بعد ما جدد وزير لعدل المغربي عبد اللطيف وهبي مطالبات الرباط بالسيادة على مدينتي سبتة ومليلية، قال مسؤولون إسبان إن وضع الجيبين في شمال إفريقيا كأراضي إسبانية ليس موضع نقاش. وأدلى وهبي بهذه التصريحات لقناة الشرق التلفزيونية (الثلاثاء 11 أغسطس / آب 2026) وهي المرة الأولى التي تُجدد فيها الرباط موقفها علنا من هذه القضية الخلافية منذ أزمة حدود سبتة في أواخر يوليو/ تموز، والتي شهدت عبور ما يقدر بنحو 72 ألف مهاجر لفترة وجيزة إلى الجيب. ولقي ما لا يقل عن 96 شخصا حتفهم في التدافع الجماعي على الحدود. وقال وهبي إن بلاده لطالما أثارت مسألة وضع المدينتين في مفاوضات مع إسبانيا، بهدف طويل الأمد يتمثل في التوصل إلى حل عبر الحوار.
ومنذ استقلاله في عام 1956، يعتبر المغرب سبتة ومليلية مدينتين محتلتين من قبل إسبانيا، ويؤكد أن السيادة عليهما يجب أن تنتقل في نهاية المطاف إلى الرباط. أما مدريد فتعتبرهما جزءا لا يتجزأ من أراضيها. وردا على سؤال حول تصريحات وهبي قالت وزيرة الدفاع الإسبانية مارغاريتا روبليس لصحفيين " سبتة ومليلية ليستا مجرد مدينتين إسبانيتين، بل هما مدينتان إسبانيتان بامتياز ولا يمكن المساس بهما". وأضافت، في إشارة إلى الأزمة الحدودية، "أي هجوم على سبتة ومليلية هو هجوم على إسبانيا ككل. ويجب ألا يتكرر ذلك أبدا". وقالت وزارة الخارجية الإسبانية في بيان آخر إن سلامة أراضي إسبانيا "لم تناقش مع أي طرف ولن تناقش أبدا".
ولطالما كانت المدينتان ترمومترا قياس حرارة العلاقات بين البلدين، خصوصا خلال فترات التوتر بسبب قضايا الهجرة والحدود والتعاون الأمني والاقتصادي. لكن العلاقات بين الجانبين تستمر في إطار حوار دبلوماسي براغماتي يوازن بين المصالح الاقتصادية والسياسية ويحاول غض الطرف عن القضايا لخلافية. وتواجه هذه القضية تعقيدات تتراوح بين القانون الدولي وواقع العلاقات الثنائية ومنطق التاريخ والجغرافيا.
تاريخيا تميزت مدينة سبتة باحتلالها من قبل البرتغال أولا عام 1415 ضمن توسعاتها في المحيط الأطلسي وشمال إفريقيا. ظلت المدينة تحت الحكم البرتغالي حتى عام 1668، عندما انتهت الحرب البرتغالية - الإسبانية وجرى التوقيع على معاهدة لشبونة التي اعترفت بالتخلي عن سبتة لصالح إسبانيا كجزء من ترتيبات المصادقة على استقلال البرتغال وتوحيدها مع إسبانيا في تلك الفترة. أما مليلية فلم تخضع أبدا للاحتلال البرتغالي.
في تصريح لموقع "أويرآكتيف" وهي منصة إخبارية تحليلية مقرها بروكسيل وتعنى بالشؤون الأوروبية، أوضح خورخي ديسكالار، السفير الإسباني السابق في الرباط بين1997و2001 أنه "يمكن التسامح مع خطأ ما مرة واحدة، لكن ليس مرتين. ولا أصدق أن الحكومة (المغربية) لم تكن تعلم". ويقصد السفير بذلك تدفق المهاجرين بعشرات الآلف إلى سبتة. وذهب ديسكالار، الذي عمل أيضا مديرا للمخابرات الإسبانية، إلى القول أن المطالب الترابية المغربية باعث رئيسي لهذه الأزمة. وأن "من يعتقد أن المغرب سيتخلى عن المطالبة بالسيادة على سبتة ومليلية فهو خاطئ". وأضاف أن المغرب "يختبر الوضع"، في وقت يرى فيه منتقدون أن الحكومة الإسبانية الحالية ضعيفة، وفق ديسكالار.
