مع انشغال الجميع بالحروب وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط وأوروبا، ومع تزايد تأثير التنافس الإستراتيجي مع الصين على سياسة الولايات المتحدة في آسيا، تراجعت كوريا الشمالية عن مركز أجندة السياسة الخارجية لواشنطن، وهذا أمر مفهوم، لكنه يزداد خطورة أيضا.
المشكلة لا تكمن ببساطة في أن واشنطن تولي اهتماما أقل لبيونغ يانغ، بل تكمن في أن البيئة الإستراتيجية في شبه الجزيرة الكورية تستمر في التطور بينما ينصب اهتمام معظم العالم على أمور أخرى.
فكوريا الشمالية تعمل على توسيع وتنويع قدراتها النووية والصاروخية، وتعميق علاقاتها العسكرية والاقتصادية مع روسيا، وإيجاد سبل جديدة للتخفيف من آثار نظام العقوبات الدولية. ما يبدو من واشنطن أنه هدوء نسبي قد يكون شيئا مختلفا: نافذة إستراتيجية تستغلها بيونغ يانغ لتعزيز موقفها.
المشكلة لا تكمن ببساطة في أن واشنطن تولي اهتماما أقل لبيونغ يانغ، بل تكمن في أن البيئة الإستراتيجية في شبه الجزيرة الكورية تستمر في التطور بينما ينصب اهتمام معظم العالم على أمور أخرى
وكلما طالت مدة بقاء تلك النافذة مفتوحة، زادت صعوبة المشكلة، وقد تجد الولايات المتحدة نفسها في نهاية المطاف تواجه ليس التحدي الكوري الشمالي الذي تتذكره، بل تحديا مختلفا جوهريا: دولة مسلحة نوويا أكثر قدرة، وأكثر اندماجا مع روسيا، ويصعب عزلها بشكل متزايد.
القدرة الإستراتيجية محدودة، ولا يستطيع أي رئيس أمريكي أن يختار عالما تأتي فيه الأزمات واحدة تلو الأخرى، ولا يكمن الخطر في تحديد الأولويات بحد ذاته، بل في الافتراض بأن انخفاض الاهتمام السياسي يعني انخفاض المخاطر الإستراتيجية.
وفي حالة كوريا الشمالية، قد يكون العكس هو الصحيح.
التغيير الأكثر أهمية هو علاقة بيونغ يانغ بموسكو، فما كان في السابق شراكة قائمة على المعاملات بين حكومتين معزولتين أصبح علاقة عسكرية حقيقية.
وقد زودت كوريا الشمالية روسيا بذخيرة مدفعية وصواريخ باليستية وقوات من أجل حربها ضد أوكرانيا، كما خدم آلاف الجنود الكوريين الشماليين إلى جانب القوات الروسية، وتشير التقارير إلى أن الشراكة تتوسع بشكل أكبر.
وتقدر الاستخبارات الأوكرانية أن مشاركة كوريا الشمالية في الحرب قد عززت قدراتها من خلال منح قواتها خبرة قتالية في الحروب الحديثة، فضلا عن إمكانية الوصول إلى المعدات.
ويكتسب هذا التبادل أهمية تتجاوز أوكرانيا بكثير، فلعقود طويلة، استندت الإستراتيجية تجاه كوريا الشمالية إلى افتراض أن العقوبات والعزلة والضغط الاقتصادي يمكن أن تحد من هامش المناورة المتاح للنظام.
وتوفر روسيا الآن لبيونغ يانغ متنفسا اقتصاديا وإستراتيجيا، فقد أدى حق النقض الذي مارسته موسكو في عام 2024 إلى إنهاء ولاية فريق خبراء الأمم المتحدة الذي كان يراقب تنفيذ العقوبات، في حين تتيح العلاقة الثنائية المتوسعة لكوريا الشمالية الوصول إلى الإيرادات والتكنولوجيا والتعاون العسكري التي صممت العقوبات لتقييدها.
والنتيجة ليست أن العقوبات أصبحت عديمة الجدوى، بل إن قوتها القسرية تتآكل في الوقت الذي تزداد فيه قدرات كوريا الشمالية العسكرية تطورا.
ويكتسي البعد النووي أهمية مماثلة، فلم تعد بيونغ يانغ تكتفي بمحاولة إثبات حيازتها للأسلحة النووية، بل تسعى إلى بناء قوة نووية أكثر تنوعا وقدرة على البقاء وفاعلية من الناحية العملياتية.
تقدر الاستخبارات الأوكرانية أن مشاركة كوريا الشمالية في الحرب قد عززت قدراتها من خلال منح قواتها خبرة قتالية في الحروب الحديثة، فضلا عن إمكانية الوصول إلى المعدات
وتقدر أجهزة الاستخبارات الأمريكية أن الصواريخ الباليستية العابرة للقارات الكورية الشمالية قادرة على الوصول إلى الأراضي الأمريكية، وأن كيم جونغ أون لا يزال ملتزما بتوسيع ترسانته.
وفي الوقت نفسه، تقدر الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن المفاعل الذي تبلغ طاقته 5 ميغاواط في يونغبيون لا يزال قيد التشغيل، حتى في الوقت الذي تكشف فيه بيونغ يانغ عن قدرات جديدة لتخصيب اليورانيوم.
هذا التمييز مهم، فالقدرة النووية البدائية هي في المقام الأول أداة سياسية، أما الترسانة الكبرى المقترنة بأنظمة إيصال متعددة، وقدرة أفضل على البقاء، وخيارات أكثر مصداقية في ساحة المعركة، فتغير الحسابات العسكرية.
فهي تمنح بيونغ يانغ مزيدا من الثقة في قوتها الرادعة، والمزيد من أدوات الإكراه، وربما مجالا أوسع للمخاطرة دون تجاوز عتبة الحرب الشاملة.
