في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بعد أشهر من تعثر الجهود الدبلوماسية، تعود الولايات المتحدة إلى واجهة مساعي إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، في محاولة جديدة لاختبار فرص التوصل إلى تسوية تنهي نزاعا مستمرا منذ أربعة أعوام، من دون أن تبدو حتى الآن مؤشرات واضحة على استعداد موسكو وكييف لتقديم التنازلات المطلوبة.
ووصل مبعوثا الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى موسكو في مستهل جولة تشمل لاحقا كييف، حاملين مقترحا قالت واشنطن إنه يهدف إلى إنهاء الحرب، من دون الكشف عن تفاصيله. وفي المقابل، دعت موسكو الولايات المتحدة إلى مراعاة ما تصفه بـ"الحقائق على الأرض" عند بحث أي تسوية.
وتزامن التحرك الأمريكي مع إعلان أوكرانيا وقف العمليات العسكرية لمدة ثلاثة أيام، في خطوة يمكن النظر إليها باعتبارها بادرة حسن نية تجاه المسار الدبلوماسي، لكنها لا تبدد الفجوة الكبيرة بين مواقف طرفي الحرب.
يرى كبير الباحثين في المجلس الأمريكي للسياسة الخارجية جيمس روبنز ضمن مداخلته في برنامج "ما وراء الخبر" أن التحرك الأمريكي لا يرتبط بالضرورة بتغير جوهري في مواقف موسكو أو كييف، بل يأتي في سياق محاولات متكررة قامت بها واشنطن لإنهاء الحرب.
ويشير روبنز إلى أن الحرب شهدت خلال الفترة الأخيرة تصعيدا شمل استهداف البنية التحتية المدنية، إلى جانب امتداد تداعياتها إلى مناطق أخرى، مع تسجيل حوادث مرتبطة بالطائرات المسيرة والمتفجرات في دول أوروبية. كما يربط التحرك الأمريكي بالسياق الإقليمي الأوسع، ولا سيما استمرار الحرب في إيران وعلاقة روسيا بها، معتبرا أن لدى واشنطن مصلحة في الحد من استمرار الدعم الروسي لطهران.
لكن العامل الأبرز، وفق هذه القراءة، هو طول أمد الحرب من دون تحقيق تحول حاسم على الجبهات، في ظل استمرار الخسائر البشرية. ومن ثم، تبدو واشنطن أمام محاولة جديدة لإعادة اختبار إمكانية فتح نافذة تفاوضية قبل أن تستنزف الحرب مزيدا من الموارد وتزيد مخاطر اتساع نطاقها.
ولا يبدو أن الرهان الأمريكي يقتصر على معالجة الخلافات المتعلقة بالأراضي. فبحسب روبنز، قد تحمل الجولة الجديدة مقترحات ذات أبعاد اقتصادية ومالية، تشمل إعادة الإعمار والتنمية بعد الحرب، إلى جانب احتمال تقديم تمويل أمريكي ورفع العقوبات واستخدام أدوات اقتصادية أخرى لإقناع الطرفين بالانخراط في التسوية.
وتتعامل موسكو بحذر مع الوساطة الأمريكية، وفق الباحث السياسي والاستراتيجي رولاند بيجاموف، الذي يرى أن روسيا لا تتوقع اختراقا كبيرا من زيارة ويتكوف وكوشنر، لكنها في الوقت نفسه لا تغلق باب التفاوض. وتتمسك موسكو، بحسب بيجاموف، بشروطها المتعلقة بالتسوية، وبما تعتبره تفاهمات وضمانات سابقة، إضافة إلى تنفيذ الشروط التي تقول روسيا إنها كانت من أسباب بدء عمليتها العسكرية. ولذلك تبدو التسوية، من وجهة نظره، شديدة الصعوبة، وإن كان فتح الباب أمام الدبلوماسية يمثل تراجعا نسبيا عن منطق العسكرة.
ويضيف بيجاموف أن موسكو تراقب أيضا البيئة الأمنية المحيطة بها، في ظل تصاعد التوتر مع أوروبا وحلف شمال الأطلسي، من البحر الأسود إلى بحر البلطيق ومنطقة القطب الشمالي. وهو ما يجعل أي تسوية في أوكرانيا مرتبطة، بصورة أو بأخرى، بالحسابات الأمنية الروسية الأوسع.
أما الجانب الأوكراني، فينظر إلى المبادرة الأمريكية بقدر كبير من الشك. ويصف الدبلوماسي الأوكراني السابق فلودومير شوماكوف الزيارة بأنها محكومة بالفشل، معتبرا أن إدارة ترمب لا تمتلك، في تقديره، روافع كافية لإجبار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على تقديم تنازلات.
وترى كييف أن أي تسوية لا يمكن أن تقوم على الاعتراف بالسيادة الروسية على الأراضي التي سيطرت عليها موسكو، كما ترفض الانسحاب من الأراضي التي لا تزال تحت سيطرتها. وفي المقابل، تؤكد ضرورة أن تتضمن أي اتفاقات مستقبلية ضمانات أمنية تمنع تجدد الحرب.
ويبرز هنا خيار تجميد القتال على خطوط التماس باعتباره أحد السيناريوهات الممكنة. ويشير روبنز إلى أن وقفا طويل الأمد لإطلاق النار، يتبعه تفاوض سياسي مطول بشأن القضايا العالقة، قد يكون صيغة واقعية مقارنة بمحاولة الوصول فورا إلى اتفاق سلام نهائي.
غير أن هذا الخيار يواجه عقبة أساسية تتمثل في انعدام الثقة. فبيجاموف يرى أن موسكو لا تقبل تجميد خطوط القتال في ظل غياب الثقة الكاملة بين الطرفين، بينما يرى الجانب الأوكراني أن تجميد الوضع القائم لا ينبغي أن يتحول إلى تكريس للسيطرة الروسية على الأراضي المحتلة.
وتبقى قضية الأراضي والضمانات الأمنية في صلب المأزق التفاوضي. فروسيا تتمسك بمطالب إقليمية وبشروط أمنية تتعلق بمستقبل أوكرانيا وعلاقتها بحلف الناتو، بينما تعتبر كييف أن التخلي عن أراض أو الاعتراف بسيادة روسيا عليها أمر غير مقبول.
ويضيف شوماكوف أن الدستور الأوكراني يحظر التنازل عن الأراضي، ما يجعل أي ضغوط خارجية باتجاه هذا الخيار شديدة الحساسية داخليا. كما يشكك في قدرة واشنطن على إجبار كييف على تقديم تنازلات جوهرية.
وفي المقابل، يرى روبنز أن المعضلة لا تتعلق فقط بما يمكن أن تقدمه أوكرانيا أو روسيا، وإنما بقدرة كل طرف على تحمل استمرار الحرب. ومن هنا يأتي التفكير في هدنة طويلة أو تجميد مؤقت للنزاع باعتباره محاولة لمنح الدبلوماسية وقتا أطول لمعالجة القضايا الأكثر تعقيدا.
ولا تتوقف تداعيات تعثر التسوية عند حدود روسيا وأوكرانيا، إذ يحذر بيجاموف من أن استمرار التوتر قد يفتح الباب أمام مواجهة أوسع بين روسيا والدول الأوروبية وحلف الناتو. ويشير إلى المخاوف الروسية من تطورات عسكرية في مناطق مثل كالينينغراد، في ظل تصاعد الخطاب الأوروبي بشأن التعامل مع الجيب الروسي، محذرا من أن تحول المواجهة إلى حرب تقليدية مباشرة بين موسكو والناتو سيكون سيناريو بالغ الخطورة.
وفي المقابل، يرى شوماكوف أن الدول الأوروبية باتت تعزز قدراتها العسكرية نتيجة ما تعتبره تهديدات روسية متكررة، بينما يذهب إلى أن المخاوف من التصعيد الروسي تؤثر في مستوى استجابة دول الناتو للحوادث الأمنية المرتبطة بالحرب.
تبدو واشنطن أمام اختبار صعب: هل تستطيع تقديم صيغة تجعل وقف القتال مقبولا لموسكو وكييف معا، أم أن اتساع الفجوة بين شروط الطرفين سيجعل المبادرة الجديدة مجرد جولة أخرى من المفاوضات؟
فالولايات المتحدة تراهن، وفق الطرح المطروح في النقاش، على أن طول الحرب وتكاليفها قد يدفعان الطرفين إلى إعادة النظر في حساباتهما، وربما القبول بهدنة طويلة أو تجميد مؤقت للجبهات، يتبعه تفاوض على القضايا السياسية والأمنية الأكثر تعقيدا.
لكن العقبة لا تزال في غياب الثقة وتعارض التصورات بشأن مستقبل الأراضي الأوكرانية والضمانات الأمنية. وبينما تعتبر موسكو أن أي تسوية يجب أن تنطلق من موازين القوى والوقائع الميدانية، ترى كييف أن السلام لا يمكن أن يقوم على التنازل عن السيادة.
لذلك، فإن نجاح الوساطة الأمريكية لن يقاس بمجرد عقد اللقاءات، بل بقدرتها على تضييق هذه الفجوة وتحويل الهدنة المؤقتة إلى مسار تفاوضي قابل للاستمرار. أما فشلها، فقد يعني عودة التصعيد إلى الواجهة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انتقال الحرب من الساحة الأوكرانية إلى مواجهة أوسع بين روسيا والغرب.
المصدر:
الجزيرة