وبهذا الصدد كتبت صحيفة "لا فانغوارديا" الإسبانية (السابع من أغسطس / آب 2026) "لقد كشفت أزمة الهجرة الأخيرة بكل وضوح عن نقاط الضعف على جبهتنا الجنوبية (..) وعلى الرغم من أن البرتغال وإسبانيا احتلتا سبتة ومليلية في القرن الخامس عشر، فإنهما جغرافيا تنتميان إلى أفريقيا. وكما أن جبل طارق يشكل شوكة في خاصرة القومية الإسبانية، لم يتوقف المغرب قط عن المطالبة بهاتين المدينتين. ولذلك، فهو لا يفوت أي فرصة لإظهار نقاط ضعفنا. وهي نقاط ضعف قائمة منذ فترة طويلة، مهما حاول اليمين إلقاء مسؤوليتها على السياسة الخارجية للحكومة الاشتراكية" (..) وعند التدقيق فإن الأمر "لا يقل سخرية وبراغماتية عن موقف ميلوني، إذ إن إسبانيا لا تمارس أي ضغط على المغرب لكي يؤدي دوره كحارس مع احترام حقوق الإنسان . وتظهر لنا الأزمة الأخيرة أن المغرب لا يتردد في دفع مواطنيه إلى خوض مغامرة مميتة، بهدف إرسال رسالة تحذير إلى جارته الشمالية".
تظهر حساسية المدينتين في العلاقات بين الرباط ومدريد في كون ملك إسبانيا فيليبي السادس لم يسبق له أن زارهما، وهو ما تصفه وسائل الإعلام الإسبانية بأنه محاولة لعدم إغضاب المغرب. كما أن زيارة المسؤولين الحكوميين الإسبان للثغرين ترافقها عادة توترات مع الرباط. ولم يذهب السفير الإسباني السابق لحد اتهام الرباط بالوقوف وراء أزمة تدفق المهاجرين، غير أنه رصد "قدرا من التساهل أو الإهمال كان موجودا على الأقل من جانب السلطات المغربية (..) لا أستطيع أن أصدق أن الحكومة لم تكن تعلم شيئًا عن الأمر".
وتزعم كل من مدريد والرباط أن السبب المباشر للأزمة هو استغلال شبكات تهريب المهاجرين لحكم أصدرته المحكمة العليا الإسبانية في يوليو/ تموز، والذي حظر الإعادة الفورية للمهاجرين الذين يصلون إلى سبتة ومليلية عن طريق البحر.
وفي عام 2021، اندلعت أزمة دبلوماسية عندما سمحت إسبانيا لزعيم تنظيم البوليساريو إبراهيم غالي بتلقي العلاج في أحد مستشفياتها. وردت الرباط حينها بإجراءات انتقامية، إذ دفعت بنحو عشرة آلاف مهاجر باتجاه سبتة، وهو ما وصفته وزيرة الدفاع روبليس في حينه بأنه عمل من أعمال "الابتزاز".
يكشف الموقف الإسباني من جبل طارق وسبتة ومليلية عن مفارقة سياسية واضحة، وإن لم يكن بالضرورة تناقضا قانونيا كاملًا، فإسبانيا تطالب بجبل طارق باعتباره أرضا إسبانية خضعت للسيادة البريطانية بموجب معاهدة أوترخت سنة 1713، وترى أن استمرار السيطرة البريطانية عليه يمثل بقايا استعمارية تمس سلامة أراضيها، بينما ترفض في الوقت نفسه وصف سبتة ومليلية بأنهما مستعمرتان إسبانيتان في شمال أفريقيا، وتتمسك بأنهما جزء من الأراضي الإسبانية منذ قرون.
ويرد المغرب على الحجة الإسبانية بأن منطق رفض الجيوب الاستعمارية الأوروبية ينبغي أن ينطبق أيضًا على سبتة ومليلية، في حين تجيب مدريد بأن الحالتين مختلفتان تاريخيا وقانونيا، إذ إن إسبانيا تنازلت عن جبل طارق لبريطانيا بموجب معاهدة، بينما لم تتنازل عن سبتة ومليلية لأي دولة. وتزداد المفارقة تعقيدا بسبب مبدأ تقرير المصير، ذلك أن سكان جبل طارق أنفسهم يميلون بوضوح إلى الحفاظ على ارتباطهم ببريطانيا، في حين ترفض إسبانيا جعل إرادتهم وحدها حاسمة في مسألة السيادة. لذلك يمكن وصف الموقف الإسباني بأنه نوع من الازدواجية بمنطق السياسة والتاريخ أكثر منه تناقضا قانونيا محضا.
المصدر:
DW