وهنا تبدأ المشكلة الكورية في التقاطع مع خطر إستراتيجي ثان: قلق الحلفاء.
لعقود طويلة، كان أساس الاستقرار في شمال شرق آسيا هو مصداقية الردع الموسع للولايات المتحدة، فلم تكن كوريا الجنوبية واليابان بحاجة إلى ترسانات نووية مستقلة لأنهما كانتا تعملان تحت المظلة النووية الأمريكية.
ولا يزال هذا المسار ساريا، وتواصل واشنطن وسول تعميق التخطيط والتشاور النوويين من خلال "المجموعة الاستشارية النووية" المشتركة بينهما. لكن الردع الموسع هو في نهاية المطاف مسألة ثقة سياسية بقدر ما هو مسألة قدرة عسكرية.
ومع تزايد ترسانة كوريا الشمالية، يعيد الرأي العام في الدول الحليفة اكتشاف السؤال الذي طرحه شارل ديغول على واشنطن قبل 6 عقود: هل سيبادل رئيس أمريكي حقا نيويورك بباريس؟
استبدل لوس أنجلوس بنيويورك، وسول بباريس، وستبقى المعضلة كما هي، وهذا ليس دليلا على فشل التحالف، بل هو ما يحدث عندما يتمكن خصم ما من تعريض وطن الحامي للخطر، وكان رد ديغول هو صنع قنبلته الخاصة.
لا يزال التأييد لامتلاك قدرات نووية محلية مرتفعا في الرأي العام الكوري الجنوبي، حتى في الوقت الذي تؤكد فيه حكومة سول على السلام ونزع السلاح النووي في نهاية المطاف.
وفي اليابان، تتعرض المحرمات الراسخة المحيطة بالقوة العسكرية وحتى السياسة النووية للاختبار بسبب تدهور الوضع الأمني.
وتعمل طوكيو على توسيع قدراتها الدفاعية، بما في ذلك خيارات الضربات بعيدة المدى، وهي تطورات تستغلها كوريا الشمالية لتبرير اتخاذ تدابير عسكرية إضافية من جانبها.
قد تبدو شبه الجزيرة الكورية أكثر هدوءا من الجبهات الأخرى على الخريطة العالمية، لكن لا ينبغي الخلط بين الهدوء والاستقرار، ففي بعض الأحيان، تحدث التحولات الأكثر تأثيرا في السياسة الدولية بالضبط عندما يكون العالم منشغلا بنظر إلى مكان آخر
وهذا يضع بذور معضلة أمنية: فالقدرات الكورية الشمالية تشجع الحلفاء على إعادة التسلح؛ وإعادة التسلح هذه تعزز رواية بيونغ يانغ بشأن "التطويق"؛ ثم تستشهد بيونغ يانغ بهذا الرد كمبرر لمزيد من التوسع. ولا يحتاج أي من الأطراف إلى السعي إلى الحرب حتى تصبح المنطقة أكثر خطورة بشكل تدريجي.
الحل لا يكمن في أن تجعل واشنطن كوريا الشمالية محور التركيز الوحيد للسياسة الخارجية الأمريكية مرة أخرى، كما لا يمكن لقمة أخرى أو مبادرة دبلوماسية أن تعكس ببساطة مسار 3 عقود من التطوير النووي. الهدف الأكثر واقعية هو منع أن تتحول النافذة الإستراتيجية الحالية إلى أمر واقع إستراتيجي في المستقبل.
وهذا يتطلب عدة أمور في آن واحد، يجب على الولايات المتحدة أن تواصل تعزيز الردع التقليدي والنووي مع كوريا الجنوبية واليابان، مع إعطاء الطمأنينة نفس أهمية القدرات العسكرية.
وعليها أن تعمل مع شركائها على إنفاذ العقوبات خارج إطار الأمم المتحدة الذي يعاني من شلل متزايد، لا سيما ضد التمويل غير المشروع والأنشطة السيبرانية وشبكات توليد الإيرادات في الخارج.
لكن على واشنطن أيضا أن تظل منفتحة على الدبلوماسية، ليس لأن بيونغ يانغ أصبحت فجأة مستعدة للتخلي عن ترسانتها، فقد أوضحت قيادة كوريا الشمالية أنها تعتبر وضعها النووي أمرا لا رجعة فيه.
وهذا يجعل الدبلوماسية أكثر صعوبة، لكنه لا يجعلها عديمة الجدوى، لا يزال للحد من المخاطر، والتواصل في أوقات الأزمات، ووضع قيود على الأنشطة الأكثر إثارة للاضطراب، قيمة حتى عندما يظل نزع السلاح النووي الشامل هدفا بعيد المنال.
لا ينبغي أن يكون الهدف إهمالا إستراتيجيا ولا هوسا إستراتيجيا، بل ينبغي أن يكون اهتماما إستراتيجيا مستمرا.
لقد نجت كوريا الشمالية من تنبؤات متكررة بانهيارها، وتحملت عقودا من العقوبات، وحولت الأسلحة النووية إلى محور إستراتيجيتها للأمن القومي.
والآن تمتلك كوريا الشمالية شيئا نادرا ما حظيت به في آن واحد: شريكا خارجيا أقوى، وخبرة في ساحة المعركة، وقوة نووية متنامية، ونظاما دوليا مشتتا بسبب حروب متعددة.
قد تبدو شبه الجزيرة الكورية أكثر هدوءا من الجبهات الأخرى على الخريطة العالمية، لكن لا ينبغي الخلط بين الهدوء والاستقرار، ففي بعض الأحيان، تحدث التحولات الأكثر تأثيرا في السياسة الدولية بالضبط عندما يكون العالم منشغلا بالنظر إلى مكان آخر.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة