مظاهرات طلاب فرنسا تتحول إلى ازمة سياسية

خرج تلاميذ المدارس الثانوية في فرنسا للمطالبة بمعلمين أكثر وظروف دراسة أفضل، لكن احتجاجاتهم التي دخلت أسبوعها الرابع تحولت إلى أزمة وطنية، بعدما أسفرت عن آلاف التوقيفات ومئات الإصابات. وأثارت تحقيقات بشأن استخدام الشرطة للقوة ضد قاصرين، وسط محاولات حكومية لاحتواء الحركة الاحتجاجية.

وبحلول 9 أكتوبر، تجاوز عدد الأشخاص الذين وُضعوا قيد الحراسة النظرية منذ بدء الاحتجاجات 6800 شخص، يشكل القاصرون 86 بالمئة منهم، وفق وزارة العدل الفرنسية. كما سُجلت إصابات لأكثر من 200 تلميذ و800 من عناصر الأمن، وارتفع عدد التحقيقات التي فتحتها هيئة الرقابة على الشرطة إلى 24 تحقيقًا .

يوم دراسي طويل.. ومعلمون غائبون

في مدينة سان دوني، شمال باريس، يختصر التلميذ نعيم جانبًا من المعاناة اليومية التي دفعت زملاءه إلى الاحتجاج .

نعيم، الذي يدرس في ثانوية سوجير ويعيش على مسافة ساعة من مدرسته، يقول لموقع سكاي نيوز عربية "عليَ أن أستيقظ في الساعة السادسة كل صباح، حتى أصل قبل الثامنة إلى المدرسة. وإذا تأخرت الحافلة لسبب ما ووصلت 5 دقائق بعد موعد الدخول، فإنني أجد البوابة مغلقة وأظل أنتظر في البرد إلى أن تفتح البوابة مجددا بعد ساعة ".

ويضيف: "في المساء، أخرج في الساعة السادسة وأصل إلى البيت في الساعة السابعة، وحينها علي أن أقوم بواجباتي الدراسية وبالرياضة، ولا يتبقى لدي وقت حتى لأقضي بعض الوقت مع الوالدة أو العائلة ".

لكن المشكلة، بحسب نعيم، تتجاوز قواعد الحضور والانصراف، إذ يقول إن أحد فصول البكالوريا في مدرسته ظل العام الماضي دون أستاذ للرياضيات طوال العام، ما اضطر التلاميذ إلى الاعتماد على أنفسهم، بينما أخفق بعضهم في الامتحانات .

كيف بدأت الاحتجاجات؟

بدأت التعبئة في منتصف سبتمبر من ثانوية سانت إكزوبيري بمدينة كريتاي، جنوب شرقي باريس، احتجاجًا على نقص المعلمين والموارد التعليمية .

وبعد تحركات شارك فيها تلاميذ ومعلمون وأولياء أمور، استجابت الإدارة التعليمية لبعض المطالب، لكن الاحتجاجات انتقلت سريعًا إلى مدارس أخرى في ضواحي باريس، ثم مدن كبرى بينها ليون ومرسيليا و ليل و بوردو .

وشهدت مدارس إغلاقًا لمداخلها، فيما رفع المحتجون مطالب تتعلق بسد العجز في المعلمين، وتحسين المباني والتجهيزات، وتخفيف الاكتظاظ .

كما اعترض بعضهم على نظام "باركور سوب" للالتحاق بالتعليم العالي، وهو نظام لا يكتفي بالمعدل المحقق في البكالوريا وإنما يأخذ في الحسبان النقاط التي يحصل عليها الطالب خلال السنتين الأخيرتين في الثانوية، وهذا ما يعتبره تلاميذ الأحياء الفقيرة إجحافا في حقهم، وتمييزا لصالح تلاميذ المدارس المجهزة جيدًا .

انتشار سريع وتوتر متصاعد

مع اتساع الاحتجاجات، شهدت بعض التحركات مواجهات مع قوات الأمن، تخللتها أعمال تخريب وإلقاء مقذوفات و ألعاب نارية، مقابل اتهامات للشرطة باستخدام القوة بصورة مفرطة .

وفي 5 أكتوبر، فقد تلميذ يبلغ 15 عامًا يده إثر انفجار قنبلة صوتية أطلقتها الشرطة خلال احتجاج قرب مدرسة في مدينة لانس .

ودفعت الحادثة وزير الداخلية لوران نونييز، في 7 أكتوبر، إلى تعليق استخدام هذا النوع من القنابل في التعامل مع الاحتجاجات الطلابية، انتظارًا لنتائج التحقيق .

كما تعرض تلميذ آخر يبلغ 14 عامًا لكسر في الفك وإصابات بالأسنان بعدما أصابته قنبلة غاز أطلقتها الشرطة من مسافة قريبة، وأصبح الشرطي المعني خاضعًا لتحقيق قضائي رسمي .

وبحلول 9 أكتوبر، بلغ عدد التحقيقات المفتوحة لدى هيئة الرقابة على الشرطة 24 تحقيقًا بشأن وقائع مرتبطة بالاحتجاجات .

ويقول نعيم: "نحن هنا لنتظاهر وليس لنحارب. لكن قوات الأمن تأتي وتشرع في ضربنا وإذلالنا ".

في المقابل، تؤكد السلطات أن الشرطة تواجه أيضًا أعمال عنف وتخريب، وتدافع نقابات أمنية عن ضرورة حماية المؤسسات والأشخاص .

وامتد الجدل إلى الجهة التي ينبغي أن تتحمل تكلفة أعمال التخريب المصاحبة للاحتجاجات، والتي قدرت بعشرات الملايين من اليوروهات.

فقد دعا وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان إلى تحميل أولياء أمور القاصرين المتورطين في التخريب مسؤولية التعويض عن الأضرار .

وجاء المقترح بعدما أعلنت رئيسة منطقة إيل دو فرانس، فاليري بيكريس، أن الخسائر في المنطقة بلغت نحو 7 ملايين يورو . لكن المقترح أثار اعتراضات تتعلق بصعوبة تحديد المسؤوليات الفردية، ومدى عدالة تحميل الأسر، خصوصًا محدودة الدخل، أعباء مالية عن أفعال أبنائها .

أزمة تتجاوز المدارس

دخلت الاحتجاجات السجال السياسي، إذ أعلن حزب "فرنسا الأبية" اليساري دعمه للتلاميذ، بينما اتهمه خصومه بمحاولة استثمار الأزمة سياسيًا .

وعقدت الحكومة لقاءات مع ممثلين عن التلاميذ والمعلمين وأولياء الأمور، وتعهدت بالنظر في المطالب التعليمية، دون أن تنجح حتى الآن في إنهاء التعبئة .

كما أعربت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان عن قلقها إزاء أحداث الاحتجاجات، داعية إلى احترام الحق في التظاهر السلمي والتناسب في استخدام القوة .

وهكذا، لم تعد الأزمة مجرد خلاف بشأن نقص المعلمين أو تدهور المباني، بل تحولت إلى اختبار لقدرة السلطات على معالجة الفوارق التعليمية وحماية حقوق القاصرين.