في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تدخل العلاقات العسكرية بين إسرائيل والولايات المتحدة مرحلة إعادة صياغة قد تنهي تدريجيا نموذج المساعدات المباشرة الذي استمر عقودا، مع اقتراب انتهاء مذكرة التفاهم الحالية عام 2028 وبدء مفاوضات على صيغة تركز أكثر على الشراكة الصناعية والبحث والتطوير وشراء إسرائيل السلاح الأمريكي بأموالها.
ويكتسب التحول أهمية أكبر لأن القوة الجوية الإسرائيلية وخطط التسلح للعقد المقبل تعتمد على مقاتلات ومروحيات وذخائر أمريكية، في حين يرتبط مستقبل التمويل كذلك بالتحولات السياسية في واشنطن، ولا سيما انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني 2026 واحتمال عودة الديمقراطيين إلى البيت الأبيض بعد انتهاء ولاية الرئيس دونالد ترمب في يناير/كانون الثاني 2029.
تحدد مذكرة تفاهم، وقعتها إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما والحكومة الإسرائيلية في سبتمبر/أيلول 2016، المساعدات للسنوات المالية 2019-2028 بقيمة 38 مليار دولار، منها 33 مليارا عبر برنامج التمويل العسكري الخارجي "إف إم إف" (FMF) بمعدل 3.3 مليارات سنويا، و5 مليارات للدفاع الصاروخي، بمعدل 500 مليون دولار سنويا.
وتظهر مراجعة جيريمي شارب المتخصص في شؤون الشرق الأوسط بخدمة أبحاث الكونغرس "سي آر إس" (CRS) -الصادرة في 28 مايو/أيار 2025- أن إسرائيل حصلت منذ تأسيسها على نحو 174 مليار دولار بالقيمة الاسمية من المساعدات الثنائية وتمويل الدفاع الصاروخي، كما أوقفت واشنطن تدريجيا المساعدة الاقتصادية المدنية المباشرة.
كما أوضح شارب أن إسرائيل تستفيد أيضا من ضمانات القروض ومن مخزون الأسلحة الأمريكي للطوارئ الموجود على أراضيها ضمن برنامج "دبليو آر إس إيه-1" (WRSA-I) فضلا عن برامج مكافحة الأنفاق والطائرات المسيرة والتعاون البحثي والعسكري.
ووسعت حرب إسرائيل على غزة حجم الدعم خارج المذكرة العشرية، فقد كتب المعلق العسكري يوسي يهوشوع في صحيفة يديعوت أحرونوت -في 26 سبتمبر/أيلول 2024- أن المدير العام لوزارة الدفاع آنذاك إيال زامير اتفق في واشنطن على حزمة استثنائية قدرها 8.7 مليارات دولار، خُصص منها 3.5 مليارات لمشتريات عسكرية مرتبطة بالحرب، و5.2 مليارات لتعزيز الدفاع الجوي.
وشملت هذه الحزمة أنظمة " القبة الحديدية" وما تسمى " مقلاع داود" وصواريخ "حيتس" إلى جانب تطوير منظومة الليزر، وتوضح خدمة أبحاث الكونغرس أن التشريع خصص ضمن حزمة 2024 نحو 4 مليارات دولار للدفاع الصاروخي و1.2 مليار لمنظومة الشعاع الحديدي (الليزر) إضافة إلى 3.5 مليارات من التمويل العسكري الخارجي.
وتكشف هذه الأرقام أن وقف المساعدة العادية لا يعني فقط خسارة 3.8 مليارات دولار سنويا، وإنما قد يغلق أيضا قناة استخدمتها إسرائيل في الحروب للحصول على اعتمادات إضافية وتسريع تعويض مخزونات الذخائر والصواريخ الاعتراضية.
ويظهر الاعتماد بصورة أوضح في سلاح الجو الإسرائيلي، فقد أعلنت وزارة الدفاع في 3 مايو/أيار 2026 أن اللجنة الوزارية للتسلح وافقت على شراء سرب رابع من مقاتلات "إف-35" (F-35) وسرب ثان من طائرات "إف-15 آي إيه" (F-15IA) في صفقات تبلغ قيمتها عشرات مليارات الشواكل وتشمل قطع الغيار والدعم اللوجستي واستيعاب الأسراب.
وكان يوفال أزولاي مراسل الصناعات العسكرية في صحيفة كالكاليست قد كتب -في 13 مايو/أيار 2025- أن صفقة سرب "إف-15 آي إيه" الأولى تبلغ نحو 5.2 مليارات دولار ويجري تمويلها بأموال المساعدات الأمريكية، بينما تبلغ صفقة السرب الثالث من "إف-35" (نحو 25 طائرة) قرابة 3 مليارات. وأشار إلى أن تسليم "إف-15 آي إيه" سيبدأ عام 2031، أي بعد انتهاء مذكرة المساعدات الحالية.
وهذا يعني أن مشكلة ما بعد 2028 لا تتعلق بشراء طائرات جديدة فقط. فالعقود الحالية نفسها تمتد ماليا وتشغيليا إلى الاتفاق المقبل، ونقل أزولاي عن تقرير لجنة ناغل الإسرائيلية -المكلفة برسم خطط الجيش للعقد القادم- أن جزءا كبيرا من تمويل سرب "إف-15" الجديد يفترض مسبقا وجود ترتيب أمريكي لاحق، محذرا من أن ميزانية الأمن ستضطر إلى تحمل العقود إذا غاب الاتفاق الجديد.
ويمتد الاعتماد للمروحيات والطائرات المساندة، فقد ذكر أودي عتصيون مراسل الطيران في "كالكاليست" -يوم 31 ديسمبر/كانون الأول 2021- أن إسرائيل تعاقدت على أول 12 مروحية "سي إتش-53 كيه" (CH-53K) بقيمة تقارب ملياري دولار لاستبدال مروحيات "يسعور" وأن الخطة شملت شراء 6 مروحيات أخرى بعد 2029 اعتمادا على اتفاق مساعدات لاحق.
كما يشمل البناء الجوي طائرات التزود بالوقود الأمريكية "كيه سي-46" (KC-46). ولذلك خلص أزولاي في تقريره المنشور في مايو/أيار 2025 إلى أن الصناعات الإسرائيلية تستطيع إنتاج الصواريخ والإلكترونيات والأنظمة الدفاعية، لكنها لا تنتج بديلا محليا لمقاتلة شبح من مستوى "إف-35" أو مقاتلة ثقيلة مثل "إف-15" (F-)15 أو طائرة تزود بالوقود أو مروحية نقل ثقيل من فئة "سي إتش-53 كيه".
وتظهر الذخائر درجة أخرى من الاعتماد، لأن استمرار العمليات الجوية يحتاج إلى قنابل موجهة وصواريخ جو أرض وذخائر ثقيلة وقطع غيار بكميات كبيرة، وهكذا تستطيع إسرائيل تمويل جانب أكبر من المشتريات ذاتيا، لكنها ستظل بحاجة إلى خطوط الإنتاج والتراخيص وسلاسل الإمداد الأمريكية.
ويوضح مشروع موازنة الدفاع الأمريكية لعام 2026 أن 500 مليون دولار توزع على البحث والتطوير والإنتاج المشترك، وبينها تمويل للقبة الحديدية و"مقلاع داود" و"حيتس-3″ وهذا النموذج يسمح بإنتاج أجزاء من المنظومات بالولايات المتحدة وإسرائيل، ولذلك يبدو أقل عرضة للإلغاء الكامل من نموذج المنحة المخصصة لشراء منصات أمريكية جاهزة.
وفي المقابل، يمنح تقليص المساعدات فرصة للصناعة العسكرية الإسرائيلية. فقد أعلنت وزارة الدفاع في 2 يونيو/حزيران 2026 أن صادرات السلاح سجلت العام الماضي رقما قياسيا بلغ 19.2 مليار دولار، بزيادة قاربت 30% خلال عام، وشكلت الصواريخ ومنظومات الدفاع الجوي 29% من إجمالي الصادرات.
ويظهر الاتجاه الجديد بوضوح في المفاوضات الحالية، فقد أعلنت الدفاع الإسرائيلية في 5 يونيو/حزيران 2026 بدء محادثات رسمية مع الإدارة الأمريكية لوضع إطار يحل محل مذكرة 2019-2028، وقالت إن الهدف هو الانتقال تدريجيا من "المساعدة" إلى "شراكة متبادلة كاملة" تقوم على توسيع البحث والتطوير والإنتاج المشترك.
وقبل ذلك، كشف أزولاي في "كالكاليست" في 26 أبريل/نيسان 2026 أن التصور الذي يناقشه الطرفان للفترة 2029-2038 يقوم على تخفيض المبالغ المخصصة لشراء السلاح تدريجيا حتى وصولها إلى الصفر، مقابل توسيع مشاريع مشتركة محتملة في الليزر عالي القدرة والدفاع ضد الصواريخ فرط الصوتية والذكاء الاصطناعي. وأكد أن الأرقام والجدول الزمني ما زالا خاضعين للتفاوض.
كما نقل دانيال أدلسون مراسل "يديعوت أحرونوت" -في 2 يونيو/حزيران 2026- عن السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي قوله إن مذكرة التفاهم الجديدة "تنهي المساعدة وستقوم على التجارة". وأضاف الأخير أن الولايات المتحدة تحصل في المقابل على استخبارات وابتكارات تكنولوجية إسرائيلية. غير أن التقرير نفسه أشار إلى أن تصريح السفير لم يحدد ما إذا كانت المساعدة ستتوقف فور 2028 أم تدريجيا.
ويفتح التجديد النصفي الأمريكي لعام 2026 جبهة أخرى. ففي 15 يوليو/تموز 2026 رفض مجلس النواب تعديلا قدمه توماس ماسي الجمهوري عن كنتاكي لإلغاء 3.3 مليارات دولار من التمويل العسكري السنوي لإسرائيل، بأغلبية 314 مقابل 104، لكن السجل الرسمي للمجلس يظهر أن 103 ديمقراطيين صوتوا مع الإلغاء مقابل 98 عارضوه، بينما كان ماسي الجمهوري الوحيد المؤيد.
وسيصبح المتغير أكبر إذا فاز مرشح ديمقراطي بالرئاسة عام 2028 وتسلم الحكم بعد انتهاء ولاية ترمب في 20 يناير/كانون الثاني 2029، عندها ستكون مذكرة التفاهم الحالية قد انتهت، وقد يجد الرئيس الجديد أمامه اتفاقا تفاوضت عليه إدارة ترمب أو ترتيبات ما تزال تحتاج إلى اعتمادات سنوية.
وتوضح مراجعة جيريمي شارب لخدمة أبحاث الكونغرس أن مذكرات المساعدات الأمريكية لإسرائيل ليست معاهدات ملزمة قانونيا ولا تحتاج إلى تصديق مجلس الشيوخ، كما يستطيع الكونغرس تعديل حجم المساعدات التي يعتمدها كل عام، رغم التزامه تاريخيا بأرقام المذكرات.
لذلك قد تستطيع إدارة ديمقراطية جديدة تشديد شروط صفقات السلاح أو تسريع تقليص التمويل المباشر أو توسيع الرقابة على استخدام الأسلحة الأمريكية، وفي المقابل ستقيد قدرتها عقود التسلح الممتدة، والالتزام الأمريكي القانوني بالحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل، وشبكة المصالح بين الصناعات العسكرية في الطرفين.
وفي الخلاصة يتجه السيناريو الأكثر ترجيحا إلى تقليص المنحة المالية لإسرائيل تدريجيا بعد 2028 مع الحفاظ على شراء الأخيرة للمقاتلات والمروحيات والذخائر الأمريكية، وتوسيع مشاريع الدفاع الجوي والبحث والتطوير والإنتاج المشترك.
وبذلك تستطيع إسرائيل تخفيف صورة الاعتماد على المساعدات الأمريكية وزيادة مشتريات صناعاتها المحلية، لكنها ستتحمل فاتورة عسكرية أكبر، بينما ستظل القوة الجوية وسلاسل الذخيرة وقطع الغيار مرتبطة بالولايات المتحدة، ويجعل صعود المعارضة داخل الحزب الديمقراطي مستقبل هذه العلاقة أكثر تأثرا بنتائج الانتخابات الأمريكية مما كان عليه خلال العقود الماضية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة