أحمد الضادي يكتب "للجزائرالآن": حرب التفوق القيمي
مصدر الصورة
الجزائرالآن _ “هذه ليست حربنا وحدنا، نحن نحارب نيابة عن الغرب”، “إنه صراع الحضارة ضد الهمجية”، “دورك قادم يا أوروبا”، “هذه حرب إنقاذ القيم الغربية”. جمل تتكرر على ألسنة الساسة الإسرائيليين في معظم خطاباتهم، ولعل الغرض منها تخويف الدول الأوروبية من ما قد يحل بها، إن لم تتبنَ موقفاً داعماً لإسرائيل. تلك الجمل تلقى صدىً في الأوساط الإعلامية الغربية، وتستخدم في البرامج كـ “بروباجاندا” موجهة للشعوب الأوروبية، ومحذرة من أنه في حال عدم دعم إسرائيل، فإن “القيم الغربية” معرضة للخطر. لكن هذا مصطلح فضفاض، لا يحمل معنى واضحاً، بل هو أشبه بقول “العادات الاّسيوية” أو “الشعائر الدينية”.. تلك المصطلحات قد تفهم بمعنى مختلف، من شخص إلى اّخر، وتستدعي بحثاً معمقاً عما تعنيه بالفعل هذه القيم.
بمراجعة تلك الخطابات بتفاصيلها – عوضاً عن الاكتفاء بالمقتطفات التي نشاهدها في القنوات الإخبارية – نجد أن المتحدثين الإسرائيليين يحذرون من “تهديدٍ قائم للديموقراطية الغربية”، حيث يعتبرون أنهم “الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، ويرون في أنفسهم ممثلين لمعايير العالم الحر والنظام الليبرالي وقيم التسامح. ولعل تلك الخطابات نجحت بالفعل – حتى ولو لبعض الوقت – في تحريف وتبرير ما يقوم به الجيش الإسرائيلي من تجاوزات بحق الفلسطينيين، حيث أكسب هذا الطرح الحكومة الإسرائيلية تعاونَ إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، كما شارك وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن مؤخراً في مجلس الحرب الإسرائيلي، وأرسلت الولايات المتحدة مدمرات إلى البحر المتوسط. هذه الخطوات جميعها تعطي انطباعاً بأن الغرب متفق مع الخطاب الإسرائيلي، الذي يعتبر أن قيم تل أبيب متماثلة مع بروكسل وواشنطن، بل ويعتبرها “متفوقة” على قيم العالم الشرقي بأكمله، من أدناه إلى أقصاه.
ليست هذه المرة الأولى التي يتم استخدام “القيم الغربية” فيها كوسيلة دعاية لدعم طرف على حساب آخر، فمنذ نحو عامين، عند اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية، أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أن “أوكرانيا تقاتل من أجل قيمنا. وإذا لم تنتصر أوكرانيا في هذه الحرب، فما هي الرسالة التي قد يبعثها هذا إلى الأنظمة الاستبدادية الأخرى؟”. هذه الرؤية الفوقية لم تأتِ فقط على لسان السياسيين الغربيين، ففي تلك الفترة، اعتبر كبير المراسلين الأجانب لشبكة “سي بي إس” الإخبارية الأميركية، تشارلي داجاتا، في رسالة على الهواء مباشرةً أن أوكرانيا “ليست مكانا، مع كل الاحترام، مثل العراق أو أفغانستان، الذي شهد صراعا مستمرا لعقود من الزمن. إنها (بلد) متحضر نسبياً، وأوروبي نسبياً…. بلد لا تتوقع أو ترجو أن يحدث فيه شيء مثل هذا”، وقد قوبلت تصريحات داجاتا بغضب كبير من المتابعين، مما دفعه للاعتذار لاحقاً. لكن هذا لم يمنع وسائل إعلام غربية أخرى من تبني مواقف مشابهة، منها القول: “على عكس اللاجئين من الشرق الأوسط، الضحايا الأوكرانيون هم من البيض، والمسيحيين، والطبقة الوسطى”، واعتبار أنه يجب حماية الأوكرانيين وإظهار تعاطف أكبر معهم لأنهم يتشاركون مع الغرب قيمهم، كما أنهم يشبهونهم، فهم “من الشقر وأصحاب العيون الزرقاء”.
قد يتحدث هؤلاء الإعلاميون على سجيتهم، وقد يكون الشعور بالتفوق غير مقصود، إلا أن له جذوراً تاريخية، ففي كتاب “دراسات بناء وتآكل نظام القيم الأمريكية من خلال استخدام مقولات الآباء المؤسسين وغيرها”، تقول المؤرخة البريطانية كارولين روبنز، إن الموقعين على “إعلان استقلال الولايات المتحدة”، كانوا في الغالب من النخبة المثقفة، ومن سكان المستوطنات القديمة، وكانوا ينتمون، باستثناء قليل منهم، إلى طبقة متوسطة ميسورة الحال، تمثل جزءاَ ضئيلًا فقط من السكان. وتشير روبنز إلى أنهم “كانوا من أصول بريطانية، ومعظمهم مولودون أو مقيمون في الخارج، وينتمون إلى البروتستانتية.” ورغم تقلص دور البروتستانت الأنجلوسكسونيين البيض، أو كما يطلق عليهم الـ WASP منذ ستينيات القرن الماضي، وانخفاض تأثيرهم في المجتمعات الغربية، وتعالي الدعوات لدمج الأقليات، إلا أن هذه الأفكار تعود للواجهة بين الحين والاَخر في المواقف الدولية، وقد يكون ذلك نابعاً من حنين لفترات ما قبل استقلال المستعمرات الأوروبية تلك، التي منحت متبني هذه النظرة الفوقية تميزاً اجتماعياً، حصلوا عليه – أساساً – من الأموال التي جنوها عبر استعمار مناطق عدة.
ورغم وجود بعض المناهج المتطورة والناجحة بالفعل في الفكر القيمي الغربي، إلا أن التاريخ القريب – إن أضيف إلى المعادلة – لا يخفى منه الاستيطان والاحتلال والإبادات والتهجير القصري، فزعماء أوروبا، من ليوبولد الثاني إلى هتلر وموسوليني والتاج البريطاني، احتلوا وحدهم أكثر من 80% من العالم. والأميركيتان على سبيل المثال، استوطنهما الأوروبيون، بعد أن أقاموا مجازر بحق السكان الأصليين، حتى أن الولايات المتحدة ظلت تحتفل بـ “يوم كولومبوس” حتى عام 1992 ليغير اسم الاحتفال بعد ضغوطات عدة، حيث أسفر اجتماع 350 ممثلاً عن مجموعات السكان الأصليين من جميع أنحاء الأمريكتين في الإكوادور، عن تغيير اسم هذا الاحتفال لـ “يوم السكان الأصليين”.
عادة ما يظهر مصطلح “القيم الغربية” في أوقات الحروب والنزاعات، لتبرير الوقوف مع جانب على حساب آخر، حتى باتت هذه القيم محصورة في “التفوق العرقي للرجل الأبيض”، الذي يعتبر أن كل من هو مختلف عنه، قيماً وقالباً، أقل قيمة، وبالتالي يحق للغرب فرض السيطرة على ذلك “الاَخر الرجعي”. لكن “القيم الغربية” لا تحمل معنى حقيقياً إذا فُقِدَت القيم الإنسانية الأساسية، من حفاظ على الأرواح وإقرار بأحقية السكان الأصليين في أراضيهم، وغيرها. وإذا كان لابد لجهة معينة من اعتلاء منبر القيم، فإن الأحق بذلك، هم من لم يدعموا احتلال شعب، أو سرقة أرض، أو فصل عرق.