يوم السبت 29 أغسطس/آب، اختطف مستوطنون مواطنا بريطانيا في أم الخير من بؤرة استيطانية مجاورة، وفي يوليو/تموز من العام الماضي، قتل عودة الهذالين على يد أحد المستوطنين.
وتعد هذه الحوادث مثالا صارخا على الوضع الأوسع الذي يواجهه الفلسطينيون في الضفة الغربية المحتلة.
وبموجب القانون الدولي، تقع على عاتق إسرائيل -بصفتها القوة المحتلة- مسؤولية حماية الفلسطينيين الخاضعين لسيطرتها. لكن قوات الأمن التابعة للقوة المحتلة تتلقى تعليمات بحماية الإسرائيليين فقط، أولئك الإسرائيليون الذين نقلوا بشكل غير قانوني من إسرائيل إلى البؤر الاستيطانية والمستوطنات غير القانونية في فلسطين المحتلة.
وتظهر الأدلة أن نتنياهو ووزراءه الأقوياء من دعاة تفوق العرق اليهودي، ومن بينهم سموتريتش وبن غفير، يراهنون بكل شيء في القدس الشرقية وبقية الضفة الغربية، ويبذلون قصارى جهدهم لحرمان الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير المصير.
في 22 أغسطس/آب، وجه 50 سفيرا بريطانيا متقاعدا و52 من نظرائهم الفرنسيين رسالة إلى آندي بيرنهام وإيمانويل ماكرون يدعون فيها إلى التحرك
وعنف المستوطنين ليس عشوائيا، إنه عنف وحشي ومنسق إستراتيجيا بهدف تهجير المجتمعات الفلسطينية قسرا من أراضي أجدادهم، للسماح للمستوطنات بالتوسع لملء الفراغ.
لذلك، لم يعد السؤال يقتصر على ما يحدث فحسب، بل أصبح ما الذي تنوي بريطانيا فعله حيال ذلك.
تتحمل بريطانيا مسؤوليات تاريخية تجاه تحسين أوضاع الفلسطينيين، تعود إلى ما قبل إعلان بلفور، مرورا بسلوكها وسوء سلوكها خلال فترة الانتداب حتى عام 1948، عليها أن تتحرك، فقد كفى كلاما.
وقد وجه دبلوماسيون سابقون الآن دعوة صريحة لاتخاذ إجراءات.
في 22 أغسطس/آب، وجه 50 سفيرا بريطانيا متقاعدا و52 من نظرائهم الفرنسيين رسالة إلى آندي بيرنهام وإيمانويل ماكرون يدعون فيها إلى التحرك.
ودعوا إلى تنفيذ قرارات محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، وتعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل واتفاقية التجارة والشراكة بين المملكة المتحدة وإسرائيل؛ وفرض حظر على جميع أشكال التجارة مع المستوطنات، سواء كانت سلعا أو خدمات، بما في ذلك التأمين والاستثمار والخدمات المالية الأخرى.
كما دعوا إلى السماح بدخول المساعدات إلى غزة دون قيود، مع فرض عقوبات في حالة عدم الامتثال، فضلا عن السماح بدخول الصحفيين وأعضاء البرلمان؛ واتخاذ تدابير لمنع المواطنين الفرنسيين والبريطانيين من شراء العقارات في المستوطنات؛ وسحب الصفة الخيرية من "المنظمات الخيرية " التي تمول المستوطنات.
ويجعل مشروع "إي-1 " الطابع الملح لهذه المطالب أكثر وضوحا.
فمستوطنة "إي-1 " هي واحدة من مستوطنات عديدة، لكنها الأسوأ على الإطلاق بسبب موقعها الجغرافي، الذي يفصل القدس الشرقية عن المناطق المحيطة بها في الضفة الغربية، كما يقسم الضفة الغربية بين شمالها وجنوبها.
وهي تشكل "خطا أحمر " بالنسبة للمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا والدول الأخرى التي تشاطرها الرأي.
وعلى الحكومة البريطانية الآن أن توضح ما الذي سيعنيه تجاوز هذا الخط الأحمر.
مستوطنة "إي1 " هي واحدة من مستوطنات عديدة، لكنها الأسوأ على الإطلاق بسبب موقعها الجغرافي، الذي يفصل القدس الشرقية عن المناطق المحيطة بها في الضفة الغربية، كما يقسم الضفة الغربية بين شمالها وجنوبها.
وعليها أن تعلن الآن أنها ستفرض عقوبات على أي مقدم عطاء لتمويل أو بناء مشروع " إي 1 ".
يعد مشروع "إي 1 " جزءا من إستراتيجية حكومة نتنياهو الرامية إلى "دفن " دولة فلسطين، التي اعترفت بها في سبتمبر/أيلول الماضي كل من المملكة المتحدة وفرنسا وكندا وأستراليا ودول أخرى.
ولتحويل هذا الاعتراف إلى واقع ملموس، يجب إنهاء الاحتلال غير القانوني الذي بدأ عام 1967، وتعمل الحكومة الإسرائيلية جاهدة على ترسيخ هذا الاحتلال.
وهذا يطرح السؤال المحوري: هل مشروع "إي 1 " يمثل نقطة تحول؟
ترغب حكومة نتنياهو في أن يكون نقطة تحول، ولا يمكن السماح لها بالنجاح في ذلك.
بالنسبة لبريطانيا، يجب أن تبدأ الإجابة باتخاذ إجراء جماعي.
إن الإجراء الأكثر فعالية الذي يمكن للحكومة البريطانية اتخاذه هو تشكيل تحالف من الدول الراغبة في المشاركة، يجب على بريطانيا أن تعمل مع شركائها، لأن العمل المشترك له تأثير أكبر.
ينبغي للحكومة البريطانية أن تتشاور عن كثب مع فرنسا وكندا وأستراليا والنرويج وإسبانيا وأيرلندا وبلجيكا وهولندا، فضلا عن الدول العربية والإسلامية ومنظمة الفرانكوفونية والكومنولث.
وهناك أيضا حجة دبلوماسية مهمة يجب طرحها في واشنطن.
ينبغي لبريطانيا أن تقنع الرئيس ترمب بأن هذا الإجراء يهدف إلى وقف ضم الضفة الغربية، وهو ما يقول ترمب إنه يعارضه.
إن الإجراءات التي اقترحها السفراء السابقون ستتجاوز بكثير مجرد الإعراب عن القلق.
الخيار الذي يواجه بريطانيا يزداد حدة يوما بعد يوم، فإما أن تستمر في الإعراب عن قلقها بينما يستمر توسيع المستوطنات وترسيخ الاحتلال، أو أن تستخدم نفوذها الدبلوماسي والاقتصادي جنبا إلى جنب مع شركائها لمحاولة منع الوضع من أن يصبح لا رجعة فيه
فالتدابير التي دعا إليها 102 من السفراء السابقين من المملكة المتحدة وفرنسا تنطوي على فرض عقوبات على الاقتصاد الإسرائيلي، وحظر نقل الأسلحة إلى إسرائيل.
لا نعرف إلى أي مدى سيذهب السيد ميليباند، فقد تكون الإجراءات المعلنة تدريجية، لكنها يجب أن تكسر القاعدة غير المكتوبة التي تنص على أنه لا ينبغي فرض عقوبات على إسرائيل.
وتتجاوز المخاطر حدود الضفة الغربية نفسها.
فمسار العمل الذي تسلكه إسرائيل لن يجلب السلام لا للإسرائيليين، ولا للفلسطينيين، ولا للبنانيين، ولا للسوريين، ولا للأردنيين، ولا للمصريين، ولا لغيرهم. وما لم تغير إسرائيل مسارها، فلن يكون هناك استقرار في المنطقة أبدا.
وهناك خطر آخر لا يمكن تجاهله.
من المهم لفت الانتباه إلى خطر اندلاع أزمة تتعلق بالمسجد الأقصى، الذي يخضع للحماية الأردنية لكنه يتعرض للتهديد من بن غفير، فهذا الداعي لتفوق العرق اليهودي يلعب بالنار.
وبالتالي، فإن الخيار الذي يواجه بريطانيا يزداد حدة يوما بعد يوم، فإما أن تستمر في الإعراب عن قلقها بينما يستمر توسيع المستوطنات وترسيخ الاحتلال، أو أن تستخدم نفوذها الدبلوماسي والاقتصادي جنبا إلى جنب مع شركائها لمحاولة منع الوضع من أن يصبح لا رجعة فيه.
تعد منطقة "إي 1 " اختبارا لمدى استعداد بريطانيا وحلفائها للتحرك، وترغب حكومة نتنياهو في أن تكون هذه المنطقة نقطة تحول، ولا يمكن السماح لها بالنجاح في ذلك.
نأمل أن يتخذ السيد ميليباند إجراءات في الشهر المقبل.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة