قبل أن يبلغ العشرين من عمره، أصبح رياض راني متحدثا باسم الحراك الطلابي الفرنسي ومفاوضا عنه، بعدما لجأت الحكومة إلى التفاوض مع المحتجين أملا في التوصل لصيغة تنهي المظاهرات العارمة التي تحولت إلى اشتباكات بين الطلاب وقوات الشرطة في عدة مدن بينها العاصمة باريس.

ويشغل رياض منصب رئيس الاتحاد النقابي لطلاب الثانويات، لكنه يحمل قصة تختلف كثيرا عن الصورة التي يظهر بها أمام الكاميرات. فقد ولد الشاب ذو الـ19 عاما، لأبوين جزائريين، في حي "بيل" بمدينة روبيه المعروفة بأحيائها الفقيرة والمهمشة.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 التجمع الوطني ومعاداة السامية.. من إرث الجبهة الوطنية إلى قضية جوردان بارديلا
* list 2 of 2 هزت المنصات وطغت على الاحتجاجات.. ما قصة "أم الأسبوع" المغربية في فرنسا؟ end of list

ويدرس الشاب -الذي توفيت والدته مطلع العام الجاري- في التعليم العمومي، وهو يعاني ما يعانيه غيره من الطلاب الذين يتفاوض باسمهم اليوم ويعرض مطالبهم على الحكومة، بحسب ما قاله للجزيرة.

فالحي الذي ولد فيه، كان من أفقر الأحياء في أوروبا عام 2014، وفق رياض الذي أوضح أن تجربته "لم تكن بعيدة عن واقع كثير من الطلاب الذين يحتجون اليوم".

مصدر الصورة رياض راني (الثاني من اليمين) خلال مشاركته في الاحتجاجات (رويترز)

وعانى القيادي الطلابي معاناة غيره من الطلاب قبل أن ينخرط في العمل الطلابي ليجد نفسه في قلب واحدة من أكبر موجات الاحتجاج التي شهدتها الثانويات الفرنسية خلال السنوات الأخيرة.

وبعد سنوات قليلة من طفولة صعبة في أحد الأحياء الشعبية بشمال فرنسا، وجد الطالب نفسه أمام مهمة مختلفة تماما حمل فيها مطالب جيل كامل إلى الحكومة في محاولة لإقناعها بأن أصوات الطلاب الذين كانوا يوما بعيدين عن دوائر القرار لم تعد قابلة للتجاهل.

مصدر الصورة رياض راني يتحدث إلى الصحافة عقب اجتماع بين ممثلي المنظمات الطلابية ووزير التعليم الفرنسي أمام مقر الوزارة بباريس (الفرنسية)

وفي حديثه للجزيرة، قال رياض إن المشكلة "لا تكمن في عزوف الشباب عن السياسة، كما يقال أحيانا، وإنما في الطريقة التي يتم التعامل بها معهم عندما يقررون التعبير عن أنفسهم".

إعلان

ويرى الشاب -الأشهر في فرنسا حاليا- أن الشباب يُتّهمون بعدم الانخراط في السياسة وعندما ينخرطون فيها يتم قمعهم، مضيفا "نرى ذلك بالفعل، وهناك اتساع كبير لهذه الحركة التي انضممنا إليها، لأن أمام هذا القمع هناك كثيرون يشعرون بالغضب".

كما أن الحركة الاحتجاجية جاءت ردا على ردع الشباب والتضييق على التعبير عن آرائهم، وتعرض طلاب للتعنيف والغاز المسيل للدموع، حسب قوله.

غضب المدارس

ولم يعد حضور رياض راني مقتصرا على ساحات المدارس والاحتجاج فقط، لكنه أصبح طرفا في الحوار مع وزارة التربية الفرنسية. وقال إن المشاركة الواسعة في مظاهرات باريس شملت ارتداء الشارات البيضاء للتعبير عن التضامن والمطالبة بحماية الطلاب أثناء ممارستهم لحقهم في التظاهر.

وفي 2 أكتوبر/تشرين الأول، استقبل وزير التربية إدوار غيفري ممثلي التنظيمات الطلابية، وكان رياض راني يرأس المشاركين في هذا المسار التفاوضي.

لكن الشاب القادم من أحد أحياء روبيه الشعبية يصر على أن الحوار لا يعني التخلي عن الشارع، معتبرا أن التفاوض بالنسبة إليه لا يمكن أن يتحول إلى تسوية بعيدة عن مطالب الطلاب، مؤكدا "لن نتراجع ولن نفرّط في شيء، ولن يكون هناك أي اتفاق في الصالونات الفاخرة داخل الوزارات، ما نريده هو أن تتم تلبية المطالب".

مصدر الصورة مواجهات بين محتجين وقوات الأمن في باريس (رويترز)

وتتركز مطالب الحراك على تحسين ظروف الدراسة، وتجديد المباني المدرسية، وتوظيف أعداد كبيرة من المعلمين، ومعالجة نقص الموظفين في المؤسسات التعليمية، إضافة إلى التكيف مع موجات الحر التي باتت تؤثر في ظروف الدراسة والامتحانات.

وأوضح رياض أن شرارة التحرك في بعض المدارس جاءت من وقائع يومية تبدو بسيطة، لكنها تعكس أزمة أوسع بالنسبة للطلاب.

واستشهد بثانوية "سانت إكزوبيري" بضاحية كريتاي، حيث بدأ طلاب التحرك بعدما وجدوا أنفسهم مع بداية العام الدراسي أمام نقص في موظفي الإدارة والإشراف، وغياب المساعدة الاجتماعية والممرضة المدرسية، فضلا عن نقص في المدرسين.

مصدر الصورة الاحتجاجات في باريس بين الطلاب والشرطة تخللتها صدامات عنيفة أوقعت عشرات المصابين (الجزيرة)

طاولة التفاوض

ولا يرى رياض أن هذه المطالب منفصلة عن تجربته الشخصية؛ فالمدرسة العمومية التي درس فيها هي المكان الذي ينبغي أن يضمن تكافؤ الفرص، لا أن يعكس الفوارق الاجتماعية بين الأحياء الفرنسية، كما يقول.

فالطلاب لا يطالبون بالامتياز، كما يقول، وإنما بظروف تسمح لهم بالتعلم، لأن أزمة المباني والمدرسين وارتفاع درجات الحرارة داخل الأقسام "أصبحت تمس جوهر العملية التعليمية".

واستعاد الطالب ما عاشه طلاب البكالوريا خلال يونيو/حزيران الماضي، قائلا: "اجتاز طلاب البكالوريا الامتحان في قاعات بلغت فيها درجات الحرارة 38 و39 درجة مئوية، لأنه لم تكن هناك ستائر، وهذه ليست ظروفا مناسبة لاجتياز البكالوريا".

وشهدت الاحتجاجات المستمرة منذ أسابيع مشاركة ميدانية قُدرت بنحو 450 ألف متظاهر في أنحاء فرنسا، بينهم 100 ألف في باريس، وفق ما أعلنه المنظمون.