن الجائزة محسومة سلفاً.
وحتى الطاهر بن جلون، عضو أكاديمية غونكور والفائز السابق بنفس الجائزة، ورغم أنّه يعتبر أحد أبواق باريس والمخزن، إلا أنّه لم يتحدث عن القيمة الأدبية للرواية بقدر ما ركز على وصف داود بـ”المعارض السياسي” الذي يطالب بحرية التعبير.
والمفارقة الأكبر أن داود واجه اتهامات قانونية في الجزائر بسرقة قصة حقيقية لامرأة جزائرية (سعاد عربان) كانت مريضة لدى زوجته الطبيبة النفسية، واستخدام تفاصيلها الشخصية في روايته دون إذن، بما يمثل خرقاً للسرية المهنية. لكن هذا لم يمنع باريس من تتويجه، بل ربما شكّل دافعاً إضافياً للتكريم.
● النمط الفرنسي: مكافأة معادي الجزائر
إذا نظرنا إلى قائمة الكتّاب والمثقفين الجزائريين الذين نالوا تكريمات فرنسية رفيعة في السنوات الأخيرة، سنجد خيطاً مشتركاً واضحاً: جميعهم انتقدوا الجزائر بشدة، شككوا في مرجعياتها الوطنية، أو تبنوا خطاباً يتماشى مع المصالح الفرنسية.
بوعلام صنصال، الذي وصف مجاهدي التحرير الجزائري بـ”الإرهابيين والنازيين” في روايته “قرية الألماني”، والذي شارك في فعاليات ثقافية في القدس المحتلة، يُمنح أرفع الأوسمة.
كمال داود، الذي كتب أن “الإسلاميين هم أكبر الرابحين من الحرب في غزة”، يفوز بغونكور.
حتى رشيد بوجدرة، الكاتب الكبير الذي انتقد هذه الظاهرة في كتابه “زناة التاريخ”، وصف هؤلاء الكتّاب بأنهم يعانون من “عقدة المستعمَر” (بكسر الميم)، وأنهم يشعرون باليتم بعد رحيل المستعمر، فيسعون للحصول على رضا فرنسا بأي ثمن، حتى لو كان ذلك على حساب كرامتهم الوطنية وتاريخ بلدهم.
● التوقيت ليس صدفة
تكريم صنصال جاء بعد أسابيع فقط من إطلاق سراحه، وفي توقيت حساس للغاية في العلاقات الجزائرية-الفرنسية.
الأزمة الدبلوماسية التي بدأت في جويلية 2024 عندما اعترفت فرنسا بسيادة المغرب المزعومة على الصحراء الغربية، أدت إلى تجميد شبه كامل للعلاقات الثنائية. وفي هذا السياق، يأتي تكريم صنصال كرسالة سياسية واضحة من باريس إلى الجزائر.
الرسالة تقول: نحن نحمي ونكرّم من ينتقدكم، من يشكك في شرعيتكم التاريخية، من يخدم سردياتنا الاستعمارية. وهذا ليس تكريماً ثقافياً محايداً، بل هو سلاح في معركة الذاكرة والهوية التي لم تنته بين الجزائر وفرنسا منذ الاستقلال.
● ماذا عن القيمة الأدبية الحقيقية؟
السؤال الذي يطرح نفسه: أين القيمة الأدبية الحقيقية في كل هذا؟ كاتب ياسين، أحد أعظم الأدباء الجزائريين والفرانكفونيين، لم ينل غونكور. رشيد بوجدرة، صاحب الرصيد الأدبي الضخم والمحترم عالمياً، لم يحظَ بتكريم رسمي فرنسي رغم عشرات المؤلفات.
محمد ديب، آسيا جبار، وغيرهم من العمالقة، كان تكريمهم محدوداً مقارنة بما يُمنح اليوم لكتّاب يُعتبرون أقل مستوى أدبياً بكثير.
الفرق الوحيد؟ هؤلاء العمالقة لم يخونوا قضاياهم الوطنية، لم يتبنوا السردية الاستعمارية، لم يصفوا مجاهدي التحرير بالإرهابيين، لم يقولوا إنهم “فرنسيون أكثر من الفرنسيين”. حافظوا على كرامتهم الوطنية، فكان ثمن ذلك محدودية التكريم الفرنسي.
في المقابل، يبدو أن المعيار الأساسي للحصول على أرفع الجوائز الفرنسية اليوم ليس الموهبة الأدبية، بل مدى استعداد الكاتب لخدمة الأجندة الفرنسية في تشويه التاريخ الوطني الجزائري وتقديم صورة نمطية عن العرب والمسلمين تتماشى مع الكليشيهات الاستشراقية.
● استراتيجية طويلة المدى
ما نشهده ليس مجرد تكريمات عابرة، بل استراتيجية فرنسية طويلة المدى في معركة الذاكرة.
فرنسا تريد أن تُعيد كتابة التاريخ، أن تُبرّئ نفسها من جرائم الاستعمار، أن تُشوّه صورة المقاومة الجزائرية، وأن تُقدّم نموذجاً ثقافياً يقول: النجاح والتكريم يأتيان بالولاء لفرنسا، وليس بالحفاظ على الهوية الوطنية.
وفي هذا السياق، يصبح كل تكريم لصنصال أو داود أو غيرهما رسالة إلى الجيل الجديد من المثقفين الجزائريين: إذا أردتم الشهرة والجوائز، اتبعوا هذا النموذج، انتقدوا بلدكم، شككوا في تاريخه، تبنوا السردية الفرنسية، وستجدون الأبواب مفتوحة.
لكن التاريخ، كما يعلّمنا، لا يرحم الخونة. وما يُقدّم اليوم على أنه “شجاعة” و”حرية تعبير”، سيُسجّل غداً في سجلات العار كخيانة للذاكرة الجماعية وللتضحيات التي قدّمها شعب بأكمله من أجل حريته وكرامته.
فرنسا تكرّم، والتاريخ يحاسب. وبين التكريم الزائف والحساب التاريخي الحقيقي، يبقى السؤال الأهم: ما الذي يريده المثقف الجزائري الحقيقي؟ جائزة عابرة ينساها التاريخ، أم مكانة في وجدان شعبه يحفظها الزمن؟
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة