بات المبعوث الأميركي توم برّاك في صدارة المشهد الإقليمي، بعدما ظهرت التوترات بين إسرائيل وتركيا إلى العلن، على خلفية الغارات الإسرائيلية الأخيرة على شمال سوريا.
وفي مقال تحليلي نشرته صحيفة "جيروزاليم بوست"، تناول كبير مراسليها ومحلليها لشؤون الشرق الأوسط سيث جي. فرانتزمان الدور الذي يؤديه برّاك في السياسة الأميركية تجاه سوريا، والتحديات التي تفرضها التوترات الإسرائيلية-التركية بشأن هذا البلد.
بحسب المقال، اعتقد الحكام الجدد في سوريا أن بإمكانهم التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل ، لكن الاتصالات الأولية لم تؤدِّ إلى إبرام اتفاق.
وظل الملف السوري حاضرًا خلال أزمات عدة شهدها عام 2025، إلى أن تمكنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من جمع الأطراف في اجتماع ثلاثي في كانون الثاني/يناير 2026. لكن الاجتماع لم ينهِ التوترات بين إسرائيل وسوريا، ولا الخلافات بين إسرائيل وتركيا بشأن سوريا.
وظهرت هذه التوترات بوضوح خلال الشهر الجاري، مع شنّ إسرائيل غارات جوية على شمال سوريا، ما وضع برّاك، الذي يؤدي دورًا مهمًا في الملف السوري منذ العام الماضي، في صدارة المشهد.
وكان برّاك يفضّل سابقًا العمل بعيدًا نسبيًا عن الأضواء، إلا أنه بات في واجهة المشهد عقب الغارات الإسرائيلية الأخيرة.
أشاد برّاك باتفاقات الطاقة في سوريا، وساعد في تمهيد الطريق أمام اندماج "قوات سوريا الديمقراطية" المدعومة من الولايات المتحدة في القوات الأمنية التابعة للحكومة السورية الجديدة.
ويرجّح فرانتزمان أن برّاك أسهم أيضًا في توجيه السياسة الأميركية بشأن العراق، ولا سيما في ما يتعلق بنزع سلاح الفصائل المدعومة من إيران ودعم رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي، مع حرصه على عدم إضفاء طابع شخصي مفرط على هذه السياسات البالغة التعقيد.
ويشير المقال إلى أن التعامل مع العراق وسوريا مهمة شاقة لا تحظى بالكثير من التقدير، إذ يمرّ البلدان بمرحلتين انتقاليتين ويقعان عند ملتقى طرق بلاد الشام.
كما شكّل البلدان مركزًا للتهديدات الإرهابية والحرب على تنظيم "داعش" والتنافس بين إيران والولايات المتحدة وروسيا وتركيا ودول أخرى، حتى إن الصين منخرطة في هذا المشهد.
وسبق أن عاين مسؤولون أميركيون آخرون مدى صعوبة هذه الملفات، من بينهم بريت ماكغورك والسفير جيمس جيفري، إضافة إلى المبعوث الأميركي السابق إلى سوريا جويل رايبورن، والسفير وليام روباك الذي شغل منصب نائب المبعوث الخاص للتحالف الدولي ضد "داعش".
تسلّم برّاك مهمته بعدما سبقه مسؤولون أميركيون عاينوا عن قرب تعقيدات السياسة الأميركية في سوريا والعراق، والتي وصفها المقال بأنها أشبه بـ"العقدة الغوردية".
ويواجه برّاك اليوم حقل ألغام جديدًا يتمثل في التوترات بين إسرائيل وتركيا، وهي مهمة تزداد صعوبة بسبب ميل السياسة الأميركية تجاه إسرائيل إلى أن تكون منفصلة عن بعض السياسات الإقليمية الأميركية الأوسع.
كما سبق أن تعرّض مسؤولون أميركيون أدّوا أدوارًا رئيسية في سياسة ترامب تجاه إسرائيل خلال عام 2025 لانتقادات إعلامية، ومن بينهم ستيف ويتكوف، الذي أدى دورًا رئيسيًا في إعادة الرهائن، إلى جانب أدواره في السياسات الأميركية المتعلقة بإيران وروسيا وأماكن أخرى.
أفاد موقع "المونيتور" بأن الولايات المتحدة تعمل على إنشاء آلية لمنع الاحتكاك بين تركيا وإسرائيل وسوريا، وفقًا لما قاله المبعوث الأميركي.
في المقابل، تساءلت صحيفة "إسرائيل هيوم" عما إذا كان منصب توم برّاك مهددًا بسبب تصريحاته بشأن هضبة الجولان.
وأشارت وكالة "أسوشيتد برس" إلى أن المبعوث الأميركي أوضح تصريحاته بشأن الجولان، بعدما تناقضت مع موقف ترامب، فيما قالت "تركيا توداي" إن برّاك أكد أن دوره المتعلق بتركيا يأتي ضمن "سياسة أوسع"، في ظل التوترات مع إسرائيل.
وكانت صحيفة "جيروزاليم بوست" قد نشرت تحليلًا رأت فيه أن انتقادات توم برّاك لإسرائيل تضع صدقيته كوسيط أمام اختبار، بينما ذهبت صحيفة "يديعوت أحرونوت" إلى أبعد من ذلك، متسائلة: "كيف كاد المبعوث الأميركي توم برّاك يشعل حربًا إسرائيلية-تركية؟".
بعد أيام من الحرب الكلامية بشأن برّاك، بدا أن حدة الخطاب بدأت تتراجع.
وكتب بن كسبيت في "المونيتور" أن إسرائيل تعيد النظر في سياستها المتشددة تجاه سوريا وتسعى إلى إصلاح علاقاتها مع توم برّاك، المبعوث الأميركي والمقرّب من دونالد ترامب.
كما أفادت "يديعوت أحرونوت" بأن أذربيجان تسعى إلى التوسط في التوترات بين إسرائيل وتركيا.
وتُعد باكو صديقة مقرّبة لكل من تركيا وإسرائيل، لكنها لا تؤدي عادةً دورًا رئيسيًا في قضايا الشرق الأوسط، إذ تفضّل الابتعاد عن الأضواء والجدل. ومع ذلك، تريد أذربيجان رؤية سوريا مستقرة، وقد أوضحت ذلك.
كذلك أفادت وكالة "نورث برس" السورية بمحاولات إسرائيل وتركيا خفض التوترات.
أدى توم برّاك دورًا رئيسيًا في السياسة الأميركية. وقد يبدو الجمع بين ملفي العراق وسوريا في يد شخص واحد، هو السفير الأميركي لدى أنقرة، بمثابة إلقاء قدر كبير من العمل على عاتق مسؤول واحد.
لكن تركيز السياسة في يد شخص واحد، يشبه نوعًا من "الحاكم الأميركي المفوض"، قد يساعد على جعلها أكثر انسيابية، خصوصًا أن الولايات المتحدة واجهت في الماضي مشكلات عندما لم تكن سياساتها منسجمة.
ويستعيد فرانتزمان تجربة إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، حين أدت الولايات المتحدة دورًا مزدوجًا في سوريا. فقد كان أحد أفرع الحكومة الأميركية يدعم جماعات المعارضة السورية، وهو ما انسجم إلى حد كبير مع ما أرادته تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي.
كما كان الأردن، وهو صديق آخر للولايات المتحدة، مؤيدًا لدعم المعارضة إلى جانب واشنطن وقوى غربية أخرى. وبدا ذلك خيارًا منطقيًا بالنسبة إلى وزارة الخارجية الأميركية ووكالة الاستخبارات المركزية.
في المقابل، كُلّف البنتاغون في خريف عام 2014 بمحاربة تنظيم "داعش" في إطار قوة المهام المشتركة لعملية "العزم الصلب"، وكان على القيادة المركزية الأميركية العثور على شركاء داخل سوريا.
وبدأت القيادة العمل مع "وحدات حماية الشعب" الكردية، التي ساعدت في تشكيل الأساس الذي قامت عليه "قوات سوريا الديمقراطية" عام 2015.
وقوبل هذا التعاون بالمفاجأة في أنقرة، التي تعدّ "وحدات حماية الشعب"، في الأساس، النسخة السورية من "حزب العمال الكردستاني"، وبالتالي جماعة إرهابية. وبدأت تركيا تتساءل كيف يمكن لحليفها في حلف شمال الأطلسي أن يعمل مع من تصفهم بـ"الإرهابيين" لمحاربة تنظيم "داعش".
وبحسب المقال، قد يعتقد مراقبون من الخارج أن الولايات المتحدة كان بإمكانها توحيد سياستها، عبر جمع وزارة الخارجية والقيادة المركزية ووكالة الاستخبارات المركزية ومسؤولين آخرين في غرفة واحدة داخل البيت الأبيض، لتحديد ما ينبغي فعله في سوريا.
لكن "قوات سوريا الديمقراطية" عبرت نهر الفرات عام 2016 لتحرير منبج من تنظيم "داعش"، قبل أن تغزو تركيا سوريا في إطار عملية "درع الفرات"، بهدف أساسي هو وقف تقدم "قوات سوريا الديمقراطية".
وللحظة، بدا أن قوات مدعومة من الولايات المتحدة قد تدخل في مواجهة مع قوات أخرى تحظى أيضًا بدعم أميركي. ولم يكن واضحًا كيف يمكن لهذا الوضع أن يساعد في هزيمة "داعش" أو إسقاط نظام الأسد.
يخلص المقال إلى أن وضع السياسة الأميركية تجاه سوريا في يد شخص واحد قد يكون أفضل من عمل كل جهة أميركية بصورة منفصلة.
ومن الناحية السياسية، يبدو منطقيًا وجود دبلوماسي يحظى بثقة أنقرة ودمشق، ويمكنه التواصل بوضوح مع البيت الأبيض. لكن ما إذا كان هذا النهج قادرًا على خفض التوترات بين إسرائيل وتركيا، فلا يزال أمرًا غير محسوم.
فهل يستطيع توم برّاك خفض التوتر بين إسرائيل وتركيا ومنع تحوّل سوريا إلى ساحة صدام مباشر بينهما؟
المصدر:
يورو نيوز