آخر الأخبار

أول محاولة أميركية لتغيير نظام حكم | الحرة

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في الثامن من مارس 1805، على أطراف الصحراء المصرية، كان الأميركي ويليام إيتون يستعد للقيام بما لم تفعله الولايات المتحدة من قبل: محاولة تغيير نظام حكم.

جمع إيتون قوة غير تقليدية قوامها نحو 400 رجل، بينهم 8 من مشاة البحرية الأميركية (المارينز)، و38 مرتزقاً يونانياً، و25 جندياً أوروبياً من طواقم المدفعية، ومجموعة من المقاتلين العرب والبدو، ومع كل هؤلاء حاكم سابق منفي، كان إيتون يريد إعادته إلى عرشه في طرابلس.

كان الهدف أن يطيح حامد القرمانلي، بمساعدة الأميركيين، بشقيقه الأصغر يوسف، الباشا الحاكم في ذلك الوقت.

كانت وجهتهم على بعد مئات الأميال عبر الصحراء الليبية القاسية. وكان على جيش إيتون غير النظامي عبور تلك الصحراء، والاستيلاء على مدينة درنة الاستراتيجية، والإطاحة بيوسف في نهاية المطاف.

آنذاك، لم يكن قد مر على استقلال الولايات المتحدة سوى 30 عاماً تقريباً، وبالكاد كانت تملك الموارد لخوض حرب أو تدبير انقلاب.

لكنها حاولت، على مدى قرابة 15 عاماً، إيجاد حل دبلوماسي لمشكلاتها في شمال أفريقيا، دون جدوى، حتى بات الصراع مع طرابلس إحدى أكثر قضايا السياسة الخارجية إلحاحاً بالنسبة لها.

بدأت المشكلة حين فقدت الولايات المتحدة، عقب إعلان استقلالها عام 1776، الحماية البحرية البريطانية.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت السفن التجارية الأميركية أهدافاً لقراصنة تدعمهم دول، أو ما يُعرف بـ “الكورسير”(corsairs)- الذين كانوا يجوبون البحر الأبيض المتوسط.

وكان هؤلاء يستولون على السفن الأميركية ويأسرون أطقمها.

ولتجنب هذه الهجمات، كانت أميركا تدفع إتاوات لكل من المغرب والجزائر وتونس وطرابلس، وهي ما عُرفت بـ”دول البربر” (أو دول الساحل البربري).

وكلمة “إتاوة” تعبير ملطف عن فدية باهظة تشمل الأموال، والبضائع، وهدايا فاخرة من التوابل والأقمشة النفيسة والجواهر، كل ذلك مقابل ضمان المرور الآمن.

وكان الحكام أنفسهم يتحدثون بصراحة فجة عن هذه المدفوعات. وسبق أن قال مصطفى باشا، حاكم الجزائر، عبارة شهيرة لقبطان السفينة الحربية الأميركية “يو إس إس جورج واشنطن”: “أنتم تدفعون لي الإتاوة، وبذلك تصبحون عبيداً لي”.

وبالنسبة لجمهورية فتية، بات شراء السلام بهذه الطريقة مكلفاً للغاية، وفي حادثة واحدة فقط، طالبت الجزائر بمليون دولار، وهو مبلغ كان يعادل عُشر الميزانية السنوية للولايات المتحدة.

لذلك، قررت أميركا تجربة طريقة جديدة، فلجأت إلى ويليام إيتون، وهو دبلوماسي كان متمردا بطبعه، على أمل أن يحقق “تغيير النظام” ما عجزت الحرب ودفع الإتاوات عن تحقيقه.

وبالفعل، فقد غير ما حدث بعد ذلك نظرة الولايات المتحدة للحرب والدبلوماسية، وأيضا مكانتها في العالم.

قضى إيتون عمره في غمار المتاعب، كان قصيرا وممتلئ الجسم، ويُقال إن ملامحه كانت تشبه “البلدوغ” و هو نوع شهير من الكلاب، وقد هرب من مزرعة والده لينضم إلى الجيش القاري، وهو فقط في السادسة عشرة من عمره.

وعقب الثورة الأميركية، التحق إيتون بكلية دارتموث ثم عاد للانضمام إلى الجيش. غير أن مسيرته العسكرية كادت تنتهي بمحاكمة إثر خلاف مع ضابط زميل، إلى أن أرسله الرئيس جون آدامز (1797-1801) إلى الخارج ليعمل قنصلاً للولايات المتحدة في تونس.

انخرط إيتون في مهامه الجديدة بحماس كامل، إذ كان يلتقي بانتظام بـ “الباي” (حاكم تونس) ووزرائه، ويعمل على تسوية النزاعات والتفاوض للإفراج عن السفن وطواقمها المحتجزة.

لكنه كلما ازداد اطلاعا على ما يجري، زاد غضبه من سياسة دفع الإتاوات. وبالنسبة له كانت تلك الإتاوات مجرد ابتزاز متخفٍ في رداء الدبلوماسية.

وفي واحدة من رسائله العديدة صرخ معترضاً: “يا عبقرية بلادي.. كيف صرتِ ذليلةً منكسرة!” بل إنه اقترح إرسال ألف جندي من مشاة البحرية (المارينز) لغزو تونس والإطاحة بنظام الحكم فيها، وترهيب حكام دول البربر الآخرين لإجبارهم على الخضوع، وهي فكرة قوبلت بالرفض من قبل رؤسائه.

ومع تزايد شعوره بالإحباط، ترسخت لديه قناعة بأنه حين تتعارض أوامر واشنطن مع تقديره الشخصي للأمور، فإن تقديره هو الذي يجب أن تكون له الغلبة.

ثم التقى إيتون بالرجل الذي بدا الأداة المثالية لتنفيذ خطته الجريئة، حامد كارامانلي، شقيق يوسف الأكبر. وكان يوسف قد استولى على عرش طرابلس وأجبر حامد على التوجه إلى المنفى.

وبالنسبة لإيتون، كان حامد يمثل السلاح الأمثل لمواجهة يوسف، بينما كان إيتون يمثل لحامد الأمل الوحيد لاستعادة العرش.

وأخيراً، منحت واشنطن إيتون تفويضاً جزئياً للتحرك.

كانت الخطة تقتضي الانتصار على طرابلس وتحرير ما يقرب من 300 أميركي من طاقم السفينة “يو إس إس فيلادلفيا” (USS Philadelphia)، وهي فرقاطة أميركية كان قراصنة طرابلس استولوا عليها عام 1803.

قدمت البحرية دعما بمفرزة صغيرة من مشاة البحرية (المارينز)، بقيادة الملازم أول بريسلي أوبانون. لكن طبيعة الأرض التي واجهتهم كانت قاسية للغاية، وشحّت موارد الطعام والماء، حتى كانوا على وشك الانهيار التام حين وصلوا متعثرين ومُنهكين إلى “خليج البمبة”.

كانت تلك آخر نقطة تجمّع لهم قبل بلوغ درنة، حيث كان يفترض أن تنتظرهم سفينة حربية أميركية محملة بالمؤن.

لكن السفينة لم تكن هناك.

وبحلول ذلك الوقت، كان الأمل تلاشى تقريباً. ولكن في صباح اليوم التالي، لاحت في الأفق أشرعة السفينة الأميركية “يو إس إس أرغو (USS Argus) محملة بالطعام والماء والمؤن.

تناول الرجال الطعام والشراب، وسرعان ما استأنفوا حركتهم نحو الغرب. وقبل الوصول إلى درنة، أرسل إيتون رسالة إلى حاكم المدينة يطالبه فيها بالاستسلام.

وردّ الحاكم بعبارة واحدة اتسمت بحدة وشراسة بالغين: “رأسي أو رأسك”.

ردّ إيتون بحدة مماثلة، إذ فتحت 3 سفن أميركية قبالة الساحل هي “نوتيلوس” و”أرغوس” و”هورنت”، نيرانها على تحصينات درنة.

وتصاعدت سحب الدخان فوق المدينة، بينما استلّ إيتون سيفه وأعطى إشارة ليتقدم أوبانون ورجاله من مشاة البحرية.

وما إن بدأ الهجوم حتى أصيب إيتون بطلق ناري في معصمه، لكنه وبما عُرف عنه من عزيمة وإصرار واصل القتال. وتحولت المعركة إلى اشتباك عنيف من مسافات قريبة والتحام مباشر، وسقط اثنان من مشاة البحرية قتلى.

وفي غضون ساعات، تمكن أوبانون ورجاله المتبقون من السيطرة على الحصن ورفع العلم الأميركي فوق أسواره.

سُطّر تاريخ جديد في درنة، إذ كانت أول منطقة في “العالم القديم” يسيطر عليها مشاة البحرية الأميركية. وبعد سنوات من دفع الجزية المهينة، كان مذاق هذا الانتصار مثيراً وحماسيا.

ويشير تراث مشاة البحرية الأميركية إلى أن حامد قد احتفى بالنصر عبر إهداء أوبانون سيفاً مملوكياً تقديراً لشجاعته في معركة درنة.

وبعد مرور أكثر من قرنين، لا يزال هذا الرمز حيا، إذ لا يزال ضباط المارينز يحملون سيوفاً احتفالية مصممة على طراز السيوف المملوكية.

