لم يعد الدعم المطلق لإسرائيل، أو التعهد بنقل السفارات إلى القدس، مجرد موقف في السياسة الخارجية، بل تحول في عدد من الدول إلى ورقة انتخابية جاهزة للاستخدام. يلجأ إليها بعض مرشحي اليمين واليمين المتطرف لاستقطاب القواعد الإنجيلية المحافظة، وكسب رضا جماعات الضغط والمتبرعين، وتأكيد القرب من واشنطن، أو الظهور بمظهر الزعيم القادر على كسر الأعراف الدبلوماسية.
غير أن هذه الورقة لا تعمل بالطريقة نفسها في كل مكان. فقد تساعد مرشحا على الفوز، كما حدث أخيرا في كولومبيا، وقد تفشل في إنقاذه من الهزيمة كما ظهر في رومانيا، وكندا، وأستراليا، أو تمنحه مكسبا انتخابيا ثم تتحول إلى وعد يصعب تنفيذه، كما حصل في البرازيل وصربيا.
وفي المقابل، بدأت فلسطين تتحول لدى قطاعات متزايدة من الناخبين إلى معيار للحكم على صدقية المرشحين واستقلالهم، وهو ما أظهرته تجربة عبدول السيد في ولاية ميشيغان.
تتميز ورقة القدس بسهولة تسويقها انتخابيا، إذ تُختصر في وعد مباشر بالاعتراف بها عاصمة لإسرائيل أو نقل السفارة إليها. ويتيح هذا الوعد للمرشح استقطاب التيارات الإنجيلية الصهيونية، وكسب جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وإرسال رسالة تقارب إلى واشنطن.
وقد يُستخدم أيضا لصرف الأنظار عن أزمات الفساد وضعف الشرعية والتدهور الاقتصادي، فتتحول القدس إلى مادة للاستقطاب على حساب الأولويات الداخلية.
غير أن هذه المكاسب تصطدم بوضع قانوني مستقر؛ فقد كرّس مجلس الأمن في قرارَيه (476) و(478) لعام 1980 عدم الاعتراف بالإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير وضع القدس، ودعا الدول التي أقامت بعثات دبلوماسية فيها إلى سحبها.
كما أكدت محكمة العدل الدولية، في رأيَيها الاستشاريين لعامي 2004 و2024، أن القدس الشرقية جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة، وأن على الدول عدم الاعتراف بالوضع غير القانوني الناشئ عن الاحتلال أو تقديم العون لاستمراره.
ولذلك لا يُعد اختيار مقر السفارة إجراء دبلوماسيا محايدا، بل يحمل دلالة سياسية وقانونية قد تسهم في تكريس واقع الاحتلال والضم، ولا سيما إذا تجاهل التمييز بين القدس الغربية، والقدس الشرقية المحتلة.
دفعت إدارة جو بايدن والمرشحة الديمقراطية كامالا هاريس ثمنا انتخابيا بين شرائح عربية ومسلمة وتقدمية، خصوصا في ولاية ميشيغان. فقد أظهرت النتائج تراجعا واضحا في أصوات الديمقراطيين داخل المدن ذات الكثافة العربية والإسلامية
تقدم كولومبيا المثال الأحدث على نجاح هذه الورقة انتخابيا؛ فقد فاز أبيلاردو دي لا إسبرييلا في الانتخابات الرئاسية لعام 2026 بفارق ضئيل على منافسه اليساري إيفان سيبيدا، بعد حملة تبنّى فيها خطابا محافظا شديد القرب من إسرائيل، وتعهد بالتراجع عن سياسة الرئيس غوستافو بيترو تجاهها.
وبعد تسلمه الرئاسة، باشر دي لا إسبرييلا إعادة العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، وأعلن التوجه إلى نقل السفارة الكولومبية إلى القدس، منهيا بذلك مرحلة بيترو الذي قطع العلاقات في مايو/أيار 2024؛ احتجاجا على الحرب في غزة، وحظر تصدير الفحم إلى إسرائيل، ودعم دعوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية.
تكشف التجربة الكولومبية أن دعم إسرائيل قد يحقق مكسبا انتخابيا عندما يندمج مع خطاب أوسع يقوم على الأمن والهوية المحافظة والتحالف مع الولايات المتحدة. لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن الفوز لا يحسم الجدل، بل ينقله إلى مرحلة أكثر تعقيدا تتعلق بالكلفة القانونية والدبلوماسية لنقل السفارة، وتأثيره في علاقات كولومبيا مع الدول العربية والإسلامية.
تقدم رومانيا مثالا أوروبيا لافتا. فقد تعهد مرشح اليمين المتطرف كالين جورجيسكو، خلال انتخابات 2024، بنقل السفارة الرومانية إلى القدس، ودعوة بنيامين نتنياهو إلى بوخارست، وتجاهل مذكرة التوقيف الصادرة بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية، رغم أن رومانيا دولة طرف في نظام روما الأساسي.
تصدّر جورجيسكو الجولة الأولى، لكن المحكمة الدستورية ألغت العملية الانتخابية بسبب مخالفات تتعلق بالحملة والتمويل وشبهات التدخل الخارجي، ثم مُنع من خوض الانتخابات المعادة. وانتقل دعم اليمين المتطرف إلى جورج سيميون، زعيم حزب "التحالف من أجل وحدة الرومانيين"، الذي قدم نفسه حليفا لترمب وتبنى خطابا قوميا محافظا شديد القرب من إسرائيل.
تصدّر سيميون الجولة الأولى، لكنه خسر جولة الإعادة في مايو/أيار 2025 أمام المرشح الوسطي المؤيد لأوروبا نيكوشور دان، الذي حصل على 53.6% مقابل 46.4% لسيميون.
ولا يمكن اعتبار الموقف من إسرائيل سببا وحيدا للخسارة؛ فقد كان موقع رومانيا داخل الاتحاد الأوروبي ومستقبل الديمقراطية والحرب في أوكرانيا عوامل أكثر حضورا. لكن النتيجة أثبتت أن المزايدة في دعم إسرائيل لم تكن كافية لحمل اليمين المتطرف إلى الرئاسة.
لا تعني هذه التجارب أن كل مؤيد لإسرائيل سيخسر، أو أن كل مدافع عن فلسطين سيفوز؛ فالانتخابات تحكمها عوامل داخلية متعددة. لكنها تؤكد أن الدعم المطلق لإسرائيل لم يعد ورقة مضمونة النتائج
تعهد زعيم حزب المحافظين بيير بواليفر بنقل السفارة الكندية إلى القدس إذا وصل إلى رئاسة الحكومة، إلا أن حزبه خسر الانتخابات الفدرالية في 28 أبريل/نيسان 2025 أمام الحزب الليبرالي. كما فقد بواليفر مقعده التاريخي في دائرة "كارلتون"، الذي شغله منذ عام 2004، أمام المرشح الليبرالي بروس فانجوي، بحصول الأخير على 50.9% من الأصوات مقابل 45.7% لبواليفر.
وعاد بواليفر لاحقا إلى البرلمان بعد فوزه في انتخابات فرعية بدائرة "باتل ريفر- كروفوت" المحافظة في مقاطعة ألبرتا، عقب إخلاء نائب محافظ للمقعد لإتاحة ترشحه. وتظهر التجربة أن التشدد في دعم إسرائيل والتعهد بنقل السفارة لم يمنحاه طريقا مضمونا إلى رئاسة الحكومة، وإن كانت خسارته وحزبه قد ارتبطت بعوامل داخلية وسياسية متعددة لا يجوز اختزالها في هذا الموقف وحده.
ظهر الاستخدام الانتخابي للقدس بصورة شديدة الوضوح في أستراليا خلال انتخابات وينتوورث الفرعية عام 2018. ففي الأيام الأخيرة للحملة، أعلن رئيس الوزراء سكوت موريسون مراجعة احتمال نقل السفارة إلى القدس، في خطوة فُهمت باعتبارها محاولة لاستمالة ناخبي الدائرة التي تضم حضورا يهوديا مؤثرا.
لكن الحساب الانتخابي لم ينجح؛ إذ خسر الحزب الليبرالي المقعد للمرة الأولى، وفقدت الحكومة أغلبيتها البرلمانية الضيقة. ولم تكن القدس وحدها سبب الهزيمة، لكن الواقعة أثبتت أن استخدام قضية دولية لاستمالة كتلة انتخابية محددة لا يضمن النتيجة، وقد يُنظر إليه باعتباره توظيفا انتهازيا للسياسة الخارجية.
اعترفت حكومة موريسون لاحقا بالقدس الغربية عاصمة لإسرائيل، لكنها لم تنقل السفارة. وفي عام 2022 ألغت الحكومة العمالية الاعتراف، مؤكدة أن وضع القدس قضية من قضايا الحل النهائي. وهكذا تحولت الخطوة من وعد انتخابي إلى ارتباك مؤسساتي يتغير مع تغير الحكومات.
نقل الرئيس اليميني خوان أورلاندو هيرنانديز سفارة هندوراس إلى القدس عام 2021، في سياق تحالف وثيق مع إسرائيل والولايات المتحدة، وفي وقت كان يواجه فيه اتهامات خطيرة تتعلق بالفساد والاتجار بالمخدرات.
لكن الخطوة لم توفر لحزبه الحماية السياسية؛ إذ خسر "الحزب الوطني" الانتخابات التي جرت في العام نفسه، ووصلت اليسارية سيومارا كاسترو إلى الحكم. وبعد مغادرته السلطة، سُلّم هيرنانديز إلى الولايات المتحدة، وحوكم في قضايا تتعلق بتهريب المخدرات.
لم يكن نقل السفارة سبب سقوطه أو سقوط حزبه، لكنه يكشف حدود الاعتقاد بأن التقرب من إسرائيل وواشنطن يمكن أن يمنح الأنظمة المتعثرة حصانة دائمة من المساءلة أو الهزيمة الانتخابية.
تكشف تجربة عبدول السيد أن الدفاع عن الحقوق الفلسطينية قد يتحول إلى رصيد أخلاقي وانتخابي عندما يقترن ببرنامج جاد. لقد أصبحت فلسطين معيارا لصدقية المرشحين ومدى اتساقهم مع القانون الدولي
وعد جايير بولسونارو خلال حملة 2018 بنقل سفارة البرازيل إلى القدس، مستندا إلى دعم الكنائس الإنجيلية وإعجابه بسياسة ترمب. لكنه بعد وصوله إلى الحكم اصطدم بمصالح القطاع الزراعي ومخاوف خسارة أسواق اللحوم الحلال والعلاقات التجارية مع الدول العربية، فتراجع عن النقل، واكتفى بافتتاح مكتب تجاري في القدس. ثم خسر انتخابات 2022 أمام لولا دا سيلفا.
أما صربيا، فقد أعلنت عام 2020، ضمن تفاهم رعته إدارة ترمب، التزامها بنقل السفارة إلى القدس. لكن الرئيس ألكسندر فوتشيتش عاد وربط القرار بالقانون الدولي والمصالح الوطنية، ولا سيما بعد اعتراف إسرائيل بكوسوفو. وبقي الوعد من دون تنفيذ، ما أظهر أن إرضاء واشنطن في لحظة سياسية لا يلغي الحسابات الوطنية والدبلوماسية للدولة.
قدمت الانتخابات الأمريكية لعام 2024 نموذجا مختلفا. لم تكن القضية متعلقة بنقل السفارة، بعدما نفذ دونالد ترمب القرار عام 2018، بل بالدعم العسكري والسياسي غير المشروط لإسرائيل خلال الحرب على غزة.
دفعت إدارة جو بايدن والمرشحة الديمقراطية كامالا هاريس ثمنا انتخابيا بين شرائح عربية ومسلمة وتقدمية، خصوصا في ولاية ميشيغان. فقد أظهرت النتائج تراجعا واضحا في أصوات الديمقراطيين داخل المدن ذات الكثافة العربية والإسلامية، بينما سبق الانتخابات صعود حركة "غير ملتزم" التي طالبت بوقف الحرب وتغيير سياسة تسليح إسرائيل.
ولا يمكن القول إن غزة كانت السبب الوحيد في خسارة هاريس، فقد تأثرت الانتخابات بالاقتصاد والهجرة والانقسام الحزبي. لكن البيانات تؤكد أنها كانت عاملا حقيقيا في إحباط قطاعات من القاعدة الديمقراطية. وأظهر استطلاع لاحق أن 55% فقط من المسلمين الذين صوتوا لبايدن عام 2020 صوتوا لهاريس عام 2024، بينما انتقل آخرون إلى ترمب أو مرشحين آخرين أو امتنعوا عن التصويت.
في مقابل المزايدة الانتخابية في دعم إسرائيل، قدم الطبيب والأكاديمي الأمريكي عبدول السيد نموذجا معاكسا في ولاية ميشيغان. فقد فاز في 4 أغسطس/آب 2026 بترشيح الحزب الديمقراطي لعضوية مجلس الشيوخ، محققا 48.5% من الأصوات، بما يقارب 741 ألف صوت، مقابل 47.5% للنائبة هايلي ستيفنز، ليواجه المرشح الجمهوري مايك روجرز في الانتخابات العامة المقبلة.
وبحسب تقديرات منشورة، جاء فوز السيد رغم تجاوز الإنفاق الخارجي الداعم لمنافسته أو المناهض لترشحه 60 مليون دولار، بينها نحو 30 إلى 32 مليونا أنفقتها "إيباك" واللجان المرتبطة بها، فيما تجاوز مجمل الإنفاق على السباق التمهيدي 80 مليون دولار.
ولم يبنِ السيد حملته على هويته العربية والإسلامية وحدها، بل على خبرته في الصحة العامة وبرنامج اجتماعي واقتصادي، اقترن بموقف واضح من فلسطين ورفض الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل. وأظهر فوزه أن الدفاع عن الحقوق الفلسطينية لم يعد بالضرورة عبئا انتخابيا، وأن المال السياسي، مهما بلغ حجمه، لا يستطيع دائما فرض مرشحه على الناخبين.
نقلت باراغواي سفارتها إلى القدس في مايو/أيار 2018 خلال عهد هوراسيو كارتيس. وبعد أشهر قليلة، أعادها الرئيس التالي ماريو عبدو بينيتيز إلى تل أبيب، لترد إسرائيل بإغلاق سفارتها في أسونسيون. ثم عاد الرئيس سانتياغو بينيا ونقلها مجددا إلى القدس عام 2024.
لا تعني هذه التجارب أن كل مؤيد لإسرائيل سيخسر، أو أن كل مدافع عن فلسطين سيفوز؛ فالانتخابات تحكمها عوامل داخلية متعددة. لكنها تؤكد أن الدعم المطلق لإسرائيل لم يعد ورقة مضمونة النتائج.
فقد تنجح في كولومبيا، وتتراجع أمام المصالح الاقتصادية في البرازيل، وتفشل في إنقاذ اليمين في رومانيا وكندا وأستراليا، بينما تكشف تجربة عبدول السيد أن الدفاع عن الحقوق الفلسطينية قد يتحول إلى رصيد أخلاقي وانتخابي عندما يقترن ببرنامج جاد. لقد أصبحت فلسطين معيارا لصدقية المرشحين ومدى اتساقهم مع القانون الدولي. فالانتخابات قد تمنح نقل السفارة شرعية داخلية مؤقتة، لكنها لا تمنحه المشروعية الدولية، ولا تغير وضع القدس أو تُسقط حقوق الشعب الفلسطيني.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة