بومدين جديد".. على رأس الدولة الجزائرية
مصدر الصورة
كلام مباشر
الجزائر الآن _ كثير من الجزائريين أحيوا ذكرى وفاة الرئيس هواري بومدين الأخيرة دون الاكتفاء بالالتفات نحو الماضي بعدما باتوا يستشعرون روح الزعيم وقد عادت إلى قصر المرادية من جديد! ويلمسون الكثير من قراراته الشجاعة وذكائه المتقد في يوميات “الجزائر الجديدة” التي يقودها الرئيس عبد المجيد تبون بنفس أفكار ووطنية الهواري، وكذلك بنفس نظرات “السبع” الذي فقدناه قبل 44 سنة خلت.
قد لا يسترسل الرئيس تبون في صوته كثيرا، وهو يتحدث بعربية دارجة تخرج من صلب الشعب في القرى والمداشر والمدن، لكنه يستقي كلماته بإتقان من ذات الكأس التي أروت عطش بومدين في الوطنية وفي الوفاء بعهد الشهداء والشرفاء سنوات الجهاد المضنية.. مثلما يستنبط مواقفه من فطرة الجزائري الذي لا يهادن ولا يناور، ولا يعطيك وجها سمحا بالنهار، وآخر مختلفا تماما تحت عتمة الليل!
الزعيم بومدين الذي قالها في كبرياء “نأكل تراب بلادنا وماننذلش على أرض المستعمر”، هو نفسه الرئيس تبون الذي رسم من كرامة الجزائري خطا أحمرا حيثما نزل وحيثما كان هذا الجزائري القح فوق الأرض، والزعيم الذي قالها عاليا في وجه اللئام “نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”، هو نفسه الرئيس تبون وقد صنع بمصافحة السيدين عباس وهنية لحظة تاريخية فارقة لا يمنحها التاريخ في الواقع سوى لبلد في حجم وفي وقار الجزائر، في زمن تفنن فيه الأخ بطعن أخيه، وخيانة عشيرته، وبيع شرف أمته تحت مسميات التطبيع والانبطاح للئام الأمس القريب..!
ولئن فعلها الزعيم بومدين بتأميم المحروقات، حتى صار الغاز جزائريا خالصا، والنفط بلون تضحيات الشهداء، فقد فعلها الرئيس تبون بالتشمير على ثروات غار جبيلات، وشق أثلام الصحراء بالتعبيد، وبالحديد معلنا عن يقظة عملاق إفريقي ما عاد يغريه النوم ولا أحلام اليقظة..!
ما أشبه اليوم بالبارحة، وأنت ترى العز في عيون الجزائري الأصيل، الجزائري الذي لم يجبل على حضن وطنه كما يحضن الأب صغاره، ويخلص في عمله قناعة منه أن للعمل قداسة، بل العمل هو عربون الوفاء الوحيد لمن دفع ثمنه غاليا من قوافل الشهداء حتى لا يسقط عرق الجزائري سوى على أرضه، وفي سبيل ازدهار اقتصاد بلاده.
الرئيس تبون هو الرئيس الوحيد الذي لا يتوانى على ذكر هواري بومدين مقترنا بصفة “الزعيم”، وهو في ذلك لا يغيض خصوم الراحل بقدر ما يرسم صورة العز الجزائري الذي صنعه “الثائر” بومدين في بدايات بناء الدولة، ولا يتوقف السيد عبد المجيد تبون عند ذكر “موسطاش” فحسب، بل ويسترجع معه سياسة الدولة الوطنية التي بناها وحماها الفقيد.
تبون يعلم جيدا أن صورة بومدين في مخيال أغلب الجزائريين باسقة كالشجر، ومنقوشة كما أحجار التاريخ البعيد، لذا فهو يدرك في قرارة نفسه أن الحديث عن بومدين إنما هو بمثابة استذكار لمناقب “إبن الحرّة” في أخلاقه، المخلص في مبادئه، والزوالي الغني بوطنيته.. وغيرها من مفاتيح الدلالات التي قد لا يقولها السيد تبون بالمفردات، لكنها ترتسم بكل وضوح على محياه، وفي تنهيداته وفي نظراته العازمة على الذهاب بالجزائر “القارة” إلى بوابات الكبار في العالم رغم ثقل المسؤوليات.
في الذكرى 44 لرحيل الزعيم، تختلف الذكرى، ويختلف معها طريق العودة لاقتفاء أثر الرجل لسبب وحيد هو أن بومدين لم يعد كنزا ماضيا دفينا بين صفحات التاريخ، بقدر ما نستشعره حاضرا، منتصبا بقامته في كبرياء، وهو يقود المسيرة من جديد في شخص الرئيس تبون عبد المجيد.
لقد أثبتت الأحداث قواسم الرجلين في التسيير والتفكير والتخطيط، مثلما أثبتت تقاطع الزعيمين بومدين وتبون في حمل هم وطن، وأثبتت خطوط التقاطع أكثر العزم على رفع رأس موطن الشهداء إلى سابع سماء..
(مهدى لكل من استشعر حضور الزعيم بومدين في قمة الغاز الأخيرة بالجزائر..)