في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
قبل أشهر، رفع قادة الاتحاد الأوروبي شعار الحرب ضد شبكات تهريب البشر تمهيدا لإعلان الميثاق الجديد للهجرة واللجوء، الذي دخل حيز التطبيق منذ يونيو/حزيران الماضي. ولكن على عكس ما تضمنه الشعار، ورغم تراجع التدفقات عبر الحدود فإن السياسات الجديدة لم توقف نزيف الموت في البحر.
ومنذ يونيو/حزيران الماضي لم تتوقف عدادات المنظمة الدولية للهجرة عن إحصاء الموتى أو المفقودين في البحر المتوسط في وقت تشيد فيه الحكومات الأوروبية وذراعها الأمنية (الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل "فرونتكس") بالانخفاض اللافت في أعداد العابرين للحدود الأوروبية بطرق غير نظامية.
لكن الأحداث المأساوية التي رافقت العبور الكبير للجيب الإسباني (سبتة) قبل أسابيع، كشفت عن صور متناقضة خلف الميثاق الأوروبي الجديد. فمن جهة، أمكن الضغط على أعداد العابرين عبر قيود أمنية مشددة لكن في المقابل دفعت سياسات المنع والإغلاق إلى انفجار غير متوقع على الحدود.
ورغم موجة التفاؤل الأوروبي، لم يؤد الميثاق الجديد لوقف حركة التدفقات أو محاولات العبور المتكررة لحدود القارة العجوز عبر كل المنافذ. والأهم من ذلك، فقد استمرت الكلفة الإنسانية في حصد أرواح اليائسين من المهاجرين وسط صمت رسمي أوروبي.
وخلال أيام فقط تكشف عمليات الرصد عن وضع أكثر مأساوية وتعقيدا في المعابر الأوروبية:
وبالإضافة إلى تلك الأحداث المتواترة بشكل يومي، تبلغ منصة "هاتف الإنذار" ومنظمة "تقرير قوارب بحر إيجه"، على مدار الساعة، عن المئات من المهاجرين الذين تقطعت بهم السبل بين ضفتي الأبيض المتوسط.
في حديثه للجزيرة نت، يوضح الخبير التونسي في قضايا الهجرة واللجوء رمضان بن عمر أن الاتحاد الأوروبي أعطى مثالا في تجاهل الكلفة الإنسانية الباهضة لسياساته في الهجرة، وقد تم الوقوف في السابق على هذا الأمر عبر المذكرات الموقعة مع دول مثل تونس وموريتانيا ولبنان ومصر وغيرها، وذلك لكبح تدفقات المهاجرين.
وتركز مآخذ بن عمر على تحول الضحايا إلى رقم ثانوي يتم تحريكه في الحملات الانتخابية لاستقطاب أصوات الناخبين، بجانب استخدام الدعاية الإنسانية لتمرير تشريعات جديدة متشددة، في حين تركز تقارير "فرونتكس" على النجاح في الحد من التدفقات لكن دون الإشارة إلى الواقع المظلم المرتبط بسقوط المزيد من الضحايا من المهاجرين.
ويشير الخبير التونسي -على سبيل المثال- إلى أنه خلال الأحداث المرتبطة بمدينة سبتة جرى التركيز على أعداد المتدفقين إلى الجيب الإسباني وعدد الراجعين لاحقا إلى التراب المغربي، لكن الإشارات المتعلقة بأعداد الضحايا كانت محدودة.
يكشف التقرير الصادر عن "فرونتكس" في 14 أغسطس/آل الجاري عن تراجع عمليات العبور غير القانونية عند الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي بنسبة 37% خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مع الإبلاغ عن رصد نحو 61 ألف حالة.
وخلف ذلك التراجع، أظهرت البيانات أن طريقي شرق ووسط المتوسط كانا الأكثر نشاطاً، حيث شكلا معاً نحو 60% من إجمالي حالات الرصد التي يعكسها إجمالي الدخول إلى الاتحاد الأوروبي حاليا، وظلت ليبيا بلد المغادرة الرئيسي على طريق وسط الأبيض المتوسط.
ويعكس هذا التركيز مدى خطورة هذا الطريق على حياة المهاجرين. فمنذ عام 2014 تاريخ بدء الإحصاء لضحايا الهجرة غير النظامية في البحر المتوسط، توفي أو فقد أكثر من 35 ألفا و300 مهاجر وفق آخر تحديث على منصة برنامج "مهاجرون مفقودين" التابع للمنظمة الدولية للهجرة.
وهذا العام، توفي أو فقد 1647 شخصا أكثر من نصفهم في طريق وسط البحر المتوسط، وفق آخر تحديث للمنصة. لكن الأعداد قد تكون أعلى من ذلك بكثير بسبب المئات من الوفيات غير الموثقة خلال إعصار "هاري" الذي ضرب المنطقة في يناير/كانون الثاني الماضي، مخلفا وراءه بقايا قوارب مدمرة.
ورغم استمرار الوفيات، يكافح المهاجرون (القادمون من مناطق النزاع والفقر) ويخاطرون بأرواحهم بحثا عن فرص أفضل للحياة في الضفة الشمالية للمتوسط.
وفي سبتة مثلا، وبحسب الأرقام الرسمية، لقي 90 شخصا على الأقل حتفهم على جانبي الحدود. بينما أبلغت منظمات حقوق الإنسان عن أرقام أعلى. وتحاول السلطات المغربية كبح تدفقات جماعية جديدة عبر البر والبحر، وهو ما أكده الاعلام الرسمي، حيث اعتقل حوالي 300 مهاجر جنوبي الصحراء خلال يومين فقط.
ويفسر الخبير رمضان بن عمار للجزيرة نت تكرار محاولات العبور الجماعية بلجوء المهاجرين إلى تكتيك يمثل أحد أشكال المقاومة لعسكرة الحدود، بما يساهم في تشتيت المنع ويخلف أمرا واقعا يسمح بنجاح العبور لجزء هام مثلما وقع مرات عديدة في سبتة ومليلة في المغرب، ووقع أيضا عام 2011 في تونس.
ويلقي بن رمضان باللائمة في ذلك على الواقع المختل الذي أدى إليه نظام التأشيرات، حيث تسبب إرساء واقع غير عادل وغير متساو في الحركة، فمن يملك الموارد يمكنه التكيف مع نظام التأشيرات، ومن لا يملك سيضطر إلى الجوء لهذه التكتيكات.
ويعلق الخبير التونسي على ذلك بقوله "كلما اشتد المنع تنوعت ليس فقط طرق العبور بل أيضا التكتيكات المعتمدة التي قد تتخذ اشكالا أكثر تحديا لمنظومات الردع على الحدود".
بالعودة إلى الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء، الذي صادق عليه الاتحاد الأوروبي وبدأ تطبيقه في 12 يونيو/حزيران الماضي، فإنه يتكون من تشريعات تنظم إجراءات التعامل مع اللاجئين: مثل الاستقبال، والتسجيل، والرقابة، وإجراءات اللجوء، والترحيل، والتوزيع بين الدول الأعضاء، وتوسيع قوائم ما يعرف بـ "الدول الآمنة" وتشديد القواعد الخاصة باللاجئين الملزمين بمغادرة الأراضي الأوروبية.
وانطلاقا من سياسة الاتحاد الأوروبي الرامية إلى استعادة السيطرة الكاملة على الحدود الخارجية، تسعى بروكسل إلى تطبيق لوائح اتفاق دبلن الذي ينص على أن الدولة المسؤولة عن اللاجئ هي هذا البلد الذيي تطؤه قدما اللاجئ أولا.
ويتيح الميثاق ترحيل أكبر عدد ممكن من المهاجرين مباشرة عند الحدود عبر إجراءات سريعة، كما لا يستبعد فكرة إنشاء مراكز لترحيل اللاجئين في دول ثالثة كانت في السابق مطلبا لليمين المتطرف.
ومن أوجه المفارقة التي ينطوي عليها الميثاق أن ما كان يُنظر له كخطوة بريطانية مخالفة للقانون الدولي بشأن إرسال طالبي اللجوء الى رواندا، أصبح الآن معروضا على طاولة الأوروبيين من خلال تطوير اتفاقات مشابهة، كما هو الحال بالنسبة لمراكز الترحيل الإيطالية في ألبانيا والاتفاق الموقع بين النمسا وأوزبكستان لتسهيل ترحيل الأفغان.
وفي حين تؤكد المفوضية الأوروبية أن مثل هذه الإجراءات تهدف إلى مكافحة شبكات تهريب البشر وضمان منح الحماية فقط لمن يستحقها، فإن هناك منظمات حقوقية تحذر من أن سياسات الهجرة المتشددة قد تدفع نحو تحويل أوروبا إلى "قلعة" مشيرة إلى أن الهدف من الحزمة الجديدة هو جعل الوصول إلى إجراءات اللجوء النظامية أكثر صعوبة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة