آخر الأخبار

ما الذي يخشاه الأردن من الترتيبات الأمنية المحتملة في الجنوب السوري؟

شارك
SAM HARIRI/AFP via Getty Images)
فيسبوك (تويتر سابقا) شارك رابط
تم نسخ الرابط

عمّان، الأردن ( CNN )-- تتداخل الحسابات الأمنية والسياسية على طول الواجهة الشمالية للأردن، في وقت تسعى فيه قوى إقليمية إلى رسم قواعد الاشتباك في الجنوب السوري. وبرزت تداعيات اجتماع عمّان المغلق، الذي عقد في 23 آب/أغسطس المنصرم، في تفاعلات عدة أوساط محلية أردنية وسورية .

اللقاء الأمني الذي جمع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان، إلى جانب وفدين مرافقين، وجرى برعاية أردنية ووساطة أمريكية، لم يكن، وفق مراقبين، مجرد حراك دبلوماسي عابر، بل جاء في محاولة لاحتواء أي تصعيد ميداني في الجنوب السوري وتطويق أية ارتدادات أمنية من شأنها التأثير على الأردن أيضًا .

وفي هذا السياق، تُبرز ورقة تقدير موقف صدرت عن معهد السياسة والمجتمع (مركز دراسات وأبحاث أردني مستقل) في 4 أيلول/سبتمبر 2026، أهمية هذا التحرك الدبلوماسي وما أملته الضرورة الميدانية، عقب الاستهداف الإسرائيلي المباشر لمطار أبو الظهور شمال غربي سوريا .

وبحسب الورقة، التي شكلت خلاصة تحليلات خبراء سياسيين وأمنيين من الأردن، بمشاركة مركز عمران للدراسات الاستراتيجية ومقره دمشق (مؤسسة بحثية لتطوير السياسات العامة)، فإن اجتماع عمّان جاء بمثابة محاولة سورية-أمريكية لإعادة تفعيل المسار التفاوضي وتفادي الانهيار الكامل للتفاهمات السابقة التي أُعلن عنها ضمن "خلية باريس" مطلع العام، دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ العملي بفعل الرفض الإسرائيلي .

وتعتبر الاتجاهات التحليلية أن النجاح الحقيقي لاجتماع عمّان يكمن في قدرته على تقييد الفعل العسكري الإسرائيلي وإعادة الاستقرار تحت مظلة السيادة السورية، محذرة من مساعي تل أبيب لتحويل الجنوب إلى "خاصرة أمنية رخوة" تضعف قدرة دمشق على ضبط حدودها وتهدد الأمن القومي الأردني .

كما كشفت الورقة أن المقترح المطروح لإنشاء غرفة عمليات في عمّان بإشراف أميركي يهدف أساسًا إلى معالجة التنسيق الميداني العاجل وتطويق التوتر الإسرائيلي-التركي المباشر داخل الجغرافيا السورية .

هذا التخوف من فرض "واقع جديد" قبالة الحدود الشمالية للمملكة يجد صداه في قراءة المحللين الأردنيين؛ إذ يرى الباحث وأستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور بدر الماضي أن أمن الحدود الأردنية يرتبط بضرورة أن تكون عمّان "جزءًا أصيلًا من أية ترتيبات وتفاهمات أمنية مقبلة"، نظرًا لما يشكله الجنوب السوري من عمق حيوي مباشر للمملكة .

وينبه الماضي إلى الخطورة الاستراتيجية للتحركات الإسرائيلية، بالقول: "سيطرة إسرائيل أو تمدد نفوذها في الجنوب يعني عمليًا إعادة وصل محافظة السويداء بشمال فلسطين المحتلة"، موضحًا أن هذا المخطط يهدف إلى إيجاد واقع جيو-سياحي وأمني جديد يمتد على طول الحدود الأردنية .

ويشير الماضي، في حديث لموقع CNN بالعربية، إلى أن هذا المسار سيؤدي حتمًا إلى "تطويق الأردن جغرافيًا وأمنيًا من حدوده الغربية والشمالية"، وهو ما يشكل، وفق تقديره، محاولة لإضعاف الأردن وموقفه الأمني والسياسي في الملفين السوري والفلسطيني .

ولم يتراجع الأردن، خلال العامين الماضيين، عن الاستمرار في تطبيق استراتيجية الردع الخاصة به على الحدود الشمالية، المتعلقة بمواجهة عمليات تهريب الأسلحة والمخدرات، وتنفيذ سلاح الجو الأردني ضربات داخل الأراضي السورية استهدفت، بحسب بيانات رسمية سابقة، مواقع مرتبطة بشبكات تهريب، بالتنسيق مع الجانب السوري .

كما يضع الأردن، وفق قراءات سياسية وأمنية، السلوك الإسرائيلي في الجنوب السوري ضمن مستوى مرتفع من التهديد، خصوصًا في ظل المخاوف من توجهات لدى الحكومة الإسرائيلية اليمينية لإقامة كيان موالٍ لإسرائيل في الجنوب السوري .

ويرى الماضي، من جهته، بأن التعليق الأردني على استضافة الاجتماع في حينه أعطى انطباعًا بأنه تعاون مع الأمريكيين باتجاه خفض التصعيد، لكنه يؤكد أن الأردن يعمل على محاولة ضبط السلوك الإسرائيلي، ويرسل رسائل واضحة إلى الأمريكيين والإسرائيليين بأنه "لن يسمح بقيام إسرائيل باحتلال الجنوب السوري".

ويربط الماضي ذلك أيضًا بالضفة الغربية، معتبرًا أن ارتفاع وتيرة التهديدات بتهجير الفلسطينيين قد يحولها إلى مصدر تهديد جديد للأمن الوطني الأردني، الأمر الذي يجعل الأردن معنيًا بصورة مباشرة بالترتيبات المتعلقة بالجنوب السوري .

ويقول إن الانخراط الأردني في هذا المسار "مبرر ومفهوم"، مشيرًا إلى أن الأردن قد يذهب أبعد من ذلك إذا استمرت إسرائيل في تحويل ملف السويداء إلى ملف أمني يهدد الأمن القومي الأردني عبر ربطها بإسرائيل .

وفي المقابل، يرى الماضي أن مصادر التهديد المباشر القادمة من السويداء تراجعت بصورة كبيرة، مقدرًا انخفاضها بنحو 90%، خصوصًا مع تراجع عمليات التهريب إلى الأردن. لكنه يضع في مقدمة هواجسه ما يدور في السويداء من تلويح بارتباط الدروز بإسرائيل .

ويقول في هذا السياق: "إشكاليتي اليوم مع ما يدور في ذهن الدروز والقبضة الأمنية التي يقوم بها حكمت الهجري، ليصبح الأردن مرمى وهدفًا للدروز من خلال تواصلهم مع الإسرائيليين"، معتبرًا أن ذلك قد تستخدمه إسرائيل في مواجهة الأردن .

ويخشى الماضي من مخاوف أيضًا عودة تهجير أعداد كبيرة من سكان درعا والقنيطرة إلى الأردن، وتمكين قوى محلية من السيطرة على الجنوب السوري .

ويشير الماضي إلى استمرار القنوات الأمنية بين الأردن وإسرائيل ودول المنطقة، رغم تراجع التواصل السياسي الأردني مع إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، معتبرًا أن طبيعة التمثيل الإسرائيلي في اجتماع عمّان، والذي كان أمنيًا وليس سياسيًا، تعكس طبيعة الملف الذي يجري بحثه .

وفيما يتعلق بالدور الأمريكي، يرى الماضي أن الرهان على واشنطن وحدها "ليس خيارًا عقلانيًا"، رغم أهمية استمرار التواصل مع الولايات المتحدة وأوروبا، معتبرًا أن تغير الصورة النمطية عن إسرائيل لدى قطاعات من الرأي العام والمؤسسات الغربية يوفر مجالًا يمكن للأردن البناء عليه سياسيًا وأمنيًا وثقافيًا .

ووفق المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عاد نحو 220 ألف سوري من الأردن إلى سوريا حتى 31 تموز/يوليو 2026، فيما تواصل المفوضية دعم العودة الطوعية بالمساعدة النقدية واللوجستية، بينما تشير الأرقام الرسمية إلى 671 ألفًا من اللاجئين المسجّلين لدى الأمم المتحدة استضافتهم المملكة من بين 1.3 مليون .

وكان الأردن قد اتخذ، خلال السنوات الأخيرة، إجراءات سياسية وأمنية منفتحة تجاه الملف السوري، بالتوازي مع عودة قنوات التعاون مع دمشق، بما في ذلك بحث ملفات اقتصادية وحيوية مشتركة في المياه والطاقة والتجارة. وفي المقابل، ظلت محاولات تهريب المخدرات والأسلحة عبر الحدود الشمالية تمثل تحديًا أمنيًا للمملكة .

من جانبه، يرى الخبير الأمني والاستراتيجي عمر الرداد أن المقاربة الأردنية تجاه سوريا تقوم مبدئيًا على دعم الدولة السورية ووحدة أراضيها، ورفض أي حركات انفصالية أو مطالب بالحكم الذاتي على أساس طائفي أو ديني في الجنوب السوري، مع التأكيد على حقوق المواطنين السوريين، دون أن يعني ذلك تدخلًا في الشأن السوري .

ويقول الرداد إن الأردن "غير معني بتركيبة النظام السوري وأيديولوجيته ومرجعيته، ويتعامل معه ببراغماتية عالية جدًا"، لكنه يريد ضمانًا سياسيًا بأن تتمكن الدولة السورية من بسط سيطرتها على كامل أراضيها، وأن تتعامل مع الأردن باحترام وتفتح آفاقًا للتنمية والتعاون .

ويربط الرداد بين الأمن والاقتصاد، معتبرًا أن "الديكتاتورية أو الفوضى الداخلية بأي منطقة في سوريا تعني عدم قدرة الدولة المركزية على ضبط الأوضاع"، بما قد يتيح نشوء جماعات تعمل على تصدير الإرهاب أو السلاح .

وفي هذا السياق، يرى الرداد، في حديثه لموقع CNN بالعربية، أن الأردن يدعم تعزيز مركزية الدولة السورية وإنهاء ظاهرة "الجيوش الموازية"، مؤكدًا أن وجود مثل هذه القوى "مرفوض أردنيًا".

ويولي الأردن، بحسب الرداد، أهمية خاصة للجنوب السوري الممتد من درعا ودمشق إلى التنف شرقًا، والقنيطرة وحدود الجولان غربًا، باعتباره "جزءًا لا يتجزأ من الأمن الوطني الأردني".

وأشار إلى أن استقرار هذه المنطقة ينعكس على الأردن أمنيًا، ويفتح في الوقت نفسه المجال أمام مشاريع تنموية وتبادل تجاري واقتصادي .

لكن المشهد في الجنوب، وفق الرداد، "معقد ومركب بسبب دخول العامل الإسرائيلي"، في ظل المخاوف من أن يؤدي تغير موازين النفوذ في سوريا إلى استبدال نفوذ إيراني سابق بنفوذ تركي .

وفي المقابل، يشير الرداد إلى التحولات التي طرأت على موقع القيادة السورية الجديدة، قائلًا إنه "لا يمكن الاستمرار في الحديث عن أحمد الشرع باعتباره الجولاني"، في ضوء ما يصفه بانفتاح القيادة الجديدة على المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة، والتطورات التي طرأت على وضع سوريا الدولي .

وبشأن التصعيد الإسرائيلي، يقول الرداد إن سوريا تتعرض لضربات متتالية واختراقات لخط الهدنة، لكنها لم تبادر إلى رد عسكري فعلي، معتبرًا أن القيادة السورية تدرك أن "الوقت ليس لصالحها لخوض معركة مع إسرائيل"، وتسعى حاليًا إلى العودة إلى ترتيبات الهدنة السابقة .

ويرى أن تطورات مسار الترتيبات الأمنية السورية-الإسرائيلية قد تتوسع ضمن هذا الإطار، وقال: "لا أعتقد أنها ستذهب بعيدًا"، مرجحًا أن يكون الهدف هو العودة إلى خط الهدنة لعام 1974، بينما يبقى الحديث عن معاهدة سلام وتطبيع كامل "مبكرًا"، لارتباطه بمستقبل الجولان .

ويربط الرداد مستقبل التطبيع السوري والإقليمي بدرجة كبيرة بالموقف السعودي، قائلًا إن ذلك "سيكون مرتبطًا بالدرجة الأولى، إلى جانب الوضع الداخلي، بمستقبل التطبيع السعودي تحديدًا مع إسرائيل"، في ظل استمرار اشتراط الرياض إحراز تقدم في القضية الفلسطينية وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس .

ويضيف أن المنطقة لا تزال "في منطقة رمادية ليس فيها يقين حتى اللحظة"، بانتظار مآلات الوضعين الإسرائيلي والفلسطيني، إلى جانب تطورات النظام الإيراني وأذرعه في المنطقة .

وأكد الرداد أن الأردن معني بأن يكون حاضرًا في أي ترتيبات تتعلق بسوريا وإسرائيل، ولا سيما الجنوب السوري، لأن "أهمية الجغرافيا ليست مرتبطة بقرب المكان فقط، بل بالأمن الوطني الأردني".

ويشير إلى أن الاجتماع تناول تشكيل غرفة عمليات للتنسيق الأمني، وبحث مناطق عازلة ومناطق أمنية، معتبرًا أن ذلك يستوجب أن "يكون للأردن اطلاع كبير" في ظل ما يراه من تنامي مخاوف المملكة إزاء الخطاب الإسرائيلي بشأن "إسرائيل الكبرى" وموقف اليمين الإسرائيلي من الأردن .

ويشدد الرداد على أن البعد الأمني في الجنوب السوري يختلف عن الملفات الاقتصادية والخدمية، قائلًا: "القضية في الجنوب السوري هي ملف أمني، ويُدار من قبل الأردن والأجهزة الأمنية"، في ظل وجود مصادر تهديد محتملة داخل سوريا، وإن كان حجمها، بحسب تقديره، أقل مما كان عليه في السابق .

ويخلص إلى أن المقاربة الأردنية تقوم على عدم استبدال تهديد بآخر، قائلًا: "كما تقول إسرائيل إنها لا تريد أن يُستبدل نظام في سوريا موالٍ لإيران بنظام موالٍ لتركيا، نحن لا نريد أن يُستبدل التهديد الإيراني بتهديد إسرائيلي أيضًا في المنطقة. هذه هي المقاربة".

سي ان ان المصدر: سي ان ان
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا روسيا إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا