بكل ما يملك من مهارة دبلوماسية وسياسية، لم يكن بوسع مبعوث الرئيس الأمريكي وسفيره في أنقرة، أن يجد مبررا منطقيا ومقبولا للهجوم الإسرائيلي على مطار أبو الظهور السوري، في الثاني والعشرين من أغسطس/آب. وقال بصريح العبارة إن معلومات أجهزتنا الاستخبارية تؤكد أن ادعاءات الحكومة الإسرائيلية باحتمال نقل تركيا لأصول عسكرية إلى القاعدة الجوية التي تبعد نحو 400 كيلومتر عن حدود إسرائيل لم تكن صحيحة على الإطلاق.
اعتبر الهجوم من طرف معظم الدول في العالم عملا غير مبرر يمثل اعتداء على السيادة السورية. لكن أكثر ما أثار قلق نتنياهو هو موقف ترمب وإدارته التي تبنت في وقت مبكر نهجا مغايرا للسلوك الإسرائيلي حيال التغيير الكبير الذي وقع في سوريا قبل أكثر من سنتين.
نتنياهو، وفق تقديرات أمنية وسياسية مطلعة، يحاول في هذه المرحلة فعل كل ما يراه ضروريا لخدمة أجندته الانتخابية، والتظاهر بتحقيق إنجاز إستراتيجي في سوريا يعد بالنسبة له مناسبة لخلق مثل هذا الوهم بنجاح زائف.
فخلال يونيو/حزيران الماضي فقط شن جيشه نحو 300 عملية في درعا والقنيطرة لفرض واقع في الجنوب السوري يخدم مصالح المجموعات الانفصالية التابعة للزعيم الدرزي حكمت الهجري الموالي لتل أبيب.
بيد أن هذا التصعيد حمل نتائج غير متوقعة بالنسبة لنتنياهو، إذ أدرك بعد وقت قصير من وقوع الهجوم أن ليس هذا هو الوقت المناسب لإغضاب ترمب، فيما يحتاج فعلا لاسترضائه، أملا بالحصول على دعمه العلني في انتخابات الكنيست.
وفي سعي من واشنطن لجعل الهجوم نقطة تحول، لا تصعيد في المنطقة، لجأت مجددا لعمّان لترتيب استضافة جولة مفاوضات مباشرة بين الجانبين السوري والإسرائيلي، بعد 48 ساعة فقط على حادث القاعدة الجوية.
حكومة الرئيس أحمد الشرع امتلكت منذ البداية الشجاعة للدخول في مفاوضات مع إسرائيل رغم عدم وجود علاقات بين الطرفين. كانت أولوياتها في هذه المرحلة الانتقالية، خوض مفاوضات مع الجميع لاستعادة وحدة الأراضي السورية، وخروج القوات الأجنبية من أنحاء سوريا كافة
الأردن الذي كان من أوائل الداعمين للحكومة السورية الجديدة، وأكثر الأطراف تمسكا بحقها في السيادة الكاملة على ترابها الوطني، ووحدة شعبها، وجد نفسه وفي وقت مبكر في اتفاق تام مع الأجندة الأمريكية بهذا الملف، ودعم كل الجهود التي تصب في اتجاه تحقيق أهداف السوريين في الوحدة والسيادة الكاملة، وعارض بشدة أي احتلال إسرائيلي لأرض سورية بعد الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، وطالب بانسحاب فوري منها.
في وقت سابق من هذا العام كانت عمّان قد انخرطت في جهود دبلوماسية مكثفة مع الجانبين السوري والأمريكي، لإبرام تفاهمات في السويداء بعد الأحداث المؤسفة التي وقعت هناك. وتم بالفعل التوصل إلى مثل هذا الاتفاق. الحكومة السورية التزمت بتنفيذ الشق الخاص بها من الاتفاق، فيما تحدت مليشيات الهجري الموالية لحكومة نتنياهو إرادة المجتمع الدولي الذي دعم الاتفاق، مما حال دون تطبيق كامل لبنوده، وبقاء الأزمة مفتوحة.
بالنسبة لإدارة ترمب كانت القناة الأردنية السورية النشطة أفضل الطرق المتوفرة لإدارة الخلافات الإقليمية حول سوريا، وضمان تحقيق الأمن والاستقرار فيها.
ثمة تجربة قديمة للرئيس ترمب في إدارته الأولى مع الأردن، حيث لجأ سنة 2017 لعمّان لاستضافة مفاوضات أمريكية روسية، أفضت لوقف إطلاق نار في الجنوب السوري. وأظهر ذلك في وقته الدور المهم الذي يمكن أن يلعبه الأردن لأجل استقرار الإقليم وتجنب التصعيد.
كانت المفاوضات السورية الإسرائيلية قد بدأت العام الماضي في باريس؛ بهدف التوصل إلى اتفاق أمني مؤقت، يضمن انسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي السورية التي احتلها بعد سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024. لكن بسبب التعنت الإسرائيلي، وبدء الحرب على إيران توقفت تلك المفاوضات.
حكومة الرئيس أحمد الشرع امتلكت منذ البداية الشجاعة للدخول في مفاوضات مع إسرائيل رغم عدم وجود علاقات بين الطرفين. كانت أولوياتها في هذه المرحلة الانتقالية، خوض مفاوضات مع الجميع لاستعادة وحدة الأراضي السورية، وخروج القوات الأجنبية من أنحاء سوريا كافة.
حكومة نتنياهو كانت ولا تزال على قناعة بأن من غير الممكن التوصل لاتفاق شامل مع الشرع، ما لم يشمل انسحابا كاملا من هضبة الجولان المحتلة. ومن الأفضل التركيز على اتفاق مرحلي بضمانات أمريكية ودولية، وفق رؤية واشنطن.
شهد اجتماع عمّان الأخير الذي استمر لساعات، وفق مصادر رسمية مطلعة، نقاشا عميقا لملف الجنوب السوري وما حصل في مطار أبو الظهور. واتسمت مواقف الوفد السوري الذي ترأسه وزير الخارجية أسعد الشيباني وضم مديري أجهزة استخبارية وأمنية، بالجدية والندية والوضوح التام في المواقف حيال مختلف القضايا.
ومن الواضح أن وجود رئيس الموساد رومان غوفمان على رأس الوفد الإسرائيلي، يعكس رغبة المؤسسات الأمنية والعسكرية في إسرائيل في تبني مقاربة جديدة للعلاقة مع سوريا، أقل تأثرا باحتياجات حكومة نتنياهو الانتخابية. مقاربة تغلق جبهة قد تفتح على تداعيات خطيرة في وقت تواجه فيه إسرائيل أثقال حرب متعددة الجبهات، ليس أقلها الحساب المفتوح على كل الاحتمالات مع إيران وأذرعها في المنطقة.
عمّان في استضافتها الاجتماع الأخير، لا تكتفي بدور محايد، إنما تسعى بتنسيق مع الجانب الأمريكي، إلى البناء على مخرجات اجتماع عمّان لإحياء مسارات المفاوضات السورية الإسرائيلية، وفق منظومة المصالح السورية، للوصول إلى اتفاق يضمن انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها بعد الثامن من ديسمبر/كانون الأول
كانت واشنطن قد عرضت بعد جولة مفاوضات سابقة بين الجانبين السوري والإسرائيلي، تأسيس غرفة عمليات مشتركة في الأردن للتعامل مع التطورات الطارئة على المستويين الأمني والعسكري ومعالجتها قبل استفحالها.
تعامل الأردن مع المقترح بشكل إيجابي، كما استقبله الجانب السوري بالترحيب، لكن حكومة نتنياهو كعادتها تجاهلت الرد عليه، وراهنت على فرض الأمر الواقع بما يخدم إستراتيجيتها الرامية لإبقاء الأزمة مفتوحة في سوريا وتأجيج الخلافات الداخلية وصولا لهدفها المعلن؛ سوريا مفتتة وضعيفة وفي حالة صراع داخلي دائم كما كانت في عهد الأسد.
يبدو أن هذه الإستراتيجية اليوم قد اصطدمت بوقائع لا يمكن تجاهلها. سوريا اليوم أكثر وحدة من أي وقت مضى. الإعلان الأخير لقائد قوات سوريا الديمقراطية "قسد" مظلوم عبدي عن حل قواته ودمجها بالجيش السوري، وبسط الدولة السورية سيطرتها على كامل الأراضي السورية، هو خير مثال على اقتراب الحكومة السورية من إنجاز الوحدة الكاملة للبلاد.
ومن قبله الاتفاق مع الجانب الروسي على إعادة تعريف دور الوجود العسكري الروسي في قاعدة حميميم الجوية واستعادة السيطرة على مناطق ساحلية واسعة كانت تحت إدارة الروس إبان حكم الأسد.
وعمّان في استضافتها الاجتماع الأخير، لا تكتفي بدور محايد، إنما تسعى بتنسيق مع الجانب الأمريكي، إلى البناء على مخرجات اجتماع عمّان لإحياء مسارات المفاوضات السورية الإسرائيلية، وفق منظومة المصالح السورية، للوصول إلى اتفاق يضمن انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها بعد الثامن من ديسمبر/كانون الأول، ووقف الهجمات على مناطق في الجنوب السوري.
أردنيا يمكن القول إن معالجة جذر الأزمة في السويداء يكمن في إنهاء الدور الإسرائيلي في الجنوب السوري، ما يترك الجماعات الانفصالية التي تراهن على الدعم الإسرائيلي بلا غطاء عسكري وأمني، ويبدد بشكل كلي أوهام الكيان المستقل، بما يتعارض كليا مع إستراتيجية الأمن القومي الأردني المحدثة، التي تعتبر وحدة سوريا أرضا وشعبا مصلحة وطنية وأمنية أردنية.
وقد تفتح مفاوضات جادة برعاية أمريكية كاملة أعين الجانب الإسرائيلي على أهمية الاتفاق مع دمشق كمدخل لوقف التصعيد مع تركيا، بل والتفاهم معها مستقبلا. ونتنياهو بحاجة ماسة لمثل هذا الإنجاز أيضا.
لهذه الاعتبارات وسواها، ثمة شعور دبلوماسي بالتفاؤل حيال إمكانية الوصول إلى اتفاق مؤقت مع دمشق، خلال فترة قريبة. هذا إذا لم تطغ حسابات نتنياهو الانتخابية على المصالح الأمريكية والإقليمية.
إنجاز مثل هذا الاتفاق وانسحاب إسرائيل من الأراضي السورية، يعني القضاء على أكبر وأخطر تهديد لوحدة سوريا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة