في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تواجه الدول العربية مزيدا من الضغوط جراء ارتفاع أسعار القمح في الأسواق العالمية مع استمرار التوترات الجيوسياسية واضطراب حركة النقل وسلاسل الإمداد، وتعثر صادرات القمح بسبب الحرب الروسية الأوكرانية و الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، مما يعني زيادة تكلفة واردات القمح للمنطقة العربية.

وتتباين الضغوط من دولة لأخرى، وتزيد في الدول الأكثر اعتمادا على الاستيراد لتغطية الاحتياجات والأقل قدرة على مواجهة ارتفاع الأسعار دوليا.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 النفط يصعد والذهب يتراجع وسط مخاوف التضخم
* list 2 of 2 الفائدة الأمريكية والأسواق العربية.. أسبوع الحسم end of list

يكشف البنك الدولي أن الدول العربية تعتمد اعتمادا كبيرا على الاستيراد لتحقيق الأمن الغذائي، كما يعد القمح المستورد لتغطية الاستهلاك المحلي من أبرز الواردات في هذه الدول، مما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات السوق.

وحسب وكالة رويترز ارتفعت أسعار شحنات القمح المعدة للتسليم في أكتوبر/تشرين الأول المقبل بنسبة 25% مقارنة بما قبل أزمة اختناق إمدادات الحبوب وتعطل مرورها من البحر الأسود بسبب استمرار الحرب الروسية الأوكرانية.

والبحر الأسود -الذي يربط بين آسيا وأوروبا- ممر حيوي لشحنات المحاصيل العالمية إلى بعض أكثر دول العالم سكانا، خاصة وأن روسيا وأوكرانيا تمثلان معا أكثر من ربع تجارة القمح العالمية.

ويتراوح سعر طن القمح الأمريكي ما بين 310 دولارات و330 دولارا أمريكيا، بحسب بيانات البنك الدولي الصادرة في سبتمبر/أيلول 2026.

ضغوط متزايدة

وتأتي مصر على رأس قائمة الدول العربية الأكثر تعرضا للضغوط بسبب اعتمادها بشكل أكبر على واردات القمح من منطقة البحر الأسود، وحسب منظمة الأغذية العالمية ( فاو) فإن مصر قد تستورد 13.5 مليون طن، بزيادة قدرها 8% تقريبا عن المتوسط المعتاد لتلبية الاحتياجات اللازمة.

ووفقا لتوقعات المنظمة نفسها، تبلغ احتياجات الجزائر من القمح المستورد نحو 8.5 مليون طن، أي أقل بقليل من المتوسط المعتاد، كما تحتاج المملكة المغربية نحو 5 ملايين طن، بمعدل أقل بنحو 15% من متوسط السنوات الخمس الماضية.

إعلان

وتبلغ احتياجات السعودية من القمح المستورد نحو 4 ملايين طن، بزيادة قدرها 3% تقريبا عن متوسط السنوات الخمس الماضية، وفي العراق تشير توقعات استيراد القمح للموسم 2026/2027 إلى نحو 2.2 مليون طن بمعدل أقل بنحو 10% من المتوسط المعتاد.

اضطرابات وتقلبات الأسعار

يرى الأكاديمي والخبير الاقتصادي أحمد ذكر الله أن ارتفاع أسعار القمح في الأسواق العالمية يحمل جانبا مؤقتا مرتبطا بالتوترات الجيوسياسية واضطراب حركة التجارة من البحر الأسود.

ويقول في حديثه للجزيرة نت إنه لا يمكن اعتبار الارتفاع الحاصل في الأسعار مجرد موجة عابرة؛ لأن أسواق القمح بالفعل أصبحت أكثر حساسية لأي اضطراب في الإنتاج أو النقل أو الصادرات، كما أن اتساع أو استمرار الصراع واضطراب طرق الشحن قد يبقي الأسعار مرتفعة ومتقلبة، بينما أي تحسن في الإمدادات أو تراجع المخاطر الجيوسياسية قد تؤدي إلى تراجع الأسعار.

وتستورد الدول العربية ما يقارب 56% من السعرات الحرارية التي تستهلكها من الحبوب، ويأتي الجزء الأكبر منها من القمح.

وتعتمد بعض دول المنطقة على القمح المستورد لتلبية احتياجاتها بنسبة 100%، ومن المتوقع أن يؤدي النمو السكاني وارتفاع الدخول وتغير المناخ إلى زيادة هذا الاعتماد حسب دراسة للبنك الدولي.

لا يقتصر استخدام الدول العربية للقمح في رغيف الخبز، لكنه مكون أساسي في السلة الغذائية، مما يجعل الاعتماد العربي عليه مرتفعا جدا، خاصة في الدول التي تعاني ندرة أو محدودية في الأراضي الزراعية والمياه. فالقمح يدخل بصورة مباشرة في الخبز والدقيق والمعكرونة والعديد من المنتجات الغذائية حسب ما يقول ذكر الله.

مصدر الصورة ارتفاع أسعار الأسمدة واضطراب سلاسل الإمداد ساهما في رفع أسعار القمح في السوق العالمية(رويترز)

من القمح إلى الموائد

تختلف درجة اعتماد الدول العربية على استيراد القمح من دولة إلى أخرى؛ فالدول التي لديها إنتاج محلي تكون أقل عرضة نسبيا للصدمات، بينما تكون الدول المستوردة لمعظم احتياجاتها من القمح من الخارج أكثر حساسية لتقلبات الأسعار وشديدة الحساسية للصدمات الخارجية.

يقول الخبير الاقتصادي سليم بسباس للجزيرة نت إن أثر ارتفاع أسعار القمح على التضخم في الاقتصادات العربية سيكون متفاوتا من دولة إلى أخرى، لكنه سيظل ملموسا نظرا للأهمية الإستراتيجية للقمح في الاستهلاك الغذائي العربي والاعتماد بدرجات متفاوتة على الاستيراد لتغطية الاحتياجات؛ مما قد يؤدي لارتفاع التضخم بنسبة ما بين 1% إلى 2% في العديد من الاقتصادات العربية بحسب هيكل الدعم والسياسات الحكومية المعتمدة.

ويشير إلى أن المستهلك النهائي قد لا يشعر بالأزمة بصورة مباشرة في الدول التي تدعم الخبز والسلع الأساسية، مثل مصر وتونس والجزائر والأردن، إذ تتحمل المالية العامة للدولة جزءا كبيرا من الصدمة، ما يحدّ نسبيا من انعكاسها المباشر على التضخم.

أما في الدول التي لا توفر دعما واسعا، فإن ارتفاع الأسعار العالمية ينعكس بصورة أسرع على أسعار الغذاء، ومن ثم على مؤشر أسعار المستهلك؛ أي أن الارتفاع قد يظهر بصورة أكثر مباشرة في الدول التي ترتبط فيها أسعار المنتجات الغذائية بحركة السوق.

إعلان

وتتباين درجة تأثر الدول العربية بارتفاع أسعار القمح، وتكون التداعيات أكبر في الدول التي تجمع بين ارتفاع الاعتماد على الاستيراد، وضعف القدرة المالية على دعم الغذاء، وانخفاض الاحتياطيات أو محدودية الإنتاج المحلي.

ضغوط الموازنات العامة

في هذا السياق يقول ذكر الله تبرز مصر مثالا مهما؛ فحتى مع توقع وصول إنتاجها المحلي من القمح إلى مستوى تاريخي يبلغ 10 ملايين طن، تتوقع منظمة الأغذية والزراعة أن تصل احتياجات مصر من واردات القمح إلى 13.5 مليون طن في موسم 2026/2027، بما يعكس استمرار أهمية السوق العالمية بالنسبة إلى الأمن الغذائي المصري.

ويوضح أنه ليس بالضرورة أن يؤدي ارتفاع الأسعار إلى انخفاض في الاستهلاك، ففي الدول منخفضة الدخل، يعتبر الخبز سلعة أساسية، وقد يقلل المستهلك من سلع أخرى ويتحول إلى بدائل أرخص، مضيفا أن القمح "يمكن أن يؤدي إلى توزيع أو إعادة توزيع دخل الأسرة لصالح الغذاء على حساب التعليم والصحة والنقل وغيرها".

ويقول إن هناك ثلاثة أثار رئيسية في الدول العربية بناء على ارتفاع أسعار القمح عالميا وتتمثل في ارتفاع تكلفة الاستيراد وزيادة الضغوط على الأسعار المحلية (أسعار الدقيق والخبز والمنتجات الغذائية)، وكذلك ارتفاع فاتورة الدعم في الدول التي تدعم الخبز، ومن ثم ارتفاع أو اتساع عجز الموازنة العامة للدولة.

ثمة خطوات مهمة يمكن أن تتخذها الحكومات؛ حيال ارتفاع أسعار القمح تتركز على تأمين الإمدادات قبل البحث عن السعر الأرخص، مما يعني أهمية تنويع الموردين، وزيادة المخزون الإستراتيجي، ودعم الإنتاج المحلي. وفي الدول ذات الدعم الواسع، سيكون التحدي هو حماية المستهلك الفقير من الاستنزاف أو مزيد من الاستنزاف.

تعرض الدول العربية لصدمات أسعار القمح يؤكد ضرورة التفكير على المدى البعيد في كيفية تقليل تعرضها للصدمات الخارجية، من خلال زيادة الإنتاج والإحلال المحلي للواردات حسب رؤية الخبير الاقتصادي أحمد ذكر الله.

ويرى المتحدث نفسه أن الخطر بالنسبة للدول العربية لا يتمثل في سعر القمح وحده، وإنما في اجتماع ارتفاع القمح مع ارتفاع الطاقة والنقل، وتراجع العملات المحلية، وكلما طال أمد هذه الصدمة أصبحت تأثيراتها أكبر على التضخم، وعلى المالية العامة، وعلى الأمن الغذائي، خصوصا في الدول العربية الأكثر اعتمادا على الاستيراد".

حلول إستراتيجية

تشير المؤشرات الحالية إلى أن سوق القمح العالمية ستظل عرضة لمستوى مرتفع من التقلبات في الأشهر المقبلة، فالعوامل المناخية، وعلى رأسها مخاطر الجفاف والظواهر المناخية المتطرفة، لا تزال تمثل مصدر قلق رئيسيا للأسواق العالمية، إلى جانب التوترات الجيوسياسية واضطرابات التجارة الدولية.

ويقول الخبير الاقتصادي سليم بسباس إنه وفقا للمؤشرات فإن السيناريو الأكثر ترجيحا يتمثل في استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة نسبيا، مع تسجيل تقلبات دورية مرتبطة بالمحاصيل الزراعية والظروف المناخية والأسواق المالية.

أما السيناريو الأكثر تشددا، فهو استمرار حدوث اختلالات إضافية في الإمدادات العالمية أو ارتفاع جديد في أسعار الطاقة والأسمدة، بسبب تصاعد حدة التوترات في مناطق إنتاج الطاقة والقمح (الشرق الأوسط وأوروبا)، وهو ما قد يؤدي إلى تقلص الإمدادات وتترتب عنه موجة جديدة من الضغوط التضخمية الغذائية في المنطقة العربية.

وفي حال استمرار الأسعار العالمية عند مستويات مرتفعة، فإن المستهلك العربي سيواجه زيادة في تكلفة جزء معتبر من إنفاقه الغذائي، خاصة بالنسبة للأسر ذات الدخل المحدود التي تخصص نسبة مرتفعة من ميزانيتها للغذاء.

والتأثير الحقيقي لا يقاس فقط من خلال سعر الرغيف، بل من خلال الارتفاع التدريجي في تكلفة السلة الغذائية كلها. ويرى بسباس أن الحكومات العربية تمتلك مجموعة من الأدوات التي تسمح بتخفيف آثار ارتفاع أسعار القمح على المستهلكين والاقتصاد تتمثل في:

إعلان

* استخدام المخزونات الإستراتيجية للقمح، والتي تشكل خط الدفاع الأول ضد التقلبات العالمية قصيرة الأجل.
* زيادة مخصصات دعم القمح والخبز للحفاظ على استقرار الأسعار الداخلية وتجنب انتقال الارتفاعات مباشرة إلى المواطنين.
* اللجوء إلى إجراءات جبائية، مثل تخفيض أو تعليق الرسوم الجمركية والضرائب المفروضة على واردات الحبوب والمواد الغذائية الأساسية.
* تنويع مصادر التوريد للحد من مخاطر التركيز على عدد محدود من الموردين أو المناطق الجغرافية.
* استهداف الفئات الأكثر هشاشة عبر التحويلات النقدية المباشرة، باعتبارها أكثر كفاءة من أنظمة الدعم الشامل في بعض الحالات.

ويؤكد بسباس أن النجاح في احتواء الأزمة يعتمد في النهاية على الموازنة بين حماية القدرة الشرائية للمواطنين والحفاظ على استدامة المالية العمومية، خاصة في الدول التي تعتمد بشكل كبير على دعم المواد الأساسية.