الحكيم الثائر!!!...
إذا ما كان يقال عن الكتاب أن الكتاب يقرأ من العنوان، فكذلك أقول إن الفيلم السينمائي أو المسلسل التلفزيوني يشاهد من العنوان، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المسرحية وغيرها من الأعمال الإبداعية الفنية، فالعنوان يحمل أكثر من دلالة من الناحية السيميولوجية!. وفي البداية أود أن أشكر الأستاذ الصالح شليحي الذي أثار النقاش حول عنوان فيلم بن مهيدي، وإن لم أكن من المحظوظين الذين وجهت لهم دعوة حضور العرض الشرفي بحيث لم أشاهد من الفيلم إلا بعض المقتطفات، فإنني سوف أكتفي بمناقشة العنوان دون المحتوى في انتظار أن أشتري تذكرة مشاهدة الفيلم في دور السينما.
عندما يتعلق الأمر بالشخصيات التاريخية، فإنني لا أفضل أن يحمل الفيلم أو المسلسل الذي يتناول حياة الأشخاص أسماءهم الحقيقية، ذلك أن المؤرخ يختلف عن الروائي أو كاتب القصة أو السيناريو، فالرواية أو القصة التاريخية ليست هي التاريخ، ذلك أن التاريخ يعتمد على الحقيقة بينما الأدب يعتمد على الخيال الفني ولكنه ليس ذلك الخيال الذي يعمد فيه الكاتب إلى تشويه الحقائق التاريخية، من أجل هوى في نفسه أو لحاجة في نفس يعقوب أو بما يتوافق مع إديولوجيته الضيقة.
ليس من الإبداع أن يكون عنوان العمل الأدبي السينمائي أو التلفزيوني أو المسرحي هو الاسم الحقيقي للبطل التاريخي، فإذا ما ظهر أول مرة عمل باسم شخصية تاريخية قد يظهر مرة أخرى عمل يحمل الاسم نفسه، وهنا لا يحق للمنتج الأول أن يدعي بأنه صاحب الملكية الفكرية، فالاسم التاريخي للبطل قد تحول إلى ملك مشاع، ولربما لا يمتلك هذا الحق الفكري إلا صاحب الاسم الحقيقي الذي لم يعد على قيد الحياة.
لقد ثار جدل حول عنوان فيلم بن مهيدي الذي حذف منه الاسم الثنائي محمد العربي، وإنني لا أتفق مع الذين يرون في ذلك من الأمور العادية، فالفيلم كما قلت مثل الكتاب الذي يقرأ من العنوان، إن الشهيد ابن مهيدي يصبح من غير هوية عندما نشطب منه اسمه الحقيقي محمد العربي، وهنا يكمن بيت القصيد أو مربط الفرس، فالصراع في الجزائر صراع هوية، فلا يكاد هذا الصراع يخفت على المستوى السياسي حتى يظهر على المستوى الأدبي، بل إن الأدب امتداد للسياسة ويتجلى بكل وضوح ذلك في الشعر والرواية والسينما والمسرح والتلفزيون.
كانت إحدى المسرحيات في الجزائر قد حملت عنوان “محمد خذ حقيبتك”، وإذا ما كانت تتحدث عن الهجرة فلماذا لم تحمل المسرحية عنوان “إيدير خذ حقيبتك”، ذلك أن غير المرغوب فيه بالجزائر هو محمد لا إيدير، وعندما كان الأمر يتعلق بالبطل الشهيد مؤسس الاتحاد العام للعمال الجزائريين فقد كان عنوان المسلسل التلفزيون “عيسات إيدير” هكذا بالاسم الكامل للبطل التاريخي أي الاسم واللقب وليس اللقب فقط، مثلما هو الأمر بالنسبة إلى البطل الثوري الشهيد محمد العربي بن مهيدي الذي حذف من عنوانه الاسم الثنائي محمد والعربي، ذلك أن الاسم الثنائي يمثل الهوية الإسلامية العربية والتي أصبحت من المغضوب عليها ولم تعد من المرغوب فيها بالجزائر!!!…
لقد شاهدنا على المستوى الوطني الكثير من الأعمال السينمائية والتلفزيونية الخاصة بالثورة التحريرية المباركة وخاصة في العهد الذهبي للسينما الجزائرية، ومن أهم هذه الأعمال الخالدة وقائع سنين الجمر والأفيون والعصى ودورية نحو الشرق ومعركة الجزائر وريح الجنوب والخارجون عن القانون وريح الأوراس والليل يخاف من الشمس والشمس السوداء وفجر المعذبين وغيرها من الأفلام السينمائية كما قلت تشاهد من عناوينها، والملاحظ في هذه الأعمال السينمائية على الرغم من التوجه السياسي المعروف لمنتجيها أو مخرجيها وخاصة في العشرية السبعينية، فإن أصحابها لم يسقطوا قناعاتهم السياسية أو الآيديولوجية على أعمالهم السينمائية، ولذلك فقد ظلت أعمالهم الفنية خالدة أبد الدهر.
أعتقد أن أفضل عنوان يمكن أن يحمله فيلم سينمائي عن البطل التاريخي والثوري الشهيد الرمز محمد العربي بن مهيدي هو عنوان الحكيم الثائر، ذلك أن محمد العربي بن مهيدي الذي كان يلقب بصندوق الأفكار قد كان أيضا يلقب بالحكيم، ويا لها من عبقرية عندما تجمع هذه الشخصية التاريخية الوطنية بين الثورة والحكمة، ذلك أن الحكمة، التي تعني التعقل والثورة التي تعني الغضب، خطان متوازيان لا يلتقيان، ويا لها من معجزة في هذا الحكيم الثائر عندما تلتقي عنده الحكمة والثورة، فيا لك من حكيم ثائر يا محمد العربي بن مهيدي!!!…