تصاعد التوتر بشمال إثيوبيا عقب سيطرة المتمردين على مطارات

يعود القتال إلى شمال إثيوبيا في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للقرن الإفريقي، مع اتساع المواجهات بين القوات الحكومية وتحالف يضم 7 مجموعات مسلحة، وتزامن ذلك مع استمرار الحرب في السودان، وتصاعد نشاط حركة الشباب في الصومال، وتجدد أعمال العنف في جنوب السودان.

ويثير اتساع رقعة المواجهات من إقليم تيغراي إلى عفر وأمهرا، إلى جانب وجود جماعات مسلحة تنشط في أوروميا ومناطق أخرى، مخاوف من تحول التصعيد الإثيوبي إلى أزمة تتجاوز حدود البلاد، في منطقة تعاني أصلاً من حروب ونزاعات سياسية وأمنية متداخلة.

وكانت 7 مجموعات إثيوبية مسلحة أعلنت في سبتمبر تشكيل تحالف أطلق عليه اسم "قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء"، ويضم الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وحركة فانو في أمهرا، وجيش تحرير أورومو، إلى جانب مجموعات من أقاليم عفر وبني شنقول-قمز والمنطقة الصومالية وغيرها. ويجمع التحالف أطرافا كانت في بعض المراحل السابقة على طرفي النزاع، وهو ما يعكس تغيرا لافتا في خريطة التحالفات داخل إثيوبيا.

اتهامات بتدخل خارجي

مع تصاعد القتال، اتهم رئيس أركان الجيش الإثيوبي، الجنرال برهانو جولا، إريتريا ومصر والسودان بدعم الجماعات التي تقاتل الحكومة، وقال إن هذه الجماعات ما كانت لتتمكن من خوض المواجهات من دون دعم وإمداد خارجي.

وأكد جولا أن الجيش يتعامل مع التطورات بـ"الحكمة وضبط النفس".

وتبقى هذه الاتهامات، في ظل نفي إريتريا، ضمن روايات الأطراف المتصارعة بشأن مصادر الدعم الخارجي.

ويضيف هذا البعد الإقليمي حساسية خاصة إلى الصراع، في ظل العلاقات المتوترة أصلا بين أديس أبابا وأسمرة، والحرب المستمرة في السودان، والتنافس الأوسع على النفوذ في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

عودة شبح حرب تيغراي

يمثل التصعيد الحالي أخطر اختبار لاتفاق بريتوريا للسلام الذي أنهى في نوفمبر 2022 الحرب التي استمرت نحو عامين بين الحكومة الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي.

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن العدد الحقيقي لضحايا الحرب السابقة لا يزال محل خلاف، فيما تحدث مبعوث ا لاتحاد الأفريقي السابق إلى محادثات السلام، أولوسيغون أوباسانجو، عن نحو 600 ألف وفاة، وتقدر دراسات أخرى أعداد الضحايا بأرقام مختلفة.

ويأتي القتال الجديد بعد أشهر من التوترات المتصاعدة في تيغراي، قبل أن تمتد المواجهات إلى عفر وأمهرا.

وفي أحدث التطورات، سيطرت قوات تيغراي على مطار ألولا أبا نغا في ميكيلي، فيما توقفت رحلات الخطوط الجوية الإثيوبية إلى مطارات في تيغراي، بينما امتدت المواجهات إلى مناطق في عفر وأمهرا.

وفي عفر، تركزت المواجهات حول منطقة أبالا، فيما أعلنت الحكومة الإثيوبية أن قواتها خاضت معارك في شمال وولو بإقليم أمهرا، وقال الجيش إنه قتل 272 من مقاتلي تيغراي وأصاب 260 آخرين، ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من أرقام الخسائر التي تعلنها الأطراف المتحاربة.

وحذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك من تصاعد التوتر، فيما دعا رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي محمود علي يوسف إلى ضبط النفس وخفض التصعيد، مؤكدا أن اتفاق بريتوريا لا يزال أساسا مهما لتحقيق السلام في إثيوبيا.

القرن الإفريقي.. أزمات متزامنة

لا تربط خطورة التصعيد الإثيوبي فقط بحجم البلاد وثقلها السكاني والسياسي، وإنما أيضا بموقعها وسط منطقة تتقاطع فيها عدة صراعات.

ف السودان، الذي يشترك مع إثيوبيا في حدود طويلة، يعيش حربا مستمرة منذ أبريل 2023، فيما أصبحت مناطق النيل الأزرق والحدود الشرقية للسودان جزءا من المشهد الأمني المتحرك في المنطقة.

وفي الصومال، لا تزال الحكومة والقوات الإفريقية تواجهان حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، في وقت يواجه فيه الدعم اللوجستي الدولي لبعثة الاتحاد الأفريقي "أوصوم" ضغوطا مالية وسياسية.

وكانت الولايات المتحدة قد وافقت في سبتمبر على منح الأمم المتحدة عاما إضافيا لإنهاء دعمها اللوجستي للبعثة، مع استمرار المخاوف بشأن قدرتها على أداء مهامها.

أما جنوب السودان، فتستمر فيه المواجهات المسلحة والتوترات السياسية، خصوصا في جونقلي ومناطق أخرى، فيما تحذر الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي من هشاشة الوضع الأمني والإنساني وتعثر تنفيذ اتفاق السلام.

وهكذا تبدو إثيوبيا وكأنها تدخل مجددا إلى دائرة صراع إقليمي تتداخل فيها الحدود والنزاعات المحلية وحركة السلاح والمقاتلين والنازحين، بدلا من أن تبقى المواجهة محصورة داخل حدودها.

أزمة نزوح فوق أزمات النزوح

ويأتي التصعيد في منطقة تعد أصلا من أكثر مناطق القارة تأثرا بالنزوح القسري.

وتشير بيانات حديثة إلى أن نحو 45 مليون شخص في إفريقيا يعيشون في حالة نزوح قسري بسبب الصراعات والعنف والاضطهاد، فيما تستحوذ 7 دول، بينها السودان والصومال وجنوب السودان وإثيوبيا، على نحو 85 بالمئة من إجمالي هذا العدد.

وفي تيغراي وحدها، كان نحو 750 ألف شخص لا يزالون نازحين جراء الحرب السابقة، وفق بيانات أممية، ما يثير مخاوف من موجة نزوح جديدة مع تجدد القتال في منطقة لم تتعاف بعد من تداعيات تلك الحرب.

ولا يقتصر الخطر على نزوح جديد داخل إثيوبيا، إذ إن استمرار القتال في مناطق قريبة من الحدود مع السودان وإريتريا قد يزيد الضغوط على طرق الهجرة واللجوء، ويعقد حركة المساعدات الإنسانية في منطقة تعاني أصلا من أزمات متزامنة.

من صراع داخلي إلى أزمة إقليمية

يختلف المشهد الحالي عن الحرب التي اندلعت في تيغراي عام 2020 في نقطة أساسية حيث تغيرت التحالفات المحلية بصورة كبيرة.

فالجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، التي خاضت الحرب السابقة ضد الحكومة وقوات أمهرا وإريتريا، أصبحت الآن جزءا من تحالف يضم جماعات كانت تقاتل على الجانب الآخر في الحرب السابقة، بينها فانو. كما ينضم إلى التحالف جيش تحرير أورومو ومجموعات من مناطق أخرى.

ويعني ذلك أن أي توسع للمواجهات لن يجري بالضرورة وفق خطوط الصراع القديمة، بل في بيئة أكثر تعقيدا، تتداخل فيها النزاعات المحلية مع الخصومات بين الدول المجاورة.

وتحذر تحليلات إقليمية من أن استمرار القتال قد يزيد مخاطر انتقال تداعيات الصراع عبر الحدود، خصوصا مع وجود أزمات مسلحة متزامنة في السودان وجنوب السودان والصومال، وتوترات مستمرة بين إثيوبيا وإريتريا.

وفي ظل هذه البيئة، تبدو دعوات الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة إلى خفض التصعيد واستئناف الحوار أكثر ارتباطا ليس فقط بمنع عودة الحرب في تيغراي، وإنما أيضا بمحاولة منع تحول إثيوبيا إلى بؤرة جديدة تتقاطع عندها أزمات القرن الإفريقي.