في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تسعى الحكومة العراقية إلى استثناء بعض مطارات البلاد من القيود الأمريكية المرتبطة بقطاع الطيران الإيراني، في محاولة لاحتواء تداعيات تتجاوز توقف الرحلات إلى نشاط اقتصادي أوسع يرتبط بالمطارات والنقل والسياحة الدينية، في بلد يستقبل ملايين الزائرين الأجانب سنويا.
وقال المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي، اليوم السبت، إن بغداد تجري حوارا مباشرا مع الجانب الأمريكي لاستثناء بعض المطارات من الإجراءات، بما يسمح باستئناف الرحلات لدواع تتعلق بالعلاج والدراسة والزيارات الدينية ومصالح المدنيين.
وتزامن التحرك الحكومي العراقي مع اعتراض برلماني، فقد وصف محسن المندلاوي نائب رئيس مجلس النواب قرار حظر الطيران المدني الإيراني في مطارات العراق بأنه "مستعجل وغير مدروس " وقال إن المجلس مستعد لعقد جلسة استثنائية إذا لم يتم التراجع عنه.
وبدأت الأزمة مع إجراءات أعلنتها وزارة الخزانة الأمريكية في 8 سبتمبر/أيلول الحالي، استهدفت 36 جهة مرتبطة بقطاع الطيران الإيراني، وشملت، بحسب واشنطن، جميع شركات الطيران الإيرانية النشطة المتبقية. كما علقت الخزانة 3 تراخيص مرتبطة بالطيران، وحذرت الشركات الأجنبية من مخاطر تقديم خدمات لشركات خاضعة للعقوبات.
وأصدر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (التابع للخزانة الأمريكية) ترخيصا مؤقتا لتصفية بعض المعاملات التي كانت مسموحة سابقا، قبل انتهاء صلاحيته في 23 سبتمبر/أيلول.
وتكمن حساسية الإجراءات بالنسبة إلى العراق في امتداد مخاطر العقوبات إلى الشركات التي توفر الخدمات اللازمة لتشغيل الرحلات. فقد أفادت وكالة الأنباء العراقية بأن شركات للمناولة الأرضية في المطارات العراقية اعتذرت عن خدمة الطائرات الإيرانية خشية العقوبات الأمريكية.
وبذلك، لا يتعلق الأمر بإغلاق أمريكي مباشر للمطارات العراقية أمام الطيران الإيراني، وإنما بقيود على شركات الطيران ومخاطر امتثال تواجه الجهات التي تتعامل معها، وهو ما أدى عمليا إلى تعطيل الخدمات الضرورية لاستمرار الرحلات.
ويكتسب الملف بعدا اقتصاديا أكبر بسبب طبيعة حركة الأشخاص بين البلدين. فإلى جانب انتقال العراقيين إلى إيران للعلاج والدراسة، تمثل الزيارات الدينية أحد محركات الطلب على النقل والإقامة والمطاعم والتجزئة والخدمات في مدن مثل النجف وكربلاء وبغداد.
وتكشف بيانات الموسم الأربعيني حجم هذه السوق. فقد أعلن المقر المسيطر لأربعينية الإمام الحسين في مكتب القائد العام للقوات المسلحة العراقية خلال موسم 2026 وصول 2.1 مليون زائر أجنبي منذ بداية شهر المحرم وحتى تاريخ الإعلان، مع استمرار التدفقات حينها.
وفي تقدير أوسع، قالت العتبة الحسينية إن نحو 20 مليون زائر شاركوا في أربعينية 2026، بينهم أكثر من 5 ملايين زائر عربي وأجنبي من أكثر من 172 دولة.
ولا تمثل هذه الأرقام عدد الإيرانيين أو المسافرين جوا تحديدا، ولا تتوافر حتى الآن إحصائية رسمية شاملة تفصل حركة الركاب الجوية بين العراق وإيران خلال 2026، مما يجعل تقدير الخسارة المباشرة الناجمة عن توقف الرحلات غير ممكن بدقة.
وتبرز حساسية مطار النجف بسبب ارتباط نشاطه بالسياحة الدينية. وأظهرت بيانات المطار تسجيل 187 رحلة قادمة ومغادرة وأكثر من 32 ألف مسافر منذ بداية شهر المحرم "16 يونيو/حزيران 2026" وحتى أواخر الشهر نفسه.
وكان المطار قد استأنف الرحلات الدولية تدريجيا في أبريل/نيسان بعد توقف دام نحو شهرين، وكانت أولى الرحلات المستأنفة تابعة لشركة "إيران إير " وقادمة من طهران، قبل الإعلان عن استعداد شركة معراج لتشغيل رحلات تربط طهران ومشهد بالنجف.
وعلى مستوى العراق، سجلت المطارات في يونيو/حزيران 6658 رحلة مدنية قادمة ومغادرة، بينها 3146 رحلة عبر مطار بغداد و1388 عبر أربيل و1020 عبر النجف. وبذلك استحوذ النجف على نحو 15% من إجمالي الرحلات المدنية القادمة والمغادرة خلال الشهر.
وتعني خسارة جزء من حركة الطيران المرتبطة بإيران تراجع نشاط لا يقتصر على رسوم المطارات، بل يشمل المناولة والنقل والخدمات المرتبطة بالمسافر، وإن كانت البيانات الحالية لا تسمح بعزل قيمة هذا الأثر ماليا.
ولا يعني توقف الرحلات انقطاع حركة السفر بين البلدين، إذ تستوعب المنافذ البرية أصلا جزءا كبيرا من تدفقات الزائرين. وقبيل أربعينية 2026، أعلنت اللجنة العليا للزيارات المليونية الاتفاق مع الجانب الإيراني على تنظيم عبور ألفي زائر في الساعة عبر منفذ المنذرية بين العراق وإيران، إلى جانب دخول حافلات إيرانية لنقل الزائرين إلى المدن "المقدسة".
ومن ثم، يرجح أن تعيد القيود توزيع حركة المسافرين من الجو إلى البر بدلا من إيقافها. لكن هذا التحول يزيد زمن السفر وكلفته، خصوصا للمرضى والطلاب وكبار السن، وينقل جزءا من الإنفاق بعيدا عن المطارات وشركات الطيران والمناولة.
ومن هنا تتجاوز مساعي بغداد للحصول على استثناءات مسألة إعادة تشغيل خطوط جوية بعينها. فالحكومة تحاول الحفاظ على قناة مهمة لحركة الأشخاص واقتصاد الزيارات والخدمات، من دون تعريض الشركات والمطارات العراقية لمخاطر العقوبات الأمريكية، بينما يعني استمرار القيود إعادة توزيع النشاط الاقتصادي بين قطاعات النقل وخسارة الطيران جزءا من سوق السفر بين البلدين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة