في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
كان "بول ديفاكار نامالا" في الـ21 عندما قتلت أمه في هجوم بقنبلة حارقة بعد سلسلة من الاعتداءات التي تعرضت لها أسرته في الهند في خضم مساعيها للتمسك بحقوقها، ومنها حقوق تتعلق بالأرض.
كان يمكن للمأساة أن تدفع الشاب إلى الانتقام، لكنه يقول إن والده أرشده لتجاوز اللحظة المؤلمة وتكريس وقته لمواجهة البنى الاجتماعية التي تسمح باستمرار مثل هذا الظلم. ومن هناك بدأت رحلة امتدت أكثر من أربعة عقود في مواجهة التمييز الطبقي.
نامالا من الداليت، وهم فئة عوملت تاريخيا بوصفهم "منبوذين"، ووضعت في أسفل النظام الطبقي الهندي. واليوم، وهو المدير التنفيذي لـ"مشروع الشمول" ومنسق المنتدى العالمي للمجتمعات التي تتعرض للتمييز على أساس العمل والنسب، يعود إلى حكايته بمناسبة مرور ربع قرن على مؤتمر ديربان لمناهضة العنصرية.
انعقد المؤتمر الثالث للأمم المتحدة لمناهضة العنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب في ديربان بجنوب أفريقيا عام 2001، وجمع 7 آلاف شخص يمثلون حكومات ومجتمعا مدنيا من 170 دولة.
وقادت دول الجنوب العالمي جانبا بارزا من المؤتمر، الذي تحدى فكرة أن حقوق الإنسان مفهوم غربي، واعترف بالجذور التاريخية لأشكال العنصرية المعاصرة، ودعا الدول إلى معالجة الآثار المستمرة للاستعمار والعبودية. ورغم انسحاب الولايات المتحدة وإسرائيل، اعتمد المؤتمر إعلان وبرنامج عمل ديربان، اللذين أصبحا وثيقتين أساسيتين في الجهود العالمية لمناهضة العنصرية.
ولنامالا علاقة مباشرة بتلك اللحظة، فقد كان واحدا من الناشطين الذين سعوا إلى نقل قضية التمييز الطبقي ضد الداليت إلى النقاش الدولي. وبعد 25 عاما، يستعيد تجربته وما تحقق منذ ديربان، وما بقي من معركة المجتمعات التي تتعرض للتمييز بسبب العمل والنسب.
ويقول إن الفقر منتشر في جنوب آسيا، لكن الداليت يتحملون عبئا غير متناسب منه بسبب القيود المرتبطة بالطبقة على الوصول إلى الأرض والتعليم والعمل اللائق والخدمات العامة والسلطة السياسية.
ورغم وجود ضمانات دستورية ومؤسسات ديمقراطية في الهند، يرى نامالا أن التمييز الطبقي وممارسات "النبذ" ما تزال قائمة في القرى والمدن والمؤسسات العامة وأماكن العمل الخاصة والشركات.
وقد يواجه أفراد الداليت، وفق شهادته، التهديد والعنف بسبب المطالبة بحقوقهم في الأرض، أو دخول أماكن العبادة، أو الزواج من طبقات أخرى، أو استخدام الموارد المشتركة، أو طلب التعليم، أو تولي منصب انتخابي.
وقد عرفت أسرة نامالا هذا العنف عن قرب. يقول نامالا إن أسرته تعرضت مرارا للاعتداء أثناء مطالبتها بحقوقها، بما فيها حقوق تتعلق بأرض عامة. وعندما كان في الـ21 وقع الهجوم الذي غيّر مسار حياته حين قتلت والدته بقنبلة حارقة.
ومع تقدمه في العمر، بدأ يدرك الصلة بين ما تعرضت له أسرته والنظام الطبقي الذي نشأ داخله. لكن والده، كما يروي، دفعه بعيدا عن الانتقام. فقد علمه أن ألا يطلب العدالة لنفسه فقط، وإنما تفكيك البنى التي أنتجت ذلك الواقع ومواجهة الأعراف الاجتماعية التي تسمح باستمراره.
بدأ نامالا نشاطه الحقوقي وهو في العشرينيات، وبنى مع زوجته، التي تنتمي إلى طبقة مختلفة، مجتمعا من المدافعين عن حقوق الإنسان. وفي عام 1998، شارك مع قيادات من أنحاء الهند في تأسيس الحملة الوطنية لحقوق الإنسان للداليت، لتوثيق التمييز والعنف الطبقي وطرحهما على المستويين الوطني والدولي. وبعد سنوات قليلة، جاءت فرصة حمل القضية إلى العالم.
عندما علم نامالا ورفاقه بأن الأمم المتحدة تستعد لعقد مؤتمر عالمي لمناهضة العنصرية، كان ردهم، كما يتذكر: "يجب أن نكون هناك".
وخلال اجتماع تحضيري في بيلاجيو، وجد مطلبُ إدراج التمييز الطبقي على أجندة المؤتمر دعما من مشاركين، بينهم بيير ساني، الأمين العام لمنظمة العفو الدولية آنذاك.
وعندما وصل ناشطو الداليت إلى ديربان عام 2001، حملوا معهم الوثائق والشهادات والطبول ونظموا احتجاجاتهم، لتصبح قضية الطبقة واحدة من القضايا البارزة التي طرحها المجتمع المدني.
لكن عدة حكومات آسيوية عارضت إدراج التمييز الطبقي صراحة في إعلان وبرنامج عمل ديربان، معتبرة أن ذلك قد يستهدف دولا بعينها أو يمثل تدخلا في شؤونها الداخلية.
وفي النهاية، لم يتضمن الإعلان الاعتراف الصريح بالطبقة الذي سعى إليه الناشطون، لكن نامالا يرى أن المؤتمر منح قضية الداليت حضورا دوليا غير مسبوق ودفع بحقوقهم نحو قلب النقاش الدولي بشأن حقوق الإنسان.
ومن المشاهد التي بقيت في ذاكرة نامالا رد فعل بعض المشاركين عندما التقوا ناشطي الداليت. كان بعضهم يقترب منهم ويسأل بدهشة: "أنت من المنبوذين؟ دعني أعانقك". ويقول إن ذلك كشف عن إمكانية التضامن الإنساني المباشر مع أشخاص فرضت عليهم مجتمعاتهم وصمة متوارثة.
وكان أحد أهم الدروس التي خرج بها من ديربان أن المجتمعات المتضررة ينبغي أن تتحدث عن نفسها، وألا تُعامل بوصف أفرادها ضحايا أو مصادر للشهادات فقط، وإنما مدافعين وقادة لأنشطتهم الحقوقية.
ومع اتساع نشاطه، بدأ نامالا يرى أن تجربة الداليت، رغم خصوصيتها، تتقاطع في بعض أنماطها مع تجارب مجتمعات أخرى في أنحاء العالم. ويذكر من بينها الروما في أوروبا وخارجها، والبوراكومين في اليابان، والعبيد السابقين في منطقة الساحل الأفريقي، والأوسو في نيجيريا، والكويلومبولا في البرازيل وأمريكا اللاتينية. ويقول إنه أقام روابط مع مجتمعات ومدافعين في الصومال وإثيوبيا وكينيا والنيجر وموريتانيا ونيجيريا.
ويشدد على أن هذه المجتمعات ليست فئة واحدة، ولكل منها تاريخها وواقعها المختلفان، لكنه يرى بينها أنماطا بنيوية مشتركة، من بينها انتقال الوصمة والمكانة الاجتماعية عبر الأجيال، والفصل، والحرمان من الأرض والعمل اللائق، وحصر بعض الفئات في أعمال خطرة أو مهينة، إضافة إلى العنف ضد من يقاومون هذه الأوضاع.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة