تواجه الإمارات لحظة اقتصادية دقيقة بين تأثيرات حرب إيران التي أدت إلى مغادرة المقيمين وتراجع السياحة، وبين تأكيدات رسمية بأن التعافي جارٍ بالفعل. تتباين المؤشرات بين قطاعات متضررة كالفنادق والنقل، وقطاعات أكثر صمودا مثل الخدمات المالية. وبين القلق والاستعدادات الحكومية، يبقى السؤال مفتوحا: هل تتعافى الإمارات أم تقف على حافة أزمة أعمق؟
تعاني الإمارات من تراجع اقتصادي واضح بسبب حرب إيران، إذ غادر بعض السكان وألغى سياح خططهم لزيارتها. وفي يوليو/تموز 2026 أعلنت السلطات الإماراتية عن عرض لافت: يحصل المقيمون على مزايا بقيمة 800 دولار إذا تمكنوا من جذب زوار بين يوليو/تموز وأكتوبر/تشرين الأول 2026 رغم أن معظم الحكومات الأجنبية ما زالت تحذر مواطنيها من السفر إلى الإمارات بسبب الحرب.
بعد بدء الضربات الإسرائيلية والأمريكية على إيران في نهاية فبراير/شباط، ردَّت إيران باستهداف حلفاء واشنطن، ومنهم الإمارات. ونتيجة لذلك، انخفضت نسبة إشغال فنادق دبي من 80% إلى نحو 10% فقط. بعض الفنادق أغلقت مبكرا للترميم، فيما قدمت منتجعات خمس نجوم عروض "إقامة محلية" للمقيمين بخصم يصل إلى 50%.
يبلغ عدد سكان الإمارات نحو 11,8 مليون نسمة، منهم 10,4 مليون من غير المواطنين. ومع بدء سقوط الصواريخ الإيرانية، غادر العديد من الأثرياء بحثا عن الأمان. ولضمان عودتهم بعد الحرب ، أعلنت السلطات الإماراتية أنها ستتخذ نهجا أكثر مرونة في قواعد الإقامة الضريبية، بحيث يمكن للأفراد البقاء خارج البلاد لفترات أطول دون فقدان وضعهم الضريبي.
ووفقًا لصحيفة نيويورك تايمز، فإن العمال ذوي الدخل المنخفض يواجهون وضعا أصعب، إذ شوهد بعضهم يطرقون الأبواب بحثا عن وظائف بعد انهيار قطاعي الضيافة والسياحة. كما خصصت الحكومة حزمة دعم بقيمة 680 مليون دولار لإعفاء الفنادق والمطاعم وبعض المدارس الخاصة من رسوم البلدية أو تأجيل رسوم الترخيص.
لكن مؤشرات القلق تتزايد وهي: توقعات بانخفاض الاستثمار الأجنبي، و تراجع الناتج المحلي لأول مرة منذ جائحة كورونا، وتحذيرات من وحدة المعلومات الاقتصادية في 31 يوليو/تموز 2026 بأن "خطر تجدد الصراع سيبقي المستثمرين في حالة حذر طوال العام".
عندما طلب البنك المركزي الإماراتي فتح خط تبادل عملات مع الولايات المتحدة، فسَّر سكوت بيسنِت، وزير الخزانة الأمريكي، الخطوة بأنها تهدف إلى مساعدة الاقتصاد الإماراتي على التعامل مع آثار الحرب. لكن السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة نفى ذلك عبر منشور على فيسبوك قائلا: "أي إشارة إلى أن الإمارات تحتاج دعما خارجيا هي قراءة خاطئة للواقع… الإمارات من أكثر الاقتصادات مرونة في العالم".
وفي مايو/أيار 2026، أكد عبد العزيز الغُرير، رئيس اتحاد مصارف الإمارات ، أنه لا مخاوف من خروج رؤوس الأموال أو نقص الدولار. ونقلت صحيفة فايننشال تايمز عن مصدر محلي قوله إن الهدف هو "تعزيز الثقة والإشارة إلى أننا من أكثر الاقتصادات موثوقية عالميا".
الخبير الاقتصادي آدم هولدستوك من شركة أوكسفورد إيكونوميكس أوضح لـ DW أن الطلب كان "إجراءً احتياطيا وليس علامة على أزمة"، مشيرا إلى أن القاعدة النقدية انخفضت بنسبة 8% في مارس/آذار 2026 لكنها استقرت لاحقا.
يقول هولدستوك إن الضرر الأكبر يتركز في قطاعات التجزئة والنقل والتخزين والسياحة. إذ لا يُتوقع أن تعود قبل عام 2028 أعداد الزوار الدوليين إلى مستويات ما قبل عام 2025. لكن قطاعات أخرى - مثل الخدمات المالية والأنشطة المرتبطة بالحكومة - تخفف من حجم الخسائر، وهذا يجعل الصورة العامة "أفضل مما توحي به بيانات الفنادق وحدها".
أما الباحث ستيفن هرتوغ من كلية لندن للاقتصاد فقال في بودكاست "موني آند ماكر منتصف يوليو/تموز 2026 إن السوق يتعامل مع الوضع كمرحلة "مؤقتة"، لكن فكرة الـ "لا حرب ولا سلام" لم تُستوعَب بعد، خصوصا أن الصيف هو موسم ركود طبيعي في الإمارات .
يرى روبرت موغيلنيتسكي من شركة بوليسفير أدفايزري الاستشارية ومن معهد دول الخليج العربية أن الإمارات "تبذل كل ما تستطيع لإدارة ضغوط الحرب"، لكن غياب نهاية واضحة للصراع يجعل الحديث عن "تعافٍ حقيقا" سابقا لأوانه.
ومع ذلك، يتوقع محللون - ومنهم هولدستوك - أن الإمارات ستتعافى بعد انتهاء الحرب، مستندين إلى بيئة تنظيمية جاذبة للأعمال، وإلى موقعها كمركز عالمي للطيران، وإلى قدرتها على جذب أصحاب رؤوس الأموال والمهارات.
أعده للعربية: علي المخلافي
المصدر:
DW