ومنذ ذلك الحين، دأبت أجيال من جنود المارينز على تخليد ذكرى المعركة في نشيدهم الذي يبدأ بالكلمات التالية: “من قاعات مونتيزوما.. إلى شواطئ طرابلس.. نخوض معارك بلادنا.. في الجو.. وعلى البر.. وفي البحر”.

ومع ذلك، فإن المدينة التي أخضعوها وسيطروا عليها لم تكن طرابلس، بل درنة.

مثلت درنة نهاية الحرب بالنسبة لإدارة الرئيس الأميركي توماس جيفرسون (1801-1809)، أما بالنسبة لإيتون، فقد كانت مجرد بداية، إذ كان يطمح للزحف نحو طرابلس نفسها، وإتمام ما بدأه، ليعيد حامد إلى العرش.

لكنه لم يكن يعلم أن دبلوماسياً أميركياً آخر، يُدعى توبياس لير، كان يسعى لتحقيق نوع مختلف من النصر في طرابلس.

كان لير الذي عمل سابقاً سكرتيراً شخصياً لجورج واشنطن وشغل حينها منصب القنصل العام الأميركي في الجزائر، قد حصل على تفويض من جيفرسون للتوصل إلى اتفاق مع يوسف، وإعادة الأسرى الأميركيين إلى وطنهم.

وفي 11 يونيو 1805، وصلت السفينة الأميركية “كونستيليشن” إلى درنة حاملةً أوامر لإيتون بالتوقف والانسحاب.

وتم ذلك بعدما كان لير أبرم اتفاقاً مع طرابلس، وافقت الولايات المتحدة بموجبه على دفع مبلغ إضافي قدره 60 ألف دولار مقابل الإفراج عن أسراها. ووقتها كان 5 منهم قد لقوا حتفهم في الأسر، بينما اعتنق 5 آخرون الإسلام، كما أنهى الاتفاق أي أمل في إعادة حامد إلى العرش.

تلقى إيتون أمراً بإخلاء درنة على الفور، فاصطحب حامد وحاشيته، بالإضافة إلى الأميركيين والأوروبيين الذين رافقوه منذ بداية الحملة، بينما تُرك جميع المقاتلين العرب خلفهم ليواجهوا أي انتقام قد تقدم عليه قوات يوسف.

وظلت درنة شاهدة على أول محاولة أميركية لتنفيذ “تغيير للنظام” باستخدام القوة العسكرية وحليف سياسي محلي، إذ حقق الأميركيون وحامد معاً انتصاراً لافتاً في ساحة المعركة.

ولكن بمجرد أن تمكنت واشنطن من تأمين أسراها، وحماية التجارة الأميركية، وإنهاء الحرب عبر التفاوض، لم تعد إعادة حامد إلى السلطة هدفا جوهريا بالنسبة للأهداف الأميركية.

ورغم أن تسوية عام 1805 لم تكن استسلاماً كما اعتقد إيتون، فإنها لم تعالج المعضلة الأكبر التي واجهت الولايات المتحدة منذ استقلالها: هل ستواصل “شراء” السلام في البحر الأبيض المتوسط؟

وتوفي إيتون في عمر السابعة والأربعين، بعدما ظل مقتنعاً بمرارة بأن الولايات المتحدة ضحت بانتصار دائم من أجل سلام مؤقت.

وأثبتت الأيام صحة وجهة نظره، فبعد 4 سنوات من وفاته، أرسل الرئيس الأميركي جيمس ماديسون (1809-1817) حملة أميركية أخرى إلى البحر المتوسط.

هذه المرة، تمكن العميد البحري ستيفن ديكاتور من هزيمة الجزائريين وإجبارهم على التخلي عن مطالبهم بدفع الجزية. فقد نفد صبر الولايات المتحدة تجاه “دول البربر”، وقررت أنها لن تدفع مالا بعد الآن مقابل حرية الملاحة في البحار.

وهكذا أدى تجريد السفن التجارية الأميركية من الحماية البريطانية بعد الاستقلال إلى صراع دام 3 عقود.

وخلال تلك الفترة، أُسرت نحو 35 سفينة أميركية واحتجز قرابة 700 أميركي كرهائن، وفي خضم هذا الصراع، بنت الولايات المتحدة الناشئة قوتها البحرية وتعلمت كيف تفرض نفوذها العسكري على بعد آلاف الأميال من أراضيها.

وبذلك، أثبتت الولايات المتحدة حقيقة لم تكن الجزية لتثبتها أبداً: وهي أن الحرية الأميركية لا تشترى من الحكام الأجانب، بل تصان بالقوة الأميركية.

ساهم لوكا غيرزوني في إنتاج هذه القصة.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا